أو كيف يُنتج الفكر اختلافه في مواجهة بلاهة العالم.. قراءة تأويلية في فلسفة جيل دولوز
في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات أكثر مما تتكاثر فيه الأفكار، وتفيض فيه المعلومات بينما يتراجع المعنى، يبدو السؤال عن الفلسفة سؤالًا عن مصير الإنسان نفسه. فالأزمة التي يعيشها عالمنا ليست أزمة نقص في المعرفة، وإنما أزمة في كيفية التفكير. لقد أصبحنا نعيش عصرًا تُستهلك فيه الآراء بسرعة، وتُنتج فيه الأحكام قبل أن تنضج الأسئلة، حتى غدا الضجيج قادرًا على احتلال المكان الذي كان يحتله العقل.
في هذا السياق، تكتسب فلسفة جيل دولوز راهنية استثنائية، لأنها لا تدعونا إلى البحث عن يقين جديد، بل إلى تحرير الفكر من أوهام اليقين. لم يكن دولوز منشغلًا بتقديم منظومة مغلقة من الحقائق، وإنما كان يسعى إلى زعزعة ما سماه «الصورة الدوغمائية للفكر»، أي ذلك الاعتقاد بأن الإنسان يفكر لمجرد أنه يمتلك عقلًا، وأن الحقيقة تنتظر من يكتشفها في هدوء. أما الواقع، فيكشف أن التفكير فعل نادر، وأن العقل قد يتحول، إذا استسلم لعاداته، إلى أداة لتبرير المألوف بدل مساءلته.
إن الحمق، من هذا المنظور، ليس شتيمة تُوجَّه إلى الأشخاص، ولا وصفًا لضعف الذكاء، بل هو نمط في الوعي يرفض أن يغادر يقيناته. إنه لحظة يتوقف فيها السؤال عن العمل، ويستقر العقل داخل أجوبة جاهزة، فيغدو تكرار الأفكار أكثر سهولة من إنتاجها، ويصبح الدفاع عن الموروث أهم من اختبار صلاحيته. وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ لأن المجتمعات لا تتراجع حين يكثر الجهل فقط، بل حين يتحول اليقين إلى بديل عن التفكير.
لقد أراد دولوز للفلسفة أن تكون فنًا لخلق المفاهيم، لا مستودعًا للمفاهيم. فالمفهوم، في نظره، ليس تعريفًا جامدًا، بل أداة تفتح للعالم إمكانات جديدة للفهم. وكل مفهوم يولد لأن الواقع تغيّر، ولأن اللغة القديمة لم تعد قادرة على احتواء التجربة الجديدة. لذلك فإن الفلسفة ليست تكرارًا لما قاله السابقون، وإنما هي شجاعة في ابتكار لغة جديدة حين تعجز اللغة الموروثة عن تفسير ما يحدث.
ولعل هذا ما نفتقده في فضائنا الثقافي العربي. فنحن نميل، في كثير من الأحيان، إلى استهلاك الأفكار أكثر من إنتاجها، وإلى استحضار الأسماء الكبرى أكثر من محاورتها. نقرأ الفلاسفة باعتبارهم سلطات معرفية، بينما كانوا هم أول من تمرّد على سلطة من سبقهم. وهكذا تتحول الفلسفة، التي وُجدت لتحرير العقل، إلى محفوظات جامدة، ويصبح استدعاء الأسماء بديلاً عن صناعة المفاهيم.
إن أخطر أشكال الحمق ليست تلك التي تظهر في الخطابات الصاخبة وحدها، بل تلك التي تتسلل إلى الحياة اليومية، حين يصبح الاختلاف مدعاة للريبة، والسؤال علامة على التمرد، والنقد قرينًا لسوء النية. عندها لا يعود المجتمع ينتج مواطنين يفكرون، بل أفرادًا يكررون ما اعتادوا سماعه. وهذا ما يجعل الفلسفة ضرورة حضارية قبل أن تكون تخصصًا أكاديميًا؛ لأنها تعلم الإنسان كيف يعيش مع السؤال، لا كيف يهرب منه.
ولا يعني الدفاع عن الاختلاف الدعوة إلى الفوضى أو إنكار الحقائق، بل يعني الاعتراف بأن الحقيقة لا تزدهر إلا في فضاء الحوار، وأن الفكر لا ينمو إلا إذا تعرض للاختبار. إن الثقافة التي تخشى الأسئلة محكوم عليها بأن تعيد إنتاج نفسها حتى وهي تعتقد أنها تتجدد، بينما الثقافة التي تمنح العقل حق الشك والنقد، تمتلك القدرة على تصحيح أخطائها وصناعة مستقبلها.
لقد أدرك دولوز أن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان هو أن يعتقد أن العالم قد اكتمل، وأن كل ما تبقى هو إعادة شرح ما قيل. لكن الحياة، في جوهرها، ليست تكرارًا، بل صيرورة دائمة، وكل جيل مدعو إلى أن يخلق مفاهيمه التي تفسر زمنه، لا أن يكتفي بترديد مفاهيم الأزمنة السابقة. لذلك فإن الفيلسوف لا يحرس الماضي، بل يفتح المستقبل، ولا يقدس الأجوبة، بل يمنح الأسئلة قدرة جديدة على الإقامة في الوعي.
إن مجابهة الحمق ليست معركة ضد أشخاص، بل هي مقاومة لكل بنية ثقافية تجعل الإنسان يطمئن إلى ما يعرف أكثر مما يطمح إلى ما يمكن أن يعرفه. إنها دعوة إلى استعادة فضيلة الدهشة، وإلى إعادة الاعتبار للتفكير بوصفه فعلًا من أفعال الحرية. فحين يتوقف العقل عن الابتكار، تبدأ الحضارات في الدوران حول نفسها، وحين يفقد الإنسان شجاعته في مساءلة البداهات، يصبح أسيرًا لما صنعه بيديه من يقين.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا اليوم ليس: كيف نكسب مزيدًا من المعلومات؟ بل: كيف نعيد إلى الفكر قدرته على إنتاج الاختلاف؟ فالمعرفة التي لا تخلق أفقًا جديدًا سرعان ما تتحول إلى عبء، والثقافة التي لا تشجع على التفكير تنتهي إلى صناعة الامتثال. أما الفلسفة، فإنها تظل، رغم كل شيء، الوعد الدائم بأن الإنسان قادر على أن يبدأ من جديد، وأن يبتكر مفاهيم جديدة كلما بدا العالم وكأنه استنفد كل إمكاناته.
وهكذا، فإن أفضل وفاءٍ لجيل دولوز لا يكون بتكرار مفاهيمه، بل بممارسة الروح التي حكمت مشروعه الفلسفي: روح الجرأة على التفكير، والقدرة على خلق الاختلاف، والإيمان بأن العالم لا يتغير عندما نعيد وصفه، بل عندما نجرؤ على التفكير فيه بطريقة لم تكن ممكنة من قبل.
***
بقلم: د. معروفي العيد








