عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عبد الرحيم الجرودي: بين العدمية والعبثية.. وجهان للسؤال الواحد

لو جمعت نيتشه وكامو على منصة واحدة، لاتفقا على التشخيص واختلفا في كل شيء آخر. كلاهما يُقرّ بأن المعنى لا يأتي من خارج الإنسان وأن الإنسان الحديث يعيش في فراغ خلّفه انهيار اليقينيات الكبرى، الدينية والميتافيزيقية والأخلاقية. كلاهما يرفض الأجوبة السهلة والعزاءات الجاهزة. وكلاهما أيضا يطرح فلسفته كمحاولة للعيش في عالم أسقطت فيه الأصنام القديمة ولم تُشيَّد بعد أصنام جديدة تحلّ محلها. لكن ما يفعله كل منهما بهذا التشخيص المشترك مختلف جوهريا، يمسّ طبيعة الفلسفة ذاتها ودورها في الحياة البشرية. فالعدمية تبدأ من الغياب المطلق. ليس من التساؤل، بل من الحكم: لا معنى، لا قيمة موضوعية، لا حقيقة تستحق الاسم خارج ما يصطلح عليه البشر لأسباب نفسية واجتماعية. هذا الغياب يصبح نقطة الصفر التي منها إما أن يستسلم لها الإنسان فيقع في العدمية السلبية، وإما أن يعلو عليها بخلق معنى جديد من الإرادة المحضة. العبثية بالمقابل لا تبدأ من الغياب المطلق ولا تنتهي إليه. تبدأ من التصادم بين شيئين موجودين: رغبة الإنسان في المعنى من جهة، وصمت العالم من جهة أخرى. العبث هو الاحتكاك المتواصل بين هذين الطرفين، وهو في نظر كامو لا يُلغى إلا بإلغاء أحد طرفيه، وهو ما يرفضه رفضا قاطعا.

الفارق بين المفهومين دقيق جدا، وربما تبعاته أهم مما هو في مقدماته. العدمية تتعامل مع غياب المعنى كحكم كوني ثابت، كمعطى يُسلَّم به ثم يُبنى عليه إما بالاستسلام وإما بالتجاوز. العبثية تتعامل مع غياب المعنى كتجربة بشرية حية، كعلاقة وليس كحكم، كمسرح تقع فيه الأفعال والاختيارات وليس كمقبرة تُدفن فيها. الفرق إذن ليس فقط في النتيجة، بل في طريقة القراءة للواقع، فيما إذا كنت تقف خارج المعادلة لتحكم عليها، أم تقف داخلها وتحياها بوعي.

نيتشه مثلا يريد الخروج من العدمية، لا الإقامة فيها. يريد أن يتجاوزها إلى شيء آخر، إلى إنسان يخلق قيمه بدل أن يرثها أو يستسلم لغيابها. كامو من جهته يريد البقاء داخل العبث دون أن يُطبع معه ودون أن يهرب منه. ولهذا يرى كامو في "الإنسان الأعلى" النيتشوي نوعا غير مُعلَن من الهروب: حين تقرر أنك ستخلق معناك الخاص بإرادتك المطلقة، فأنت تحلّ مشكلة اللامعنى بجواب تصنعه أنت لنفسك. لكن ألا يشبه هذا بطريقة ما، ما يفعله صاحب الإيمان الديني حين يُقرر أن للحياة معنى لأن الله يريد كذلك؟ كلاهما، في نظر كامو، يُسكّت السؤال بجواب قبل أن يستنفد السؤال نفسه. التمرد الكاموي يرفض حتى هذا الحل، لأنه يريد الإنسان يقظا أمام السؤال إلى آخر لحظة، لا أن يجد جوابا يريحه ويغلق الملف.

الفارق الثاني يتعلق بالأخلاق، وهو فارق يترتب عليه أكثر مما يبدو للوهلة الأولى. العدمية في صيغتها الأشد جذرية تتساءل بشكل مشروع: ما الداعي للأخلاق إن لم يكن ثمة معنى موضوعي؟ لماذا الفضيلة على الرذيلة، ولماذا العدل على الظلم، إن كانت كل القيم مجرد اصطلاحات بشرية في فراغ كوني لا يُبدي رأيا؟ نيتشه نفسه لا يُسقط الأخلاق دون بديل، يريد أخلاقا أخرى، أخلاق "السادة" بدل ما يسميه أخلاق "العبيد" والضعفاء المُرسَّخة في المسيحية. لكن هذا التمييز، مهما كانت نوايا نيتشه خلفه، فتح بابا واسعا من سوء الفهم وسوء الاستخدام عبر التاريخ الأوروبي المعاصر. كامو بالمقابل يستنتج من العبث أخلاقا بدلا من إسقاطها. التمرد يقود إلى التضامن: من يدرك عبثه ويُقرّ به يدرك بالضرورة أن الآخرين يعيشون عبثهم أيضاً بنفس الثقل ونفس الوطأة. هذا الإدراك المشترك لا يُنشئ نظاما أخلاقيا مكتمل البنيان، لكنه يُنشئ أخوّة حقيقية قائمة على الاعتراف المتبادل بثقل الحياة، وهو على هشاشته الظاهرة، أمتن بكثير من الأخلاق المستمدة من شريعة كونية لم تُكتب قط.

الفارق الثالث في الموقف من الإيمان الديني. العدمية في صيغتها الأكثر صرامة ترفض الدين باعتباره وهما وظيفيا أنتجه العجز البشري ليملأ فراغا لا يُملأ حقا، وهذا الرفض في الغالب لا يحمل رثاء ولا تعاطفا، إنه ببساطة حكم ينتهي بنقطة. كامو بالمقابل يقف من الإيمان موقفا أكثر دقة وربما أكثر احتراما وأصعب تصنيفا: لا يرفضه لأنه وهم، بل لأنه "قفزة" تتجاوز العبث بدلا من التحديق فيه والعيش معه. الإيمان في نظره حلٌّ إنساني مفهوم ومُحترَم كتجربة روحية عميقة، لكنه مرفوض كفلسفة لأنه يُجيب على السؤال بتجاوزه لا بمواجهته.

ثمة فارق أعمق وأشد جذرية يتعلق بالزمن الذي كتب فيه كل منهما، وهو فارق لا يمكن تجاهله لفهم الفرق بين الموقفين. نيتشه كتب في القرن التاسع عشر، حين كانت الأيديولوجيات الكبرى في طور النشوء لا في طور الهذيان الدموي. كان يرى انهيارا ثقافيا وميتافيزيقيا في الأفق الأوروبي، لكنه لم يعاين ما تفعله "الإرادة المطلقة" حين تمسك برقاب الأمم. كامو رأى ذلك. كتب "أسطورة سيزيف" عام 1942 والأوروبيون يُقتَلون باسم "المعاني الكبرى"، الجنس الأعلى تارة، والتاريخ الحتمي تارة أخرى. لهذا ربما لم يستطع أن يقفز نحو أي "إنسان أعلى" أو "إرادة مطلقة"، وهو يرى كيف يبدو هذا الإنسان الأعلى حين ينزل إلى الشوارع ويمسك بمقاليد السلطة: يشبه القائد الذي لا يُحاسَب لأنه هو من يُعرّف المعنى ويصك القيم.

قد يُقال إن هذا ظلم لنيتشه، وفي هذا حق جزئي. نيتشه ذاته أبدى ازدراءه الصريح للقومية الألمانية ومعاداة السامية في أكثر من موضع، وكان يرفض أن تُوظَّف أفكاره في خدمة العقليات القطيعية والجمعية. لكن الأفكار لا تمشي وحدها في العالم، بل تمشي في أيدي من يحملونها ويوظفونها، ويصعب على أي فيلسوف أن يُقرر مسبقا كيف سيُساء فهمه وإلى أين. كامو عاش هذه الإساءة كعصر لا كنظرية، ولهذا جاءت فلسفته محصّنة بطريقة مختلفة، إعتراف مسبق بأن كل "معنى مطلق" هو بذرة طغيان في الانتظار.

ما يجمع المدرستين في نهاية المطاف أعظم مما يفرقهما بالمقياس الأول. كلتاهما تأبى الوهم وترفض الأجوبة المصنّعة، وكلتاهما تطالب الإنسان بأن يقف أمام سؤاله الحقيقي دون أن يبحث عن وسيط يتحمل عنه ثقله. لكن العدمية في أحد وجوهها الأشد حدة تميل إلى أن تجعل من الإنسان سيد فراغه، يملأه بما يشاء وكيفما شاء، بلا مرجع خارجي ولا حدٍّ موضوعي. بينما تجعل العبثية من الإنسان شاهد تصادمه، يبقى حاضرا أمام السؤال، متمردا دون أن يُجيب، وواعيا دون أن يطمئن. الأولى تطلب الاكتمال ولو اكتمالا يصنعه الإنسان لنفسه بيده. والثانية تقبل النقص المستمر وتجعل منه موضع الكرامة لا موضع الخزي. ومع ذلك، حين يجلس الإنسان بمفرده مع هذا الفراغ الحقيقي، ويتناول المسألة كحقيقة تسكن ليالي الأرق وتُطلّ في منتصف الأيام العادية بعيدا عن وهم حلها بالقلم، يتضاءل الفارق بين المدرستين كثيراً. السؤال في نهاية المطاف واحد: كيف تعيش وأنت تعلم؟ نيتشه يقول: أخلق. كامو يقول: تمرّد. لا شيء في الكون يُرجّح جوابا على الآخر بشكل نهائي. ما يُرجّح هو أنت، من أنت، وما الذي استطعت أن تحتمله، وما الذي انكسر منك ومتى وكيف أعدت التقاطه. الفلسفة تُنيرك حتى حافة السؤال، ثم تتركك هناك وحدك، وهذا هو الشيء الوحيد الذي تستطيع فعله باحترام حقيقي للإنسان الذي يقرأ.

***

عبد الرحيم الجرودي

في المثقف اليوم