عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ئاريان علي: أَيْنَ اسْتَقَرَ المَرَامُ بِمَارْكْسَ فِي عِلْمِ الجَمَالِ؟

(إن العمل الفني يخلق دائماً جمهوراً قادراً على تذوق الجمال وإيجاد المتعة فيه)... كارل ماركس، كتاب مقدمة نقد الاقتصاد السياسي

تعود المعنى الأساسي لعلم الجمال إلى الإغريق القدامى كعلم مرتبط بالحساسيات والمشاعر، ليصبح لاحقاً فرعاً خاصاً بالوجدان. وهو علم حديث يرتكز على تاريخ طويل من التأمل الفلسفي حول الجمال (نوعيه: الطبيعي والفني) وقيمه ومتعته. ولهذا يُعد علم الجمال فرعاً مهماً من الفلسفة يبحث في جوهر الجمال ومعاييره، مما جعله محط نقاش مستمر بين المفلاسفة والفلاسفة عبر التاريخ.

فقد نظر أفلاطون (٤٢٧ – ٣٤٧ ق.م) إلى الفن بحذر لكونه محاكاة للطبيعة، مشدداً على أن الجمال الحقيقي يجب ألا يبنى على أساس نفعي أو متعة مؤقتة، ومعتبراً الموسيقى أجمل مواضيع علم الجمال. أما أرسطو (٣٨٤ – ٣٢٢ ق.م) فأكد على أهمية التمييز بين الجمال الحقيقي والجمال المؤقت المرتبط بالمصالح. فيما سعى هيغل (١٧٧٠ – ١٨٣١) إلى تحليل الظواهر الاجتماعية والفنية عبر المنهج الديالكتيكي دون فصل عناصرها. ومصطلح علم الجمال كفرع فلسفي استُخدم لأول مرة على يد الفيلسوف الألماني ألكسندر بومغارتن (١٧١٤ – ١٧٦٢) في القرن الثامن عشر، ليتعامل عموماً مع الطبيعة والجمال والمتعة والفن كقراءة نقدية للطبيعة والثقافة والفن. ورغم التقارب الشديد والخلط الدائم بين الفن والجمال، إلا أنهما متميزان؛ فعلم الجمال أقرب للأعمال الوجدانية والحسية، بينما الفن هو خلق وإعادة خلق للمواد المحسوسة كلوحة أو نحت أو شعر أو موسيقى

أما هيغل (١٧٧٠ – ١٨٣١)، بوصفه أحد أعظم فلاسفة التاريخ، فقد سعى إلى تحليل الظواهر الاجتماعية ومن ضمنها الفن عبر المنهج الديالكتيكي دون فصل العناصر الاجتماعية عن بعضها. ومفهوم علم الجمال كفرع فلسفي استُخدم لأول مرة من قبل الفيلسوف الألماني ألكسندر بومغارتن (١٧١٤ – ١٧٦٢) في القرن الثامن عشر. وعلم الجمال عموماً يتعامل مع الطبيعة والجمال والمتعة والفن. ويُجمع أغلب الباحثين على أن علم الجمال قراءة نقدية للطبيعة والثقافة والفن. ونظراً لوجود خلط دائم بين الفن والجمال –ورغم تقاربهما الشديد– إلا أنهما متميزان، سيما في المجالين الحسي والوجداني. فعلم الجمال ليس شعوراً، بل هو أكثر ارتباطاً بالأعمال الوجدانية والحسية للبنان البشري، بينما الفن هو خلق وإعادة خلق للمواد المحسوسة مثل اللوحة الفنية، أو النحت، أو الشعر، أو القطعة الموسيقية وباعتبار أن العلم والفلسفة قد فصلا حتى أواخر القرن التاسع عشر مفاهيم علم الجمال في تحليلاتهما لصالح البرجوازية، فقد تغير تاريخ التحليل والقراءة الطبقية في المجتمع الرأسمالي مع ظهور الماركسية كعلم مخلص للطبقة العاملة من الظلم الرأسمالي. وحلت القراءة الماركسية للأدب والفن وعلم الجمال مكاناً هاماً في تاريخ القراءات، إلا أن هذا العلم لم يستطع حتى أوائل القرن العشرين أن يتخذ شكلاً وقوالباً خاصة به ويحدد أصوله ويثبتها.

علم الجمال من منظور الماركسية

تتعود جذور تاريخ علم الجمال إلى بدايات ظهور ونشأة الفلسفة والفن. ورغم أن تاريخ الفن أقدم من تاريخ الفلسفة، إلا أن الفلسفة استطاعت أن تصبح الأرضية للحديث عن علم الجمال. وكما هو معلوم، فإن الأعمال الأدبية والفنية هي أيضاً زاد ونتيجة لظروف اجتماعية واقتصادية محددة في المجتمع؛ أي أن تلك الأعمال هي وقائع تنبثق من العلاقات الاجتماعية. وهذه الأعمال الأدبية والفنية هي تعبير عن مشاعر وأحاسيس البشر، والتي لا تُداغ وتُعرض بشكل مجرد، بل تُصاغ وتُعرض اجتماعياً وفنياً. إن علم الجمال الماركسي، بوصفه أحد الأبعاد النقدية للأدب الماركسي، يعود أساسه إلى الفهم الماركسي للنص والمجتمع؛ لأن علم الجمال الماركسي يتحرك على أساس التاريخ لأشكال الملكية والطبقات وأيديولوجياتها، ويرى ماركس أن الفن هو شكل من أشكال تمثيل العالم. وهذا يعني أن الفن هو بوابة، وهدف معرفي، وعلاقة اجتماعية، وسلاح طبقي، وإثراء للإنسانية، وعمل واعٍ، وفي النهاية هو مرآة للمجتمع. وكما أشار بليخانوف، فإن ماركس (١٨١٨ – ١٨٨٣) كان يعتقد أن علم الجمال الهيجلي كان خطوة كبيرة للأمام نحو فهم ماهية الفن وتاريخه. ورغم أن ماركس لم يتحدث قط عن علم الجمال كموضوع مستقل، إلا أن الباحثين والنقاد الماركسيين سرعان ما وجهوا انتباههم نحو هذه المسألة، ولاحقاً على يد: غيورغي بليخانوف، بيلينسكي، تشيرنيشيفسكي، برتولت بريشت، جورج لوكاش، هربرت ماركوزه، والتر بنيامين، أنطونيو غرامشي، تيري إيغلتون، لويس ألتوسير، وصولاً إلى رولان بارت والعديد من أدباء وفناني ذلك العلم، وُضعت أسسه وتطويره. في عام ١٩١٢ وفي كتابه (الفن والحياة الاجتماعية)، شرع بليخانوف في دحض أي رأي يتعلق بانفصال الفن عن الحياة، حيث يقول: (لا يكفي أن نقول إن الأدب والفن يمثلان الحياة، بل يجب أن نعرف كيف يعبر الفن عن الحياة وكيف يفهم حركة الحياة الجدلية

يرتكز علم الجمال الماركسي على قراءة النصوص والفنون وفق منهج المادية الديالكتيكية؛ فهو يربط العمل الفني بمستوى تطور المجتمع وقوى الإنتاج، مؤكداً أن لكل نشاط مادي بشري جانباً جمالياً. وترتبط النقدية الماركسية بهذا العلم ارتباطاً وثيقاً بوصفه سلاحاً معرفياً لا غنى عنه. يتمحور هذا العلم حول الإنسان باعتباره أساس النص الفكري، فـ "النص بلا فكر إنساني نص ميت". وعلى عكس الأدب البرجوازي الذي يركز حصراً على الشكل والقالب، يشدد علم الجمال الماركسي على الالتزام الطبقي وتحديد دور الإنسان الفاعل في الصراع الطبقي.

يُمثل علم الجمال الماركسي نظرية ثقافية وفنية ترتكز على المادية الديالكتيكية والتاريخية، حيث يرى أن الظروف الاقتصادية والعلاقات الطبقية تؤثر عميقاً في حياة الإنسان وفنونه. ولا يمكن فهم أي عمل أدبي أو فني من هذا المنظور دون إدراك أبعاده الطبقية وعلاقته بالصراع الاجتماعي، ليكون في النهاية علماً يدرس الروابط الجمالية التي تصل الإنسان بعالمه المحيط.

ولم ينبع اهتمام ماركس بهذا المجال من رغبة أكاديمية منعزلة، بل من رؤيته للإنسان ككائن خلاق تسلبه الرأسمالية روحه. من هنا، جاء ربط النضال والثورة بالجانب الجمالي؛ فالثورات ليست دماراً مجرداً، بل هي مخاض مؤلم لولادة عالم عادل، وعمل إنساني فاعل يحطم القيود ويكسر القوالب البالية، لتتحد فيها الحرية والعدالة والجمال بهدف تحرير الإنسان واستعادة كرامته المسلوب

أين استقر المرام بماركس في علم الجمال؟

إن التعمق في هذا السؤال يقودنا إلى استكشاف واحدة من أكثر المسائل دقة في الفلسفة الماركسية؛ فكارل ماركس لم يترك مطلقاً نسقاً أو كتاباً مستقلاً يحمل عنوان "علم الجمال" بالمعنى الذي تركبه المدارس الفلسفية البورجوازية التقليدية. لقد انتهى مطاف علم الجمال لدى ماركس –ومنه تفرع لاحقاً إلى الماركسية الغربية والنقد الأدبي الحديث– عند فكرة جوهرية مفادها: أن الجمال ليس قالباً شكلياً معزولاً في المتاحف أو اللوحات، بل هو تجسيد لمدى تحرر الإنسان من اغترابه. وتتجسد هذه الإشكالية عبر محطات عميقة ترسم مسار وتطور هذا المفهوم

من الاغتراب الرأسمالي إلى الاكتشاف الجمالي: رأى ماركس في كتاباته المبكرة (مثل مخطوطات 1844 الاقتصادية والفلسفية) أن الإنتاج الرأسمالي يحول العامل إلى سلعة مسلوبة الإرادة، مما يغترب الإنسان عن عمله، وعن أخيه الإنسان، وعن طبيعته الخاصة. وهنا يبرز الجمال والفن عند ماركس بوصفهما "الملاذ" و"المرآة" التي يعيد من خلالها الإنسان اكتشاف قدرته على الخلق الحر. فالحيوان ينتج وفقاً لحاجة نوعه البيولوجية وحدها، بينما الإنسان ينتج "وفقاً لقوانين الجمال" وينسج إبداعه بحرية تامة عن الحاجة المادية البحتة.

الأثر الهيجلي وانعطافة المادية: انطلق ماركس من إرث هيغل الذي اعتبر الفن تجلّياً للروح المطلق، لكن ماركس أخذ هذا التصور ونزل به من السماء إلى الأرض؛ فلم يعد الفن توضيحاً لأفكار ميتافيزيقية، بل أصبح انعكاساً للبنية التحتية المادية ولصراع الطبقات وقوى الإنتاج. بهذا المعنى، انتهى مطاف علم الجمال الماركسي إلى أن يصبح أداة معرفية ونضالية لفهم الواقع وتغييره، لا لمجرد تأمله بجمود.

الثورة كذروة للفعل الجمالي: حين نربط الثورة بالجمال، نجد أن مطاف الفكر الماركسي يستقر عند نقطة التقاء الفعل السياسي التحرري بالإبداع الإنساني. الثورة الكبرى ليست تخريباً، بل هي ميلاد إنسان جديد يكسر قيود الاستغلال. وكما يكتب الشاعر أو يرسم الفنان لوحة تحطم القوالب البالية، فإن الجماهير الثائرة تعيد صياغة التاريخ والعلاقات البشرية بوعي جمالي وأخلاقي رفيع.

التطور اللاحق عند رواد الماركسية: لم يتوقف هذا المسار برحيل ماركس، بل تطور على أيدي مفكرين كبار مثل غيورغي بليخانوف الذي أكد ارتباط الفن بالحياة الاجتماعية، وجورج لوكاش الذي بحث في "الواقعية الكبرى" وقدرة الأدب على كشف تناقضات المجتمع، وصولاً إلى والتر بنيامين وتيري إيغلتون اللذين ربطا الجمال بالثقافة الجماهيرية وبالأيديولوجيا. لقد انتهى مطاف علم الجمال لدى ماركس إلى التحول من "فلسفة تأملية للجمال" إلى "علم نقد مادي" يربط حبل السرة بين الإبداع البشري وتحرر الإنسان من نير الاستغلال الطبقي

***

ئاريان علي

في المثقف اليوم