جودت هوشيار وفانتازيا الحبيبة الروسية
حين يعود الكتّاب العرب إلى التجربة السوفيتية بعد عقود، لا تعود موسكو التي يتذكرونها هي موسكو التي عاشوها بالضرورة. بين التجربة والكتابة مسافة تصنعها الذاكرة، وفي هذه المسافة تعيد التفاصيل ترتيب نفسها: السكن الطلابي، المقهى، الشارع الثلجي، كأس الفودكا، ليلة عابرة، وامرأة روسية ظهرت فجأة في حياة طالب غريب. ما كان في لحظته جزءًا من يوم عادي قد يتحول، بعد سنوات، إلى مشهد مكثف يختزن عالمًا كاملًا. فالأدب لا يستعيد الواقع كما وقع، وإنما ينتقي منه، ويعيد ترتيب عناصره، ويمنح المصادفة شكلًا ومعنى لم يكن لها بالضرورة في لحظة حدوثها.
لهذا لم يبق الاتحاد السوفيتي في الكتابات العربية مجرد دولة ومشروع أيديولوجي ومكان للدراسة، بل صار أيضًا مكانًا حميميًا في الذاكرة؛ فضاءً اكتشف فيه كثير من الشبان العرب والشرقيين والآسيويين والأفارقة.. الغربة والاستقلال والصداقة والحب، واختبروا للمرة الأولى حياتهم بعيدًا عن البيت والبيئة المألوفة. وما يبقى من تلك التجربة ليس دائمًا ما كان أهم في التاريخ، وإنما ما كان أكثر قابلية لأن يتحول إلى حكاية: ليلة، وجه، غرفة، لقاء، أو باب فُتح في لحظة غير متوقعة.
وفي قلب هذا النوع من الذاكرة تظهر «الحبيبة الروسية». وقد صاغت مارجريت ليتفن لهذا الحضور مفهوم «فانتازيا الحبيبة الروسية»، مشيرة إلى نموذج أدبي متكرر تصبح فيه المرأة الروسية أكثر من شخصية عاطفية؛ تتحول إلى صورة لعالم آخر، أكثر حميمية أو عمقًا أو دفئًا في المخيال العربي عن التجربة السوفيتية. وليس المقصود بهذا المفهوم وصف النساء الروسيات، بل وصف الطريقة التي أعادت بها بعض الكتابات العربية تخيل المرأة والتجربة السوفيتية معًا. وفي هذا السياق، وبالمناسبة، يصدر في وقت لاحق من هذا الشهر كتاب مارجريت ليتفن Red Mecca: The Life and Afterlives of the Arab-Soviet Romance عن دار Princeton University Press، في 22 سبتمبر 2026. والكتاب، كما تقدمه الدار، هو دراسة أدبية موسعة لتشابكات العرب بالاتحاد السوفيتي، تستند إلى الروايات والرسائل والمقابلات ومحاضر الاجتماعات الجامعية ومصادر أخرى، وتتتبع الطريقة التي أعاد بها الكتّاب العرب تخيل تجاربهم السوفيتية والروسية. وقد نشرت ليتفن قبل الكتاب عددًا من الأبحاث والمواد التي مهدت لهذا المشروع، لذلك فنحن لا ننتظر بداية البحث، بل ننتظر صدور الصيغة البحثية الأوسع التي تجمع هذه المسارات وتضعها في إطار واحد. ومن بين الأسئلة التي تكتسب أهمية خاصة في هذا المشروع صورة المرأة الروسية في المخيال العربي، وكيف انتقلت من تجربة عابرة أو علاقة شخصية إلى ما يمكن تسميته فانتازيا الحبيبة الروسية.
غير أن هذه الذاكرة لم تنتج نوعًا واحدًا من الحكايات. فبين تجارب عاطفية ناضجة ترى في اللقاء علاقة بين شخصين لكل منهما كيانه، وسرديات أسيرة النرجسية والدونجوانية المراهقة، مسافة واسعة. في النوع الثاني يصبح الراوي مركز الحكاية، وتتحول النساء إلى شهادات على جاذبيته، حتى يبدو أحيانًا كأن الروسيات كنّ يقفن في طابور بانتظار إشارة من حضرة جنابه. لا يعود الآخر هنا موضوعًا لاكتشافه، بل مادة لتضخيم الذات، وكل علاقة جديدة تصبح سطرًا في سيرة الفتوحات. أما الكتابة الأكثر نضجًا، فلا تجعل المرأة جائزة ولا دليلًا على تفوق الرجل، بل حضورًا مستقلًا يختبر الراوي نفسه ويكشف له حدود الصور التي يحملها عن الآخر.
وتنكشف هذه المفارقة أكثر حين نقرأ، إلى جانب ما كتبه الرجال العرب عن الروسيات، ما كتبته نساء روسيات عن علاقاتهن بالأجانب. لا تمنحنا روايات الطرف الآخر حقيقة نهائية، لكنها تكشف أحيانًا هوة صارخة بين التجربة كما يرويها الرجل والتجربة كما يمكن أن تراها المرأة. ففي السرد النرجسي قد تظهر المرأة جميلة ومفتونة، وكأنها دخلت المشهد لتؤدي دورًا جاهزًا؛ بينما تكشف روايتها هي عن علاقة أكثر التباسًا، وعن اختلاف في التوقعات والصور وسوء الفهم، وربما عن تجربة عابرة لم تكن تعني لها ما أوحى به الراوي. وهنا يصبح السؤال الأدبي أعمق من سؤال الصدق والكذب: ماذا يحدث للإنسان الآخر حين ينتقل من الواقع إلى ذاكرة الراوي ثم إلى الأدب؟
من هنا يصبح د. جودت هوشيار حالة جديرة بالتأمل. فهو يكتب من عالم التجربة السوفيتية لا بوصفه مؤرخًا لها، وإنما بوصفه كاتبًا تشكل جزء من مادته السردية في ذلك العالم. وفي قصته القصيرة «الترام الذي لن يأتي» لا تكمن المسألة في مطابقة الحكاية لسيرة الكاتب، ولا في البحث عن الواقعة الأصلية خلف كل تفصيل؛ فذلك يرد النص إلى سؤال السيرة ويضيّق أفقه الأدبي. الأهم هو النظر إلى ما فعلته الكتابة بالتجربة: كيف تحولت ليلة عابرة إلى حكاية؟
المصادفة التي تصنع الحكاية
تبدأ القصة من عطب صغير في الحياة اليومية: آخر ترام لا يأتي في ليلة شتوية، فيجد طالب عراقي نفسه عالقًا في شارع موسكو. ومن هذه النقطة البسيطة تنفتح الحكاية على سلسلة من المصادفات: امرأة روسية في مأزق، مرافقة، بيت، غرفة، ثم صباح. ظاهريًا تبدو الأحداث متتابعة كما لو أنها وقائع عفوية، لكن هوشيار يعيد تنظيمها بحيث تصبح المصادفة نفسها هندسة سردية. غياب الترام يخلق الانتظار، والانتظار يخلق اللقاء، واللقاء يفتح باب البيت، والبيت يقود إلى ليلة لا يعرف أحد منذ بدايتها إلى أين ستنتهي.
وهنا تكمن براعة العنوان. «الترام الذي لن يأتي» ليس مجرد اسم لوسيلة نقل غابت عن موعدها؛ إنه المحرك الخفي للقصة. لو جاء الترام لانتهت الليلة في اتجاه آخر، ولما حدث اللقاء أصلًا. ما يبدو في البداية خسارة صغيرة يتحول إلى الشرط الذي يجعل الحكاية ممكنة. إن غياب الترام هو الذي يفتح الطريق أمام حضور آخر. ولذلك فالعنوان لا يصف حدثًا فحسب، بل يكشف منطق القصة كله: ما لا يأتي هو الذي يتيح حدوث ما يأتي.
ويتأكد هذا المنطق في بناء المكان. فالقصة تتحرك من الفضاء العام إلى الفضاء الخاص في انتقال متدرج: شارع موسكو، موقف الترام، مدخل العمارة، الشقة، الغرفة. وكل خطوة إلى الداخل تعني ابتعادًا عن المدينة المجهولة واقترابًا من عالم أكثر حميمية. في البداية يكون الراوي غريبًا في فضاء لا يملك السيطرة عليه؛ ثم يصبح ضيفًا في بيت امرأة، لكنه لا يتحول إلى صاحب المكان. إنه يدخل عالمًا خاصًا بصفة مؤقتة، ويعرف، بصورة أو بأخرى، أن عليه أن يغادره.
ولذلك فإن البيت في القصة ليس مجرد مكان للنوم بعد ليلة باردة. إنه عتبة بين عالمين: الخارج والداخل، الغربة والألفة، المدينة والذات. والانتقال إليه يمنح القصة توترها الحقيقي؛ فكلما اقترب الراوي من الحميمية ازداد شعوره بأن هذه الحميمية مؤقتة. الليل يتيح اللقاء، لكنه لا يضمن استمراره. والصباح يحمل معه نهاية الإقامة والعودة إلى الطريق.
حتى الزمن يخدم هذا البناء. فالحكاية محصورة في دورة ليلية مكثفة: مساء، برد، انتظار، لقاء، دخول، ليل، ثم فجر وصباح. هذه الوحدة الزمنية تسمح للمصادفة بأن تتسارع وللشخصيتين بأن تقتربا بسرعة لا تسمح بها الحياة اليومية عادة. الليل هنا ليس خلفية محايدة؛ إنه ظرف سردي يعلّق إيقاع الحياة المعتاد، ويجعل ما يبدو مستبعدًا قابلًا للحدوث.
المرأة بين الفانتازيا والشخصية
أما المرأة، فهي النقطة التي كان يمكن عندها أن تنزلق القصة بسهولة إلى فانتازيا «الحبيبة الروسية» بمعناها الساذج. إنها جميلة، روسية، تظهر في لحظة استثنائية، وتدخل الغريب إلى بيتها، وتمنحه ثقتها ورقم هاتفها. كل العناصر التي تغذي المخيال الذكوري موجودة تقريبًا. لكن هوشيار لا يدفعها إلى النهاية التي يتوقعها هذا المخيال. فالمرأة ليست مكافأة للرجل على مغامرته، ولا مجرد موضوع لرغباته؛ إنها هي الأخرى في مأزق، وهي التي تتخذ قرار الثقة، وتدعو، وتستضيف، وتحدد حدود اللقاء.
وهذه التفاصيل تنقل العلاقة من منطق الامتلاك إلى منطق التبادل. الراوي يحتاج إلى مأوى، وهي تحتاج إلى قدر من الأمان. هو يدخل عالمها، لكنها لا تفقد موقعها داخله. وحتى حين تشحن القصة اللقاء بإيحاءات حسية واضحة ــ الجمال، القرب الجسدي، الغرفة، العطر، الأرق، ورقم الهاتف ــ فإنها لا تحول هذه الشحنة إلى غاية نهائية. الانجذاب يضيف توترًا إلى الحكاية، لكنه لا يختصرها.
ولعل أجمل ما يفعله هوشيار أنه يوقف العلاقة عند العتبة. المرأة لا تصبح «حبيبة» بالمعنى الذي يوحي به العنوان النقدي، ولا نعرف ماذا حدث بعد تلك الليلة: هل اتصل بها الراوي؟ هل استمرت العلاقة؟ هل تحولت المصادفة إلى حب؟ النص لا يجيب، وربما تكمن قوته في أنه لا يجيب. فلو اكتملت العلاقة لتحولت الحكاية إلى قصة عاطفية تقليدية؛ أما إبقاؤها في منطقة الاحتمال فيحفظ لها توترها وغموضها.
وهنا تلتقي بنية القصة مع مفهوم ليتفن من دون أن تصبح القصة مجرد مثال عليه. فـ«فانتازيا الحبيبة الروسية» تعمل في النص، لكنها لا تبتلعه. المرأة تحمل بعض ملامح الصورة المتخيلة: الجمال، الغموض، الحميمية، والظهور المفاجئ في حياة الرجل؛ لكنها في الوقت نفسه تقاوم الاختزال لأنها شخصية فاعلة، صاحبة قرار وحدود. إنها ليست رمزًا لروسيا، ولا تمثيلًا للمرأة الروسية، بل امرأة واحدة دخلت حياة الراوي في ليلة واحدة، ثم بقيت في النص أكبر من حجم حضورها الزمني.
وهذا تحديدًا ما يجعل القصة أكثر نضجًا من سرديات الاستعراض العاطفي. فالنص لا يقول: انظروا إلى ما حصلت عليه. بل يقول، بصورة أعمق: انظروا إلى ما كان يمكن أن يحدث. إنه لا يبني البطولة على عدد العلاقات، ولا يجعل المرأة شهادة على رجولة الرجل؛ بل يجعل قيمة اللقاء في هشاشته، وفي كونه عابرًا وغير مكتمل.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم اختيار هوشيار للتفاصيل الصغيرة. الفودكا، والبرد، والشارع، والترام، ومدخل العمارة، والغرفة، والصباح ليست زوائد وصفية؛ إنها علامات على عالم يوشك أن يختفي. فالكاتب لا يحتاج إلى استعادة موسكو كلها كي يستعيد التجربة السوفيتية؛ تكفيه ليلة واحدة كي يضغط مدينة كاملة داخل حكاية. وهنا تتحول التفاصيل اليومية إلى علامات على زمن كامل، من دون أن تتحول القصة إلى وثيقة عن ذلك الزمن.
واللافت أن القصة تبدأ بأبواب السكن التي ستُغلق، وتنتهي بباب المرأة الذي يُغلق خلف الراوي، فيما يفتح الصباح أمامه طريق العودة. في هذه الحركة الأخيرة تتجمع بنية النص: باب يغلق، وأبواب تفتح؛ داخل يوشك أن يصير خارجًا، وليل ينتهي إلى صباح؛ لقاء ينتهي في الواقع لكي يبقى مفتوحًا في الحكاية.
وهنا تتحول تجربة هوشيار من واقعة عابرة إلى أدب: ترام غاب، فحضر اللقاء؛ امرأة لم تصبح حبيبة، فبقيت صورتها؛ وليلة انتهت، فبدأت حياتها في السرد. ما لم يكتمل في الحياة هو ما يمنح الحكاية اكتمالها؛ وما كان مصادفة في الواقع يصبح، في القصة، ضرورة. لذلك فإن «الترام الذي لن يأتي» ليست قصة عن الحبيبة الروسية بقدر ما هي قصة عن اللحظة التي يتحول فيها الاحتمال إلى ذاكرة، والذاكرة إلى أدب.
***
بولص آدم








