عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد سيف: شجرة البانيان.. فلسفة الجذر الهابط من السمـــاء

اعتادت البشرية على إسقاط المعاني على مفردات الطبيعة من حولها، وهي إذْ تستنطِقُها تحاول الولوج إلى ما وراء الأشياء؛ لعل ذلك لقناعة خفيّة متراكمة فينا مفادُها: أنه لا تنفكُّ الطبيعة تخفي شيئا وراء ما تُظهره لنا منها! فيُهَيَّأ لنا أنها ألِسنةٌ تخاطبنا بأعمق المعاني عن الوجود، متجاوزةً بذلك كيانها المادي وأبعاد مظهرها البادي.

واحدة من بُنيّات الطبيعة، مما أخذ بمجامعي، ولم أستطع تخطّيها بدون أن أخطّ فيها، شجرة البانيان (Banyan)، هذه الشجرة تستوطن أصالةً شبه القارة الهندية، وما يميّز هذه الشجرة الأعجوبة أنّها تنزل من أغصانها على  الدوام جذورٌ هوائية تتوغّل في الأرض، لتصبح جذوعا تسند امتداد الأغصان من جهة، وجذورا تمتص الغذاء والماء من التربة من جهة أخرى! فيمتد الانتشار الأفقي للشجرة الواحدة أغصانًا وجذوعًا وجذورا هوائية وجذورا أرضية، على رقعة شاسعة من الأرض، إذ يمكن لشجرة واحدة أن تشكّل لوحدها غابة متكاملة! فمثلا في شجرة البانيان العظيمة في كولكاتا بالهند، وصل عدد الجذور النازلة من الأغصان ما يربو على ثلاثة آلاف جذر، وبارتفاع يصل إلى ثمانية عشر مترا.

هذه الظاهرة البيئية الفريدة استوقفتني جدا، وجعلتني أستخلص منها فلسفاتٍ عدّة كعادتنا حين نلصق المعاني على جبين الأشياء عنوةً وربما استجابة! فلسفات تُلهمنا منظورا نعيش حياتنا بمقتضاها، وفي ذلك امتدادٌ للإنسان لنَسَق الطبيعة.

من هذه الفلسفات أنّ التوسّع يستلزم دعامة موارد، فكما أن شجرة البانيان تمد أغصانها لمسافات شاسعة، فهي ترسل جذورها من هذه التفرعات الغصنية إلى الأرض دعامةً فيزيائية؛ ليتحمّل ثقل التمدد، وقناةً للتموين؛ لتضمن حاجة الأغصان الممتدة من الغذاء، موارد تواكب المَدى، وهكذا يحيلنا على أهمية تهيئة الموارد عند إرادة التوسع سواءً أكان فردا أو مؤسسة أو دولة، أو أكانت مهام شخصية أو علاقات اجتماعية أو مشاريع مادية، إذْ لا بدّ من فحص مواردنا من وقت وطاقة وجهد وانتباه وميزانية، أما من يقفز على هذه القاعدة ويتوسع بدون حساب دقيق لموارده التي تضمن له استدامة توسّعه، فهذا التمدّد حتميّ التبدّد.

ومنها - أي الفلسفات المُستلهَمة - هذا الفرع الذي مدّ جذره الهوائي نحو الأرض، والذي أصبح جذعا متينا فيما بعد، ليس بغصن هامشي؛ لأنه عرف اتجاهه، واتخذ خيارا موفّقًا، وهكذا نحن  - بني البشر - مهما كنا فروعا لا تكاد يُؤْبَه لها، غير أننا حين نتبنّى خيارا مدروسا بعناية يمكن أن نكتب فصلا عظيما في روايتنا، تتجاوز كوننا فرعا من شجرة إلى غابة بأسرها، ففِعلُ النموّ في وسع الجميع، ولكن وجهة النمو ووظيفته ومنتهاه، يحدد مصير هذا النمو، فما هي مصائرنا من دون اختياراتنا في الحياة؟

ومنها، أن ظاهرة شجرة البانيان تعيد تذكيرنا بأنّنا ننطوي على إمكانياتٍ داخلية للنموّ، بل وننضَوي على حظ وافر منها، لكننا ما نفتأ ننظر بعيدا في الخارج، ورغم أنّ تكافلنا مع بني جنسنا ضروري، إلا أنّ ذلك يجب ألّا يحيد بنا عن التفتيش عن إمكاناتنا الذاتية وتوظيفها نحو أعلى كفاية ذاتية يتأتّى الوصول إليها، فمن المؤسف حقا أن يبحث نجّار عمّن يصلح مندوسَه، لا لشيء سوى أنه لا يعرف أنه نجّار في قرارة نفسه، إننا ممتلئون بإمكانيات مطمورة بفعل البيئة وضحالة الوعي والانجرار خلف التبعية وضعف التقدير الذاتي، وهي تنتظر منّا أن ننبُشَنا بأيدٍ من يقين وجِدّ، نعم من العبث أن يسري إلينا الوهم بأنّنا مُكْتفون، إلا أنّ فينا الكثير جدا مما لم نلتف إليه أصلا، ولم نعتقد أنه بحوزتنا يوما، ونتّكئ على غيرنا فيه، كمتسوّل يلبس نعلين من ذهب ظانا أنهما خردة طول عمره، ولك أنْ تتخيّل كم من الوقت والجهد ستدخّر حينما تُفعّل إمكانيّاتك الذاتية كليّةً؟ وكم من المنافع التي ستنُولها إذَّاك؟

وعلى غِرار ما أصَّله الفيلسوف الإيراني الفرنسي داريوش شايْغان تَبَعًا للكاتبَين الفرنسيين دولوز وغاتاري من وصف الهُوية بالريزويمة(1) نسبة للنباتات الجذمورية التي تتفرّع سيقانها أفقيا تحت الأرض مرسلة جذورها التي تمتد لاحقا براعمَ تنمو نباتات جديدة فوق سطح الأرض، ورغم أني متيّمٌ بتأصيل شايْغان عن الهُوية، إلا أنّ شجرة البانيان أراها الوصف الألصق بماهية الهُوية؛ إذْ إن تشابكاتها ليست تلاقيًا عند الأصول تحت الأرض فحسب، بل حتى الفروع في السماء تتشعّب وتتعقّد هي الأخرى كذلك، فلا تعرف السابق منها من اللاحق، فهذه الخُلطة الهُويّاتية التي نعيشها اليوم، خُلطة أصولٍ، وتمثله الجذور الأرضية، وخُلطة فروع، وتمثّله الجذور الهوائية، وهذا ينطبق تماما على ما تمثّله شجرة البانيان؛ ولذا أفضّل وصف الهُويّة الإنسانية بالهُوية البانيانية، ولا أعتقد أنّ أحدًا سبقني إلى ذلك، وهذا الوصف يحمل في تضاعيفه مفهوما صادما وهو أنّ الهُويّة جذرها الأول هو الإنسان تماما كجذر شجرة البانيان الأول، وعليه؛ فالهُويّة بما حُمِّلَت من دلالات جماعية تنحو نحو الانفصال، مجرد وهم يُجلَب لحماية قناعات جماعية معيّنة، أما الحقيقة الصاخبة فهي أنّ هُويتنا هي بمثابة أعراقنا، لا يوجد عرق نقي، بل خليطٌ من أعراق شتّى، كل ما في الأمر، أنّ بعض الأعراق مكثت فيما بينها مدة متطاولة، على أنّ عالَم اليوم لا يُعاش بهُوية موروثة تؤطر حركتنا بقدر ما يُعاش بمنظور ينطلق من الإنسانية ويمتد إلى أبعد مَدى من رحاب الكون الفسيح، متبنّيًا أيًا من الخيارات المتاحة، بل ومولّدًا خياراتٍ أخرى، ومتجاوزًا مما يراه من خياراته الأولى.

وأختم بهذه الفلسفة المدهشة، من أنّ مراحلنا اللاحقة يجب ألّا تكون مجرد نسخة كبيرة من مراحلنا المبكرة، تماما كشجرة البانيان فالشجرة المعمّرة منها ليست مجرد نسخة كبرى منها حينما كانت في سنينها الأولى، خلافا لبقية الأشجار، بل نسخةٌ معادٌ تشكيلُها على نحو لم تكن لتتعرّف على نسختها الأولية بادئ ذي بدء، وهكذا ينبغي لنا أن نكون بني البشر، أفرادًا نعيد تشكيلَنا بتجاربنا في الحياة إلى أقصى حدود ما نستطيع، ويالِعِظَم ما نستطيع! إنك لا تندهش من زميل جمعتكما مقاعد الدراسة، ثم لقيته بعد عقدين، لم يتغير منه إلا الجسم والشيب هنا وهناك، وبالكاد قد تغيّر نمط استجابته في الحياة، مثلما يدهشك ذاك الذي أصبح شخصية جامحة خلعت من ربقتها إسار نسختها البالية، واستقبلت الحياة بأقصى تجلّياتها، عمقا وتشعُّبا ودَهْشة، حتى بالكاد عرفت أنه هو هو!

وأني لَأجزم أنك حين تُنْعم النظر وتُمْعنه أكثر فأكثر في شجرة البانيان، فسَتَعْتَمِلُ فيك إشراقاتُ فلسفاتٍ أُخَر بحسب استعدادك الذهني في تَمَثُّل المعاني في الأشياء، فلسفات تتجسّد رِفادةً لكتابة قصة حياتك بأفضل حبكة ممكنة، إنّ ما حولنا لا يكفّ عن توجيهنا، غير أنّ هذا التوجيه بحاجة إلى بصيرة تجيد الاستقبال، وأما صُمّ الحجر فلا تنفعه غزارة الغيث ولو هبطت عليه السماء، هذا ما يحاول أن يقوله لنا هذا الجذر الهابط من السماء!

***

محمـــد سيـــف

........................

الهوامش:

داريوش شايْغان - الأصنام الذهنية، الفوات التاريخي، النفس المبتورة، د. خديجة زتيلي، ص61 ،62، دار فضاءات للنشر والتوزيع، الأردن، ط:1، 2021.

في المثقف اليوم