عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عبد السلام مسعودي: نحو إبستمولوجيا الهامش

الثقل المعرفي واستراتيجيات قلب النظرة

تمهيد: عندما يتحدث الصامت

في المخيال السوسيولوجي الكلاسيكي، ظلّت فكرة "المركز" و"الهامش" محكومة بمنطق ثنائي صارم، حيث يُعتبر الأول وعاءً للمعرفة والسلطة والشرعية، بينما يُختزل الثاني في صفة العدمية والفراغ والتلقي السلبي. غير أن هذا التصور، الذي تغذيه نظريات التحديث والمركزية الغربية، قد أهمل حقيقة جوهرية مفادها أن الهامش ليس مجرد مساحة جغرافية أو ثقافية مهمشة، بل هو حيز تاريخي مزدحم بالتفاعلات، ومليء بآثار الصدمات، ومشحون بطاقات المقاومة والتكيف. إن الهامش، بوصفه موقعاً وجودياً ومعرفياً، يمتلك ثقل معرفي ورمزي متراكم، يتشكل عبر قرون من الاحتكاك المباشر بالمركز. هذا المقال يسعى إلى تفكيك مفهوم "الثقل الهامشي" كأداة نقدية، وكشف كيف يمكن للهامش أن يتحول من مجرد موضوع للمعرفة إلى منتج لها، بل وكيف يستطيع أن يعكس النظرة على المركز عبر آليات "استشراق معرفي" معقدة، رغم ما يكتنف هذه العملية من مفارقات وأسر ثنائي.

تفكيك المركزية وتأسيس مفهوم "الثقل الهامشي"

لكي نفهم "الثقل الهامشي"، ينبغي علينا أولاً أن نخلع عن مفهوم "الهامش" رداء السلبية الذي ألبسته إياه الخطابات الاستعمارية وما بعد الكولونيالية المبكرة. فهو ليس صفحة بيضاء انتظرت حتى يخط عليها المركز تاريخه، بل هو أرض خصبة راكمت خبراتها الخاصة في التعامل مع النفوذ والسلطة. إذا تأملنا العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، نجد أن الأخير اضطر، من أجل البقاء، إلى فك شيفرات المركز: تعلم لغته، وأتقن طقوسه، وتنبأ بردود أفعاله، بل واستبطن تناقضاته الأيديولوجية. هذا التراكم المعرفي، الذي يمتد لأجيال، هو ما نسميه "الثقل الهامشي". إنه يشبه ذلك المخزون الجيولوجي المعرفي الذي تترسب فيه طبقات من التمييز العنصري، والمقاومة المسلحة والسلمية، وأشكال التكيف اليومي، والهجنة الثقافية.

هذا الثقل لا يقاس بعدد الكتب أو الجامعات في الهامش، بل يقاس بعمق التجربة الإنسانية وصلابتها. فالمعرفة التي ينتجها هي "معرفة احتكاكية"، تولد من رحم الممارسة والتجربة الحيَّة، وليس من برج عاجي نظري. حين يعيش الفرد في الهامش، فإنه يختبر المركز كقوة نافذة في تفاصيل حياته: في قوانينه، اقتصاده، تعليمه، وحتى في أحلامه اليومية. هذه المعايشة القسرية للمركز تمنح الهامش قدرة فريدة على رؤية عيوب المركز وفضائحه الأخلاقية والمنطقية، وهي رؤية لا تتاح للمتمركز في داخله، لأن الأول يرى الثاني من الأعلى، بينما يرى الهامش المركز من الأسفل، حيث تنكشف الآليات الخفية للهيمنة دون رتوش بروباغندية.

المعرفة الهامشية ودقتها في تحليل علاقات النفوذ

غالباً ما يُزعم أن المعرفة المركزية هي الأكثر دقة وموضوعية، لأنها تمتلك أدوات منهجية متطورة. لكن هذا الادعاء يسقط حين ننظر إلى طبيعة المعرفة المنتَجة في الموقعين. المعرفة المركزية (الاستشراق نموذجاً) غالباً ما تكون معرفة "تأملية" أو "استنتاجية"، تعتمد على نصوص ووثائق قد تكون مشوهة، وتنظر إلى الآخر باعتباره موضوعاً جامداً يمكن تشريحه. في المقابل، المعرفة الهامشية هي معرفة "تراكمية" و"تفاعلية"، لأنها تنتج من داخل العلاقة نفسها؛ إنها معرفة بالعدو معرفة المصارع الذي يحصي أنفاس خصمه، أو معرفة التابع الذي يحفظ مفاتيح سيده.

إن دقة المعرفة الهامشية تنبع من كونها معرفة اضطرارية؛ فالذي يعيش على الأطراف يدرك أن أي خطأ في فهم نوايا المركز أو آلياته قد يكلفه حياته أو حريته. لذلك، تتطور لديه أدوات تحليلية دقيقة لقراءة النوايا الضمنية، وفك الرموز الأيديولوجية، وتفكيك الخطابات التي تختفي وراءها سياسات العنف. هذه المعرفة تتفوق على المعرفة المركزية في جانب حاسم: قدرتها على كشف التناقض بين المعلن والمضمر. فالمركز يعلن قيم الحرية والديمقراطية، بينما يمارس التمييز في مستعمراته؛ والهامش وحده، من خلال احتكاكه اليومي، يستطيع أن يرصد هذا التباعد بشكل حاد، وأن ينتج خطاباً نقدياً يكشف هذا النفاق، كما فعل فرانتس فانون في "معذبو الأرض"، حيث حلّل الطب النفسي الاستعماري كآلة لقمع الوعي، مستنداً إلى خبرته المباشرة لا إلى نظريات فرويد المجردة.

استشراق المركز: بين الاستشراق التخيلي والاستشراق المعرفي

إذا كانت المعرفة الهامشية بهذه الدرجة من العمق، فمن الطبيعي أن تنتج آلية خاصة للنظر إلى المركز، وهنا نصل إلى جوهر مفهوم "استشراق المركز". في السياق الكلاسيكي، كان الاستشراق الغربي يقوم على "رؤية من بعيد"، حيث يكتب الرحّالة والمستشرقون عن الشرق دون أن يعيشوا فيه حقاً، أو يعيشون فيه بوصفهم سادة غير مندمجين. هذا الاستشراق كان "تخيلياً" بامتياز، لأنه بنى صورته للشرق على النصوص المقدسة، والخرائط القديمة، وأوهام العقل الجمعي الغربي عن "الآخر الغامض". لكن عندما ينقلب السحر على الساحر، ونظر الهامش إلى المركز، فإن العملية تختلف جذرياً.

"استشراق الهامش" للمركز هو استشراق "معرفي"، لأنه لا يقوم على التخمين أو الرؤية من علو، بل على معرفة تراكمية ممتدة بفعل التفاعل التاريخي. فالشرقي أو الجنوبي الذي يعيش في ظل الهيمنة الغربية، يجيد قراءة الغرب أكثر مما يجيد الغرب قراءة نفسه. يمكننا تلمس ذلك في سيرة عبد الرحمن بن خلدون، الذي نظر إلى الشرق (المركز الإسلامي آنذاك) والمغرب (هامشه) من زاويته المغاربية، فقدم نقداً عميقاً للعصبية المركزية وللنماذج الحضارية المستقرة، معتمداً على ملاحظته المباشرة لتفاعل البدو والحضر. بل إن نظرة ابن خلدون إلى الغرب المسيحي كانت نظرة محايدة نسبياً، خالية من الرهبة الأسطورية، لأنه تعامل معه كطرف في صراع سياسي واقتصادي، وليس ككيان ميتافيزيقي غامض.

في كتابات جمال الدين الأفغاني أيضا نموذجاً صارخاً لهذا الاستشراق المعكوس. إذ استخدم الكاتب، في مناظراته ونقده للاستبداد، خطاباً استعارياً يكسر فيه القوالب: فقد نظر إلى أوروبا بعين ناقدة، مادحاً علمها وتقنيتها، لكنه في الوقت نفسه كشف عن وجهها الاستبدادي والإمبريالي، معتمداً على تجربته الطويلة في التنقل بين الشرق والغرب. فهو لم يكتفِ بردة الفعل، بل حاول بناء خطاب مضاد، لكنه ظل، كما سنرى، أسير إطار المركز ذاته إلى حد كبير.

الأدب والفن كساحات للتجسيد البصري للثقل الهامشي

يتجلى هذا الثقل الهامشي بشكل أكثر كثافة وبلاغة في حقلي الأدب المقارن والسينما، حيث تتحول الصور الفنية إلى حوامل معرفية تنقل نظرية الهامش إلى واقع محسوس. إن إعادة قراءة رواية "الغريب" لألبير كامو في السياقات العربية، كما أشار النص المؤسس لهذا المقال، تمثل لحظة استشراقية معرفية مثيرة. ففي قراءتها الغربية الأصلية، تبدو الرواية عملاً وجودياً حول عبثية الحياة واغتراب الإنسان. لكن القارئ العربي، الذي يحمل ثقلاً هامشياً من تجارب الاستعمار، يقرأ "الغريب" بشكل مختلف؛ فهو يرى في بطلها "ميرسو" نموذجاً للغرب المتعالي البارد، وفي جريمته رمزاً لمواجهة الغرب للآخر العربي (الذي يُقتل دون مبرر حقيقي في الرواية). هنا، يستخدم القارئ العربي أدوات المستشرق (التأويل وتحليل الرموز) ولكن من موقع مغاير، حيث يصبح الغرب ذاته هو الموضوع الغامض الذي يحتاج إلى تفكيك.

أما فيلم "الرسالة" للمخرج السوري مصطفى العقاد، فهو مثال أكثر تركيباً على هذه الآلية. العقاد، الذي عاش في الغرب وأتقن لغته السينمائية، يقدم صورة بصرية للإسلام وبدايات الدعوة المحمدية، مستخدماً أدوات هوليوود الإخراجية والمونتاجية. الفيلم، في جوهره، هو محاولة لاستشراق الغرب من الداخل؛ أي تقديم السيرة الذاتية للإسلام بلغة سينمائية يفهمها الغربي، لكن مع الحفاظ على جوهر الرؤية الإسلامية. إنه ليس استشراقاً تخيلياً (كما فعل الراحل يوسف شاهين في بعض أفلامه التي نظرت للغرب برومانسية هوليوودية مبتذلة)، بل هو استشراق معرفي سياسي، يحاول أن يثبت أن الهامش لا يقل جمالاً وتاريخاً عن المركز، بل إنه قادر على توظيف أدوات المركز ذاتها لخدمة مشروعه الثقافي.

ولا يمكننا هنا تجاوز ذكر رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، والتي تشكل النموذج الأكمل لهذه الدائرة الاستشراقية. فبطلها مصطفى سعيد يجسد "الثقل الهامشي" بكل تناقضاته؛ فهو الذي يذهب إلى لندن (المركز) حاملاً تراكماته الثقافية الشرقية، لكنه يكتسب معرفة غربية معمقة، ليستخدمها لاحقاً في تدمير النساء الغربيات نفسياً وجسدياً. صالح يقلب الطاولة: فمصطفى سعيد يعرف الغرب (بشعرائه، وقوانينه، وعقداته الجنسية) أكثر مما يعرف الغرب نفسه، وهذا يسمح له بأن يكون "مستشرقاً معكوساً" ينتقم من المركز بأدواته الثقافية. غير أن الرواية، بذكائها المفرط، تُنهي هذه اللعبة بمأساة، مشيرة إلى أن الانعكاس المحض ليس تحرراً.

أزمة الدائرة الاستشراقية: حين يكرر الهامش شيفرات المركز

وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى التي يحاول النص الأصلي للإشكالية طرحها، وهي أن هذه العلاقة بين المركز والهامش، رغم كونها ليست أحادية الاتجاه، فإنها تشكل في النهاية "دائرة استشراقية" مفرغة. فحين يستخدم الهامش ذات الأدوات التي استخدمها المركز ضده (أدوات التمثيل، الاختزال، التصنيف الثنائي)، فإنه غالباً ما يظل أسيراً لمنطق المركز ذاته. إن إنتاج خطاب مضاد ليس بالضرورة خطاباً محرراً؛ فكثيراً ما يكون مجرد انعكاس مقلوب للمرآة، حيث يتم استبدال "الشرقي البدائي" بـ"الغربي المتوحش"، أو "الاستبداد الشرقي" بـ"استبداد الحداثة". هذا التكرار للشيفرات الثنائية (خير/شر، أصيل/دخيل، متقدم/متخلف) يُبقي مركز الثقل الفكري في دائرة المركز، حتى ولو كان الغرض هو هدمه.

نرى هذا بوضوح في نماذج عديدة من الأدب السياسي العربي المعاصر، حيث أصبح "الغرب" شيطاناً مطلقاً في بعض الخطابات، بينما أصبح "الشرق" مثالية بريئة، وهو نفس النوع من التبسيط الذي مارسه الاستشراق الكلاسيكي حين جعل "الشرق" مهادناً حسياً أو مستبداً شرقياً. هنا يفشل الهامش في تجاوز أسر الثنائية، لأنه يظل يعرّف نفسه انطلاقاً من المركز (ضد المركز)، بدلاً من أن يعرّف نفسه انطلاقاً من كينونته المستقلة. حتى في أعمال مفكرين كبار مثل مالك بن نبي، الذي أسس لفكر الاستعمار القابل للاستعمار، نجد أنه لا يزال يمارس قراءة الغرب عبر مفاهيم الغرب نفسه (العقلانية، التقدم، الصناعة)، مما يوقع مشروعه في مفارقة القبول بمعايير المركز كنقطة مرجعية وحيدة للنجاح أو الفشل.

هذه "دائرة الانعكاس" هي المأزق الأصعب الذي يواجه الفكر الهامشي. فالهامش، لكي يمارس نقده للمركز، يحتاج إلى لغة المركز وفئاته، وهذا الاستعارة المنهجية تجعله عرضة للتناقض. كيف يمكن نقد العقلانية الغربية دون استخدام العقلانية ذاتها؟ كيف يمكن رفض الاستشراق دون الوقوع في فخ اختزال الآخر؟ الإجابة ليست في التخلي عن المعرفة الهامشية، بل في الوعي بهذه المفارقة ذاتها. إن التحرر الحقيقي لا يكمن في أن يصبح الهامش مركزاً جديداً (فهذا يعيد إنتاج الظلم)، ولا في أن يلغي نفسه في المركز (فهذا استسلام)، بل في تجاوز هذه الثنائية تماماً.

خاتمة: نحو أفق ما بعد الثنائي

إن مفهوم "الثقل الهامشي" يمثل إضافة نوعية لفلسفة المعرفة والنقد ما بعد الكولونيالي، لأنه يمنح الهامش فعالية وجودية وإبستمولوجية كانت مغيبة. إنه يعيد الاعتبار للخبرة الحية، وللتجربة اليومية المضطهدة، بوصفها مصدراً للمعرفة لا يقل قيمة عن المعرفة الأكاديمية المؤسسية. لكن هذا المفهوم لا يخلو من المزالق، وأبرزها مخاطر "الدائرة الانعكاسية" التي تبقيه رهيناً بآليات المركز حتى في لحظة تمرده.

ربما يكون الطريق نحو تجاوز هذه الدائرة هو ما نسميه بـ"التفكيك الإيجابي"، أي تفكيك ثنائية المركز/الهامش نفسها، والاعتراف بأن كل موقع هو مركز بالنسبة لذاته وهامش بالنسبة لذوات أخرى في آن واحد. العالم المعاصر، بعولمته وتشابكاته، لم يعد يحتمل تقسيمات جامدة؛ فالثقافات تتداخل، والمعارف تتزاوج، والهويات تتشكل في فضاءات وسطى. الثقل الهامشي، إذن، ليس سلاحاً لإحلال مركز بديل، بل هو أداة لتوليد تنوع معرفي، ومدخل إلى "عالمية متعددة المراكز"، حيث يمتلك كل موقع خبرته الفريدة، لكنه يظل منفتحاً على الآخر دون اختزاله أو أسطرته. بهذه الطريقة فقط، يتحول الهامش من مجرد موقع للاحتجاج على المركز، إلى مصدر لإغناء المعرفة الإنسانية جمعاء، مساهماً في بناء سردية كونية أكثر عدلاً وتعقيداً، تتسع لكل الأثقال المعرفية دون أن تسحق أحداً تحت وطأة ثقل آخر.

***

عبد السلام مسعودي

في المثقف اليوم