عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قاسم المحبشي: تأملات في الحرب ومداراتها السوسيولوجية (1)

حرب، حربة، حرابة، محاربة… من الكلمات التي يرددها الناس كل يوم في حياتهم بمعانٍ ودلالات مختلفة: حرب استنزاف، حرب تقليدية، حرب نووية، حرب ظالمة، حرب بيولوجية، حرب باردة، حرب مقدسة، حرب أهلية، حرب عالمية، حرب تحرير، حرب عادلة، حروب الموجة الثالثة، حرب خاطفة، حرب طويلة، حرب مدن، حرب إعلامية، حرب شاملة، حرب عصابات، حرب برية، حرب جوية، حرب بحرية، حرب نووية، حرب ذكية، حرب رقمية… إلخ.

وكلها معانٍ تدور حول معنى الحد القاطع أو رأس الرمح، ومنها اشتُقت كلمة الحرابة بمعنى قطع الطريق ونهب العابرين فيه.

وتُعد الحرب من أخطر الظواهر الاجتماعية وأكثرها أثرًا في مسار تاريخ البشرية؛ إذ رافقت حياة الإنسان منذ أقدم العصور، وهي أعنف أنماط التفاعل والصراع بين الفاعلين الاجتماعيين. فمنذ الأنياب والمخالب، إلى الرجم بالحجارة، ثم السيف والرمح، فالبندقية، فالمدفعية، والقنابل، والصواريخ، وصولًا إلى الروبوتات والطائرات المسيَّرة الذكية؛ هكذا تطورت أدوات القتال لدى الإنسان.

أما الحيوانات فلا تحارب بالمعنى الإنساني للحرب، بل ظلت تستخدم أعضاءها الطبيعية في تدبير عيشها والدفاع عن بقائها.

وفي حقيقة الأمر، يمكن النظر إلى الحرب بوصفها أحد أشكال القوة البشرية المنظمة. وتُعد الحرب بين بني أمية وبني هاشم، من قريش العربية، من أطول الصراعات في التاريخ؛ إذ نشبت قبل نحو أربعة عشر قرنًا، ودارت واستدارت، وما تزال آثارها وتداعياتها حاضرة بأشكال مختلفة حتى اليوم.

يقول المستشرق لورنس أوليفانت (بحسب ما أورده إدوارد سعيد):

«كم ألفًا من السنين بقيت هذه الحالة من الوجود (أي كون العرب يعيشون في حالة حرب دائمة)، سيخبرنا أولئك الذين سيقرؤون أقدم سجلات الصحراء الداخلية؛ ذلك أنها تعود إلى أولهم. لكن العربي، عبر القرون كلها، لم يستفد حكمة من التجربة؛ فهو غير آمن أبدًا، ومع ذلك فإنه يتصرف وكأن السلم والأمان خبزه اليومي.»

(ينظر: إدوارد سعيد، الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء، ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1980، ص120).

تُعد الحرب، من منظور علم الاجتماع السياسي، ظاهرة مركبة تتجاوز كونها مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، أو صراعًا على الحدود والموارد والسلطة. فهي بنية اجتماعية معقدة ارتبطت بتاريخ المجتمعات البشرية منذ بداياتها الأولى، بحيث يمكن القول إن تاريخ الإنسان يتقاطع بدرجة كبيرة مع تاريخ الحروب، كما يتقاطع مع تاريخ بناء الحضارات.

وتشير الخبرة التاريخية إلى أن اندلاع الحروب يؤدي غالبًا إلى إعادة كشف البنى الاجتماعية والقيمية للمجتمع، حيث تتراجع الأطر المعيارية المستقرة، ويبرز سلوك الأفراد والجماعات في صورته الأكثر ارتباطًا بظروف الخوف وعدم اليقين، بما في ذلك أنماط التعاون والصراع، والتضامن والانقسام، والبناء والتدمير.

البارحة جمعتنا غرفة 19 في ندوة “الحرب وتداعياتها على مجتمع النزوح” قدمتها الدكتورة ريم برو، أستاذة علم اجتماع الحرب والأنثروبولوجيا بجامعة بيروت، وأدارتها الأستاذة إخلاص فرانسيس. اثارت مشكلات حيوية تهمنا جميعا أبرزها: دوافع الحروب، وآليات تحول المجتمعات من أنماط التعايش إلى أنماط العنف، والآثار الاجتماعية الممتدة للحرب على الأفراد والجماعات.

من منظور فلسفة الحضارة، تُظهر التجارب التاريخية أن فعالية الدولة ومؤسساتها القانونية تمثل عاملًا حاسمًا في استقرار المجتمع. فعندما تتراجع سلطة القانون أو تنهار مؤسسات الضبط الاجتماعي، تزداد هشاشة البنية الاجتماعية، ويضعف التمييز بين القوة والحق، بما يؤدي إلى إعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية وفق منطق القوة المباشرة بدلًا قوة الحق المستندة على القواعد القانونية والمؤسسية.

وتؤكد الوقائع التاريخية أن انهيار السلطة السياسية أو ضعفها غالبًا ما يرتبط بارتفاع مستويات العنف الاجتماعي، حيث تتغير أنماط العلاقات بين الأفراد، ويتحول الفضاء الاجتماعي إلى مجال مفتوح للصراع. وفي مثل هذه السياقات، تتراجع وظيفة الدولة بوصفها الجهة المحتكرة لاستخدام العنف المشروع، بحسب ماكس فيبر.

وقد استوقفتني ظاهرة الحرب منذ زمن طويل. وتأملتها ورصدت تقسيمات وظيفية عامة للأدوار الاجتماعية خلال النزاعات المسلحة، يمكن تلخيصها في أربع فئات رئيسية:

1. الضحايا المدنيون: وتشمل هذه الفئة الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة، إضافة إلى المدنيين غير المنخرطين في العمليات القتالية. وتمثل هذه الفئة النسبة الأكبر من المتأثرين بالحروب، حيث تتحمل العبء الإنساني المباشر للنزاع.

2. المشاركون في العمليات القتالية: وتشمل الجنود والمجندين والمتطوعين والمرتزقة، إضافة إلى الأفراد المنخرطين في القتال ضمن أطر اجتماعية أو سياسية مختلفة. وغالبًا ما تمثل الفئات الشابة من الذكور الذين يشكلون النسبة الأكبرمن هذه الفئة.

3. صناع القرار في الحرب: وهم الفاعلون السياسيون والعسكريون الذين يتخذون قرارات الدخول في النزاع أو استمراره، سواء بدوافع تتعلق بالسلطة أو الموارد أو النفوذ أو الاعتبارات الأيديولوجية.

4. المستفيدون من الحرب: وتشمل الفاعلين الاقتصاديين وشبكات المصالح المرتبطة بتجارة السلاح أو إدارة الأزمات أو الاستفادة من اقتصاديات الحرب.

فالحرب لا تقتصر على كونها حدثًا عسكريًا، بل تمثل عملية إعادة تشكيل شاملة للبنية الاجتماعية، حيث تؤدي إلى إعادة توزيع السلطة، وإعادة إنتاج الهويات الاجتماعية، وتغيير منظومات القيم، وتكوين ذاكرة جماعية جديدة تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء النزاع.

حدثتني أمي الحانية بأن أبي، عبد عوض المحبشي، رحمهما الله، حفر في ذلك العام ملجأً آمنًا في قلب الجبل المطل على قريتنا (بغدة)، أشبه بكهف صغير يتسع لأفراد عائلتنا الصغيرة آنذاك: أبي وأمي، وإخوتي وأخواتي الخمسة، بينما كنت أنا ما أزال في أكثر الأماكن أمانًا التي يحل فيها جنين الإنسان: بطن أمي.

نعم، وُلدت في زمن حرب التحرير من الاستعمار الإنجليزي في عدن، وحرب حصار صنعاء، ثم عشت وشهدت سلسلة مهولة من الحروب الأهلية، الصغيرة منها والكبيرة. بدأت بأول حرب بين الجبهتين القومية والتحرير بعد خروج الإنجليز من عدن بعام واحد فقط، ثم أحداث عام 1968م، ثم مرحلة العنف الثوري المنظم، وما عُرف بالخطوة التصحيحية، وليلة السكاكين الطويلة عام 1969م، ثم حرب الثورة الفلاحية وسياسات التأميم، ثم حرب الحدود بين دولتي عدن وصنعاء عام 1972م، ثم سلسلة الاغتيالات والصراعات السياسية التي قُتل خلالها رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية سالم ربيع علي (سالمين)، ورئيس الجمهورية العربية اليمنية إبراهيم الحمدي، ثم أحمد الغشمي، وما تلا ذلك من حرب بين الجمهوريتين عام 1979م.

ثم جاءت الحرب الأهلية في 13 يناير 1986م، وكانت أشد تلك الحروب فتكًا وأعمقها أثرًا في نفسي. كنت يومها طالبًا في السنة الثالثة بقسم الفلسفة بكلية التربية العليا في عدن، وأسكن في القسم الداخلي بخور مكسر، فعشت تفاصيل تلك الحرب المجنونة بكل ما حملته من رعب وخسارات، وتركت آثارًا غائرة في النفس والذاكرة، فضلًا عن آثارها الكارثية على الصعيدين الوطني والاجتماعي، وهو ما ليس من أغراض هذه المقالة.

بعد تلك الكارثة، التي فقدت فيها زملاء وأصدقاء أعزاء، تغير كل شيء في حياتي، وأخذت أبحث في معنى الحرب وأسبابها ومسبباتها. فقرأت كتبًا كثيرة، من أبرزها: الأمير لنيقولو مكيافيللي، ومقدمة ابن خلدون، وعُسر الحضارة لسيغموند فرويد، وعن الحرب لكارل فون كلاوزفيتز، وفن الحرب للفيلسوف والاستراتيجي الصيني صن تزو، والحرب والحضارة لأرنولد توينبي، وغيرها من الكتب التي وسعت رؤيتي لهذه الظاهرة الإنسانية المعقدة.

وقد كتب الروائي اليمني حبيب سروري: «من لم يقرأ بعدُ كتاب “فن الحرب” للفيلسوف الاستراتيجي الصيني الشهير صن تزو، الذي كُتب قبل نحو 2500 عام؟». ويضيف: «في رؤية صن تزو، ينبغي أن تتناغم الحرب مع نموذج الطبيعة. واستعارة الماء هنا بالغة الأهمية، إذ تتكرر في مواضع كثيرة من الكتاب. يقول صن تزو: “يسيل الماء على إيقاع تضاريس الأرض، وكذلك يُكتسب النصر بالانسجام مع تغيرات وضع العدو. ليس للماء شكل ثابت، وكذلك ليست للعمليات وصفات جامدة. ومن يستطيع الانتصار بفضل تكيفه مع مختلف التغيرات يستحق أن يُسمى محاربًا إلهيًا”.»

ويستشهد سروري أيضًا بقول الاستراتيجي الصيني الآخر هواي نان تزو، الذي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد: «كن كالشبح الذي لا يترك أثرًا، وكن كالماء الذي لا يجرحه أحد». (ينظر: حبيب سروري، من لم يقرأ بعدُ “فن الحرب”؟، مقالاتي، 13 مارس 2014).

وقد استهل سروري مقاله بعبارة لصن تزو تلخص فلسفته في الحرب: «يكمن فن الحرب في هزيمة العدو دون مواجهة، ودون أدنى خسارة، ودون قطرة دم… وقبل خوض المعركة ينبغي أن يكون النصر قد تحقق تمامًا».

ومن بين عوامل كثيرة أخرى، كانت الحروب التي عشتها وشاهدت نتائجها دافعًا قويًا للتعمق في الفلسفة الوجودية، التي درستها على يد الدكتور أحمد نسيم برقاوي، من خلال بحث بعنوان “الوجود والماهية عند جان بول سارتر” عام 1995م. وقد أسهمت الفلسفة الوجودية في تقديم إطار تحليلي لفهم التجربة الإنسانية في سياقات عدم الاستقرار، من خلال مفاهيم القلق، والحرية، والمسؤولية، والموت، بوصفها عناصر أساسية في الوجود الإنساني تحت وطأة التهديد المستمر.

لقد كان وقع حياتنا، ولا يزال، وجوديًا بامتياز؛ فالموت كان، وما يزال، يحوم فوق رؤوس الجميع. ومنذ تلك الأيام، وأنا أحفظ أبيات الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى…

وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ

وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ

مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً

وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ

فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها

وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ

فَتُنتَج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم

كَأَحمَرِ حاشد ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِمِ

قالها قبل 1400 عاما ولا زالت تحتفظ بكل معناها الدقيق في توصيف تلك الظاهرة الاجتماعية التاريخية البشرية بدقة متناهية.

فما هي الحرب؟ وما آثارها؟ وكيف شكلتنا ؟

إذا كانت الحرب في ظاهرها مواجهةً بين جيوش، فإنها في حقيقتها العميقة عمليةٌ لإعادة تشكيل المجتمع كله. فالرصاص لا يصيب الأجساد وحدها، بل يمتد أثره إلى منظومة القيم، وأنماط العلاقات، وبنية المؤسسات، والوعي الجمعي، بل وحتى اللغة التي يتحدث بها الناس.

الحرب لا تقتل الإنسان فقط، وإنما قد تقتل المواطن داخله، لتحل محله هويةٌ ضيقة، وخوفٌ دائم، وشعورٌ عميق بعدم اليقين. ففي زمن السلم ينتمي الإنسان إلى الدولة، أما في زمن الحرب فيعود غالبًا إلى العصبية الأولى: القبيلة، أو الطائفة، أو المنطقة، أو الجماعة المسلحة. وهنا تبدأ الدولة بالتراجع، ويبدأ المجتمع بالتفتت.

من منظور علم الاجتماع، ليست الحرب مجرد انفجار للعنف، بل هي لحظة انتقال اجتماعي حاد، تتغير فيها قواعد السلوك ومعايير الأخلاق. فما كان جريمة في السلم قد يصبح بطولة في الحرب، وما كان فضيلة قد يُنظر إليه بوصفه ضعفًا. وهكذا تعيد الحرب إنتاج منظومة القيم بما يخدم منطق البقاء أكثر مما يخدم منطق العدالة.

ولذلك فإن أخطر ما تخلفه الحروب ليس الخراب المادي، مهما كان واسعًا، وإنما الخراب الرمزي؛ حين يفقد الناس ثقتهم في القانون، وفي المؤسسات، وفي إمكان العيش المشترك. وعندما تنهار الثقة يصبح ترميم المباني أسهل كثيرًا من ترميم النفوس.

لقد أثبتت الدراسات السوسيولوجية أن الحرب ليست حدثًا عسكريًا معزولًا، بل ظاهرة اجتماعية كلية، تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام والدين والتربية، وتعيد صياغة العلاقات الاجتماعية بأسرها. ولذلك فإن آثارها تستمر سنوات طويلة بعد توقف إطلاق النار، لأن الذاكرة الجمعية لا تعرف الهدنة، ولأن الخوف يتوارث أحيانًا كما تتوارث الثروة والفقر.

ومن هنا فإن إعادة الإعمار الحقيقية لا تبدأ بالإسمنت والحديد، وإنما تبدأ بإعادة بناء الإنسان، واستعادة الثقة، وإحياء فكرة المواطنة، وإصلاح التعليم، وإعادة الاعتبار للقانون بوصفه المرجعية العليا للجميع. فالدولة ليست مجرد سلطة، بل هي الإطار الذي يجعل الناس يثقون بأن حقوقهم لا تحميها القوة، وإنما يحميها النظام العام والعدالة.

إن المجتمع الذي يخرج من الحرب أمامه طريقان: إما أن يبقى أسيرًا لذاكرة الانتقام، فيعيد إنتاج الحرب بأشكال جديدة، أو أن يحول ذاكرة الألم إلى مشروع للمصالحة وبناء المستقبل. والتاريخ يعلمنا أن الأمم العظيمة ليست تلك التي لم تعرف الحروب، بل تلك التي استطاعت أن تتعلم منها، وأن تجعل من مأساتها نقطة انطلاق نحو نظام اجتماعي أكثر عدلًا وإنسانية.

ولعل هذا هو الدرس الأكبر الذي ينبغي أن نستخلصه: فالحرب لا تُقاس بعدد القتلى فقط، بل بقدرتها على تغيير المجتمع. أما السلام الحقيقي فلا يعني غياب البنادق، بل حضور العدالة، وسيادة القانون، ووجود دولةٍ قوية بمؤسساتها، رحيمة بمواطنيها، عادلة بينهم، وقادرة على حماية كرامتهم جميعًا.

***

ا. د. قاسم المحبشي

.........................

* من وحي ندوة “الحرب وتداعياتها على مجتمع النزوح” في غرفة 19 الثقافية

 

في المثقف اليوم