الفيلسوف الذي جعل من التمرد سؤالا ومن الإنسان قضية
في زمن كثرت فيه الأسماء حتى كادت الأسماء تطمس أصحابها، وكثر المتحدثون حتى أصبح ممكنا أن يصنع المرء حضورا صاخبا دون أن يترك وراءه فكرة واحدة جديرة بالبقاء، تصبح العودة إلى معنى المثقف الحقيقي ضرورة وليست ترفا.
فليس الفيلسوف من يحفظ تاريخ الفلسفة، وإنما من يستطيع أن يجعل هذا التاريخ سؤالا حيا في وجه عصره. وليس المفكر من يملأ رفوف المكتبات بالكتب، وإنما من يترك في عقل قارئه شقوقا صغيرة يتسلل منها ضوء جديد.
في المشهد الثقافي، ثمة فرق بين من يحتل مساحة ومن يصنع مساحة، وبين من يضيف اسمه إلى المشهد ومن يضيف إلى المشهد معنى. الأول تصنعه المنابر، أما الثاني فتصنعه الأسئلة.
ومن هذه الزاوية تبدو تجربة حسن حماد جديرة بأن تقرأ لا باعتبارها تجربة أستاذ جامعي أو صاحب مؤلفات متعددة فحسب، وإنما باعتبارها مشروعا فكريا ظل، عبر عقود، منشغلا بسؤال الإنسان: اغترابه، وحريته، وتمرده، وبحثه عن المعنى والخلاص.
وتكشف مسيرته الأكاديمية عن تكوين فلسفي عميق بدأ باهتمامه بإريك فروم، ثم اتجه في أطروحته للدكتوراه إلى النظرية النقدية عند هربرت ماركيوز. وهذا الاختيار المبكر لم يكن تفصيلا أكاديميا عابرا، فقد ترك أثره الواضح في مساره الفلسفي اللاحق.
وربما يكون سؤال الإنسان هو المفتاح الأهم لفهم عالم حسن حماد.
فالإنسان عنده ليس مفهوما مجردا يسكن الكتب، وإنما كائن مأزوم يبحث عن ذاته، ويصطدم بالسلطة، ويخاف الحرية أحيانا، ويبحث عن معنى لوجوده، ويحاول أن يفلت من كل البنى التي تحوله إلى مجرد تابع أو رقم داخل منظومة أكبر منه.
ومن هنا يمكن فهم انتقاله من الاغتراب عند إريك فروم إلى النظرية النقدية عند ماركيوز، ثم إلى الاغتراب الوجودي واليوتوبيا والأمل والسعادة والمعنى. فهذه الموضوعات، على اختلاف عناوينها، ليست جزرًا منفصلة في مشروعه، وإنما محطات على طريق سؤال واحد: كيف يستطيع الإنسان أن يستعيد ذاته في عالم يعمل باستمرار على انتزاعها منه؟
في كتاباته عن الاغتراب، يصبح الإنسان كائنا مهددا بفقدان ذاته. وفي حديثه عن اليوتوبيا والأمل، يبدأ البحث عن إمكانية تجاوز هذا الاغتراب. وهنا تتضح إحدى أهم سمات مشروعه: أنه لا يكتفي بتشخيص مأزق الإنسان، وإنما يبحث عن إمكانات الخروج منه.
وهذا هو المعنى الذي يأخذ عنده فكرة التمرد إلى مستوى فلسفي.
فالتمرد ليس مجرد رفض غاضب للواقع، وليس رغبة في الهدم من أجل الهدم، وإنما هو القدرة على إدراك أن الواقع القائم ليس بالضرورة هو الواقع الممكن، وأن ما اعتدناه ليس بالضرورة ما يجب أن يبقى.
ولهذا جاءت قراءته لهربرت ماركيوز في كتابه «هربرت ماركيوز.. فيلسوف النفي والتحرر» امتدادا طبيعيا لهذا المنظور، حيث يتناول علاقة النفي والتحرر والتمرد والثورة في فلسفة ماركيوز. فالنفي هنا لا يعني إنكار العالم، وإنما فتح إمكانية عالم آخر.
وهنا تكمن إحدى الوظائف الكبرى للفلسفة: أن تمنح الإنسان القدرة على تخيل ما لم يوجد بعد.
أن تقول له إن التاريخ ليس سجنا، وإن السلطة ليست قدرا، وإن الموروث ليس فوق السؤال، وإن الحقيقة لا تتحول إلى حقيقة لأنها تملك القوة، وإن الإنسان لا ينبغي أن يفقد حقه في التفكير لمجرد أن الآخرين سبقوه إلى الإجابة.
ومن هذه الأرضية نفهم لماذا أصبحت فكرة التمرد مركزية في تجربة حسن حماد.
إن الفلسفة، في قراءته، ليست مخزنا للأجوبة، وإنما ممارسة نقدية مستمرة؛ إنها تلك القدرة على مساءلة ما يبدو بديهيا، وكشف ما تختبئ خلفه السلطة، والبحث عما يغيب خلف الكلمات الكبيرة: الدين، والأخلاق، والتقاليد، والسياسة، والجمال، والحرية.
لكن مشروع حسن حماد لا يقف عند حدود الرفض.
وهذه نقطة مهمة في فهم تجربته.
فبعد أن يسأل: لماذا يغترب الإنسان؟ ينتقل إلى السؤال الأصعب: كيف يمكن أن يستعيد ذاته؟
ومن هنا جاءت أعماله حول «الخيال اليوتوبي»، و«آفاق الأمل»، و«بحثا عن المعنى والسعادة واليوتوبيا». فاليوتوبيا عنده ليست حلما ساذجا، وإنما فعل مقاومة لفكرة أن الواقع القائم هو نهاية الممكن، والأمل ليس مجرد حالة وجدانية، وإنما قدرة الإنسان على تصور مستقبل مختلف.
ومن هنا أيضا جاء اهتمامه بالفن وعلم الجمال.
فالفن عند حسن حماد ليس منفصلا عن أسئلة الحياة، وإنما إحدى إمكانات مقاومة الاغتراب والعبث. وفي «الخلاص بالفن.. التراجيديا نموذجا»، و«النقد الفني وعلم الجمال»، ودراساته للفن التشكيلي المصري، يواصل السؤال الفلسفي نفسه بلغة الجمال: هل يستطيع الفن أن يمنح الإنسان لحظة تحرر من عالم يثقل وجوده؟ وهل يمكن للجمال أن يقاوم القبح؟ وهل تستطيع التراجيديا أن تحول الألم من مجرد معاناة إلى معرفة؟
وهنا تتصل فلسفة الفن عنده بفلسفة الإنسان اتصالا عميقا؛ فالفن ليس موضوعا خارج الإنسان، وإنما إحدى الطرق التي يحاول بها الإنسان أن يفهم وجوده وأن يمنح الفوضى معنى.
ويبلغ هذا المسار ذروة لافتة في كتابه «محنة العبث ورحلة البحث عن خلاص.. قراءة وجودية في أدب نجيب محفوظ»، الذي حصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 2014. وفي هذا العمل لا يصبح نجيب محفوظ مجرد روائي كبير، وإنما فضاء فلسفيا لقراءة مأزق الإنسان، والعبث، والبحث عن المعنى والخلاص.
ثم يخرج حسن حماد من سؤال الإنسان الفرد إلى سؤال الإنسان داخل المجتمع، حيث السلطة والمقدس والأيديولوجيا.
وهنا تصبح كتاباته عن التكفير والأصوليات والعنف المقدس امتدادا منطقيا لمشروعه، لا قطيعة معه.
في «ذهنية التكفير.. الأصوليات الإسلامية والعنف المقدس» يشتبك مع واحدة من أخطر صور إغلاق العقل: حين تتحول القناعة إلى يقين مطلق، ويتحول امتلاك الحقيقة إلى حق في إلغاء المختلف.
المسألة عنده، إذن، ليست خلافا في الأفكار فحسب، وإنما سؤال عن البنية التي تسمح للإنسان بأن يمنح نفسه سلطة الحكم على الآخرين، وأن يحول الاختلاف من حق إنساني إلى جريمة.
ثم يأتي «دوائر التحريم.. السلطة والجسد والمقدس» ليقترب من منطقة أكثر تعقيدا: العلاقة بين السلطة والجسد والمقدس، وكيف يمكن للتحريم حين يتحول إلى منظومة اجتماعية مغلقة أن يصبح أداة للسيطرة على الإنسان، لا مجرد تعبير عن اختيار أخلاقي أو ديني.
وفي «المقدس والسياسة» يواصل هذا الاشتباك مع واحدة من أكثر القضايا التباسا في الاجتماع العربي: أين ينتهي المقدس وتبدأ السياسة؟ وكيف يتحول المقدس، حين يدخل مجال الصراع على السلطة، من قيمة روحية إلى أداة سياسية؟
وهكذا تتسع خريطة مشروعه شيئا فشيئا.
من فروم إلى ماركيوز، ومن الاغتراب إلى الأمل، ومن اليوتوبيا إلى الفن، ومن الفن إلى العبث، ومن نجيب محفوظ إلى سؤال الخلاص، ومن التكفير إلى المقدس، ومن المقدس إلى السياسة والسلطة.
وعند هذه النقطة تحديدا يصبح من الخطأ قراءة حسن حماد باعتباره كاتبا في موضوعات متعددة.
إننا أمام مشروع له خيط داخلي واضح: الدفاع عن الإنسان في مواجهة كل ما ينتقص من حريته، ويصادر عقله، ويغلق أمامه إمكانات السؤال.
وهذا ما يفسر أيضا حضوره في المشهد الثقافي المصري؛ فالفلسفة عنده لم تكن نشاطا أكاديميا محصورا داخل الجامعة، وإنما معرفة ينبغي أن تعود إلى المجال العام، إلى المجتمع، إلى الأسئلة التي تؤرق الإنسان خارج قاعات الدرس ومصطلحات الكتب.
وقد تنوعت مؤلفاته بين الفلسفة الوجودية والنظرية النقدية وفلسفة الفن والجمال وقضايا الاغتراب واليوتوبيا، وصولا إلى قضايا السلطة والتكفير والمقدس والسياسة، بما يكشف عن مشروع واسع لا يجمعه عنوان واحد بقدر ما تجمعه رؤية واحدة للإنسان.
ولذلك فإن قيمة حسن حماد لا تكمن في عدد كتبه وحده، ولا في المناصب الأكاديمية التي شغلها، وإنما في قدرته على تحويل الفلسفة من معرفة مغلقة إلى سؤال مفتوح، ومن تاريخ للأفكار إلى أداة لفهم الحاضر.
إنه ينتمي إلى ذلك النوع النادر من المثقفين الذين لا يكتفون بأن يعرفوا ماذا قال الفلاسفة، وإنما يسألون: ماذا يمكن أن تفعل الفلسفة بنا الآن؟
وهنا تحديدا تكمن أهمية تجربته.
فهو لا يكتب عن الإنسان من الخارج، وإنما يبحث عن الإنسان داخل المفاهيم: الإنسان خلف السلطة، وخلف المقدس، وخلف الأيديولوجيا، وخلف الاغتراب، وخلف الخوف، وحتى خلف الفن والجمال.
ومن ثم فإن مشروعه كله يمكن أن يقرأ باعتباره رحلة طويلة لاستعادة الإنسان من الأشياء التي صادرته.
الاغتراب كان سؤالا عن فقدان الذات.
واليوتوبيا كانت بحثا عن الممكن.
والأمل كان مقاومة لليأس.
والفن كان محاولة للخلاص من العبث.
ونقد التكفير كان دفاعا عن حق الاختلاف.
ونقد السلطة كان دفاعا عن الحرية.
أما التمرد، فكان الخيط الذي يصل كل ذلك بعضه ببعض.
ولهذا أرى أن حسن حماد واحد من أهم فلاسفة العصر الحديث الذين حملوا هم الإنسان، ولم يتعاملوا مع الفلسفة بوصفها ترفا ذهنيا أو زينة أكاديمية، وإنما بوصفها مسؤولية تجاه العقل والحرية والإنسان.
لقد حاول أن يعيد للفلسفة وظيفتها الأولى: أن تسأل حين يصمت الجميع، وأن تشكك حين يتحول الشك إلى جريمة، وأن تفتح النوافذ حين تتحول الأفكار إلى جدران، وأن تخرج من أسوار الجامعة إلى فضاء المجتمع، حيث تبدأ الأسئلة الحقيقية وحيث يصبح التفكير ضرورة لا ترفا.
وحين نقرأ تجربته كاملة، ندرك أن التمرد عند حسن حماد ليس موقفا عابرا، وإنما هو طريقة في النظر إلى العالم؛ أن ترفض أن تكون عبدا لفكرة لم تختبرها، أو أسيرا ليقين لم تختره، أو تابعا لسلطة تخاف من السؤال.
وهنا يصبح الفيلسوف، في أعمق معانيه، ليس ذلك الذي يمتلك الإجابة، وإنما ذلك الذي يمنع الإجابة من أن تتحول إلى سجن.
لقد ظل مشروعه وفيا للإنسان: يبحث عنه حين يغترب، ويدافع عنه حين تقهره السلطة، ويستعيد حريته حين يحاصره المقدس، ويمنحه الأمل حين يثقل عليه العبث، ويمنحه الفن حين يعجز الواقع عن منحه الخلاص.
وربما لهذا تحديدا كان التمرد في فلسفته ليس خروجًا على العالم، بل محاولة لإنقاذ الإنسان من أن يتحول إلى نسخة مما يريد العالم أن يكونه.
ربما حسن حماد هو ذلك الفيلسوف الذي لم يجعل من الفلسفة مقبرة للأفكار، وإنما جعل منها مساحة حية للقلق والسؤال والحرية.
لهذا سيبقى حسن حماد، في المشهد الفلسفي والثقافي المصري، أكثر من أستاذ للفلسفة وأكثر من صاحب مؤلفات؛ سيبقى واحدا من أولئك الذين جعلوا من السؤال فعلا للمقاومة، ومن العقل مساحة للحرية، ومن الفلسفة طريقا لاسترداد الإنسان.
وهنا تكمن فرادة حسن حماد؛ فقد ظل وفيا للفلسفة بوصفها قوة نفي ومقاومة وتجاوز، ووفيا للإنسان بوصفه مشروعا مفتوحا لم يكتمل بعد.
***
ابتهال عبد الوهاب








