إذا طرحنا سؤالا صادما من جَعبة الحيرة عن موقفنا تجاه تصادم المعرفة القادمة من الخارج وبين تجربتنا الذاتية عن موضوع محدد، فهل الغلبة ستكون من نصيب التجربة الذاتية؛ كونها ألصق بالواقع؟ لربما الأسطر القادمة تمنحنا بعض التوازن قبل التسرّع بتبنّي إجابة تتمسّح بالسطحية.
بادئ ذي بَدء لا يمكن لأيٍ كان أن يُهوّن من تصوّرنا عن أمر خضنا تجربته، فأدق معايير الاطلاع على حقيقة الشيء أن نرتمي في أحضانه ونتلمّسه بأيدينا وأن يشهد حضورنا الشخصي بالطول والعرض، ومن هنا كانت التجربة كُبرى بوابات الوعي، وعلى قدر تنوّع تجاربنا وعمقها يتشكّل وعينا، وتاليًا ينسحب ذلك على ماهيّة تصوّرنا للحياة وكيفية استجابتنا لشتّى مفرداتها، وحُقّ لنا أن نفاخر بتجاربنا الخاصة، خاصة تلك الاستثنائية منها، كما لا يمكننا القفز على حقيقة أنّ التجربة رافدٌ محوري لوعينا، وجزء أصيل من تفاصيل حياتنا، وفي نهاية المطاف هل الحياة في عنوانها العريض سوى تجربة ذاتية نرسم ملامحها؟
وفي الجانب المقابل، على وجهٍ لا يمكن إنكاره من فاعلية التجربة بما هي بوابة وعي كبرى، إلا أننا لا يمكننا أن نقصر الوعي عليها؛ من ناحية أنه ليس لدينا تلك السعة من الوقت الكافي والموارد اللازمة لنجرّب كل شيء، ومن ناحية أخرى ليس كل شيء قابلا للتجربة، ومن هنا كانت المعرفة عصبًا حيويا للوعي، رغم جانبها النظري، فالمعرفة التي تَنْمي إلى أسماعنا، والكتب التي نقرؤها، وحتى تجارب الآخرين! وكل ما يدور في فَلَك ذلك، كلها أزاميل تنحَت وعينا، لا غنى لنا عن إِزْميل منها.
ولأنّ للمحدودية كلمتها الفصل في دستور حياتنا، إنْ لطبيعتنا البشرية وإنْ لطبيعة الحياة نفسها، فهناك وجه مظلم لكلٍ من التجربة والمعرفة، يفرض علينا عدم الاتكاء بالكلية على أحدهما دون الآخر، فالتجربة رغم ما يظهر من قدرتها الهائلة على الاحتكاك عن كثب بدقائق الموضوع وحيثياته وملابساته بدفقة من خصائصنا الذاتية، بحيث إن التجربة الواحدة تمنح كل فرد نتيجة مختلفة عن البقية، إلا أن النتيجة التي نخلص إليها منها - أي التجربة - ليست بالضرورة نتيجة يقينية ودقيقة، فهي لا محالة خاضعة لتقييماتنا المنحازة والمتأثرة بطبيعتها، ولربما أوضح تدليل على ذلك، الشخص الذي يعاني قصورا في النظر، فما ينظر إليه ليس مشوّهٌ على قدر ضعف الحاسة الباصرة، وفي تراثنا نتداول القول السائر:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رَمَدٍ
وينكر الفم طعم الماء من سَقَمِ
وحتى فيما نحب ونكره، في خضمّ تجربته نميل إلى تعزيز تصوراتنا القبلية إنْ عزوفا أو إقبالا، وفي ذلك أيضا يقول الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ
ولكنّ عين السخط تبدي المَساويا
فالتجربة إذن عملية معقدة تتداخل مع خلفياتنا واستعداداتنا ومعرفتنا كذلك، فالتجربة التي نخوضها في عمر ووعي وحالة نفسية معينة لا تمنحنا النتائج ذاتها عند الاختلاف البيّن لهذه المتغيّرات، ففي كل تجربة شيءٌ منا، هذا الشيء يغير المعادلة، وفي تطبيقاتنا اليومية نلحظ ذلك بجلاء، فكم من مطعم أو فندق نطلع على آراء النزلاء والزوار عنه ثم تقول تجربتنا إياه النقيض تماما، وهذا طبيعي جدا، وهكذا ينبغي أن تكون؛ فإذا كان ذلك كذلك فإن التجربة لا يمكن المراهنة على نتائجها؛ كونها ليست مطلقة، لكننا في الوقت نفسه لا يمكن أن نتبرأ من نتائج تجربتنا أو ألّا نُعمِلها في قادم حياتنا، فنحن نتعاطى مع مواقف الحياة بأشيائها وأشخاصها بمقتضى تجاربنا السابقة لا محالة.
وهكذا المعرفة هي الأخرى، فالنظري يبقى محتملا حتى يتجسّد واقعًا، ويبقى عاما حتى نخصصه بالتجربة، ويبقى محض فكرة رخوة حتى تحقنها الدلائل الكَرّة تِلْوَ الأخرى، فالأدوات المعرفية محدودة، ونتائج المحدود إنما تتناسل من السِنْخ ذاته، ورغم ذلك تبقى رافدا مهما للوعي رغم افتقاره للتحقيق والتخصيص، التحقيق أي اليقينية حُكمًا، والتخصيص كونها لم تتشبّع بخصائصنا الشخصية.
إن الوعي يقوم بلا شك على - أولا - تجربة نطمئن إلى نتيجتها بإشراف شخصي بلا واسطة، وثانيا على معرفة نستقيها من الغير بواسطة، وعلى هذا يمكن القول إن الوعي يتكئ على جناحَي وعي، وعي عملي ذاتي، ووعي نظري غيريّ، وأنه رغم قوة الذاتية في التجربة إلا أنه لا يمكن الاكتفاء بها بسبب الانحياز، وأنه رغم عدم القدرة على تجاهل المعرفة القادمة من الخارج إلا أنها هي الأخرى لا يمكن الاقتصار عليها بسبب تداخل العوامل المؤثرة البعيدة عن التجربة الذاتية.
ولذا فنحن نعاير معرفتنا بتجربتنا، ونعاير تجربتنا بمعرفتنا، محاولين أن نسلك طريقا وسطا في سبيل وعي متّزن إلى أقصى حدود الموضوعية بما يسمح به تكويننا البشري.
***
محمد سيف








