عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عبد الهادي عبد المطّلب: الشباب العربي بين ضياع المعنى وتفاهة العصر

قراءة نقدية في مأزق الوعي

«الإنسان الذي يعتبر حياته خالية من المعنى ليس تعيساً وحسب، بل بالكاد يصلح للحياة».. (ألبرت آينشتاين)

مقدمة: جاء في كتاب «نظام التّفاهة» للفيلسوف الكندي «آلان دونو» ما مفاده، أن المجتمعات المعاصرة بدأت تمنح السلطة والتّأثير لأشخاص لا يتميّزون بالضّرورة بالكفاءة الفكرية أو الإبداع، بل بقدرتهم على التّكيّف مع منطق السوق والإعلام. بهذا المعنى أصبحت التّفاهة شعار العالم الذي يقوده إلى الانحلال والانحطاط، حين عطّل وهمّش الفكر النقدي والإبداعي، وكافأ السّطحية التي أصبحت بدورها طابعاً تُخبّئُ ذواتاً لا تفكّر، ولا تُبدع، ولا تُبادر، بل تنتظر دائما، تتحيّن الفرص للرّبْح بعيدا عن العمل الجادّ، وعن  الأخلاق والقيم.

لا يخفى على ذي عقل راجح أن العصر الذي يضمُّنا، عصرٌ تتقاطع فيه التحوّلات التكنولوجية المتسارعة مع التّغيّرات الاجتماعية والاقتصادية، فشكّلت بذلك حياة مليئة بالفُرص من جهة، والتّحدّيات والضياع والفشل من جهة أخرى. وبين هذين الحدّين يجد الشباب العربي نفسه يتخبّط في الجهة الثانية من الحدّين بين سؤال الوعي بما هو وبما يحيط به، وسؤال المعنى والمصير وما يحكمهما ويتحَكّم فيهما.

والشباب كمرحلة عمرية تمتاز بالقوة والتَّحدّي والمغامرة والأحلام، وإيجاد موْطئ قدم على أرضية تتجدّد كلمح البصر تصنعها وسائل التّواصل الاجتماعي، تنبني على النّجاحات المُخادعة والسريعة والسّهلة، والثراء الفاحش والشّهرة الواسعة، لكن واقع الشباب العربي اليوم، يكسّر أجنحته، ويحد من انطلاقه ويطمس أحلامه ويُعجز حركته كالبطالة والقلق من المستقبل، والضغوط الاجتماعية وضبابية الحلم السياسي، وغياب شروط تحقيق الذّات. هذا الواقع يُوَلِّد لدى الشباب حالة من الاغتراب الداخلي، والوحدة القاتلة وانقطاع العلاقات الإنسانية الحقيقية، وهنا يبزغ سؤالٌ حارقٌ بناء على ما سبق: هل يعيش الشباب العربي اليوم أزمة فقدان المعنى في ظل عصر لا يعترف إلا بالصّورة والسرعة والقوة والرّداءة؟ وماذا يحدث إن لم يجد الشباب العربي معنى لحياته يُبنى على الوعي بذاته وواقعه وما يأتيه من العالم الآخر؟

الصّورة والوعي الكاذب..

في ظل ثقافة الصّورة وطغيان وسائل التّواصل الاجتماعي وتحَكُّمها في دواليب الحياة، وُجد وعيٌ كاذب زائف قائم على ذر الغبار في الأعين لتمويه العقول، وتسليع الحياة والإنسان، ممّا دفعَ بالشباب إلى التّلصُّص على حياة الآخر والتّماهي معها وتقليد ما يجود به من دون وعي، حتى تسرَّب الفشل واليأس والانتظار إليه، واختلّت لديه موازين القياس والنّظر والتفكير وإعمال العقل. وفي ظل التّفاوُتات التي تُكَرِّسها العولمة العالمية البغيضة، تراكمت الانتظارات والأحلام والأمنيات والتّمزُّقات، وفقدان المعنى والثقة في الحال والمآل، فانعدمت المبادرات، وانطفأ الأمل في إيجاد المشاريع العقلانية الدّافعة إلى التَّواجُد بالفعل، وأحاطت بالشباب الأزمات، أزمة إمكانيات وأزمة معنى وأزمة وعي، وتكالبت عليه حالات معقّدةُ من التّوتّر الوجودي والشعور بالنّقص والعجز واللاجدوى، والعيش خارج النّجاح رغم انفتاح العالم على العالم بفضل الوسائل الرقمية.

لقد بيّن عالم الاجتماع «غي ديبور» في كتابه «مجتمع الاستعراض» أن الإنسان الحديث لم يعد يعيش الواقع، بل يعيش تمثلاته، حيث تتحول الحياة إلى صور تُعرض للاستهلاك، وهذا ما تحفل به المنصّات الرقمية حيث تُختزلُ الحياة في لحظات مُنتقاة بعناية يلفُّها المكر والخبث، تُظهر النّجاح والتّفوّق من دون مساراته، والنّتيجة من دون معاناة، وهنا الفخّ الذي سقط فيه الشباب العربي حيث لم يستوعب جيّداً خيوط اللعبة الماكرة فانخرط فيها، فغاص في حمأة الإحباط والفشل وجلد الذّات والاغتراب وضياع القيمة والقيم، فمتى يستفيق الشباب العربي ويدرك الزّيف الذي يلف العالم الرقمي، ويبني على أنقاضه، بوعيٍ، معاييره  الجديدة نحو النّجاح ويُؤسّس مساره نحو المعنى؟

إن الانتقال إلى الوعي وبناء المعنى يتطلّب جهداً وتفكيراً ذكياً وإبداعياً، وقُدرةً على طرح السؤال وخوْض غماره، والاستعداد لأخذ المبادرة والتّغيير بدل الانتظار والاستهلاك والتّفرُّج على مواكب السائرين نحو الأمام.

الشباب العربي ومأزق الوعي..

«إن سعي الإنسان إلى البحث عن معنى هو قوة أولية في حياته... وهذا المعنى فريد ونوعي من حيث أنه لا بدّ أن يتحقق بواسطة الفرد وحده... وعندئذ فقط، يكتسب هذا المعنى مغزى يشبع إرادة المعنى عنده» ، فالعصر اليوم تتسارع دقّاته وتتوسّع خطواته، يعيشه شبابٌ يُسارع أمنياته وأحلامه لتحقيقها ليُصبح «شيئاً» وهو لم يكتشف بعد طاقاته ومن يكون، عصرٌ يطالبه بأن ينجح ويُحقّق ذاته بسرعة، في حين تحاصره البطالة والبطالة المقنّعة، والتّخلّف الاجتماعي، والصّراعات السياسية التي تدعوه من دون وعي منه، إلى الانخراط والسير في ركابها كالأعمى من دون طرح السؤال. وممّا عقّد الأمور وعمّق الأزمة لدى هذا الشباب، انفتاح أبواب عوالم تمتدّ بلا حدود للحلم، إذ يكفي الضّغط على زرِّ هاتفٍ على مقاس راحة اليد، ليرى العالم في صورة تدفعه دفعاً إلى تصديق ما يرى من دون إعمال عقله، بينما الحقيقة توجد خلف الصّورة محفوفة بالمخاطر والمغامرة وتحدّي الصّعوبات، وهنا يتكوّن وهم السرعة، إذ يظن الشباب أن النّجاح يأتي سريعاً، وأنّ الحياة سباقٌ لا يحتمل انتظاراً، وأنّ العمرَ شبابٌ، لكنه حين يصطدم بالواقع المرير ينشا عنه الإحباط والفشل واليأس والوقوف عند مشارف الهاوية والسقوط، حينها يكون الشباب قد مرّ وفات أوان التّفكير في العوْد والبداية.

في خضمّ هذا الضّغط يضيع سؤال مهمّ قد لا ننتبه إليه: هل يعيش الشباب العربي أزمة فقدان المعنى أم أنه يسارع زمنه، بعيداً عن تعريفه خارج كينونته، ليكون؟ وهل أزمة الشباب العربي اليوم هي أزمة إمكانيات، أم أزمة معنى، أم أزمة وعي؟

لقد تعلّم الشباب العربي كيف يحصُل على المعلومات والصّور التي تختزل الحياة، بل أصبح يُتقن كيفيات الوصول إليها بسهولة كبيرة، لكنّه، وهنا مبتدأُ المشكل، لم يتعلّم كيف يصنع المعنى لحياته، ويؤسّس لوعيٍ ينهض على الفكر ونقد الواقع وحل مشكلاته، فشهاداته تتراكم، ومهاراته تُكتسب، وحياته تصبغ بالأماني والأحلام، لكن الإحساس بالفراغ يظل حاضراً وبقوة، لأن الإنسان لا يعيش بما يُنجز فقط، بل بالمعنى الذي يمنح طعما لوجوده وإنسانيته، ويملأ خواء روحه. وهذا الصراع كفيل بأن يكون بداية لتشكُّل الوعي، فالأزمات كثيراً ما تكون بوّابة لاكتشاف الذّات، وفهم التّحدّيات واكتساب القوة لطرح السؤال وخوض غمار أجوبته، فالشباب يملك القوة لتجاوز ذاته ودخول التّحدّي للتواجد في مجالات أوسع ليكون، وتحويل الفشل إلى نجاحات تدفع إلى البحث عن المغامرة واكتشاف المجهول في ذاته والمحيط والعالم.

لم يعد العالم اليوم يقتصر على مشكلات الشباب من مثل البطالة والفراغ واليأس وصعوبة الاندماج في سوق العمل والسياسة، وتفشّي ظواهر المحسوبية والرشوة، بل أصبح النّقاش في اتّجاه أزمة أعمق تتعلّق بالوعي والمعنى. فحين تضخّمت المعلومات وتكدّست المعرفة التي لم تؤدّ إلى عمق في الفهم، بل إلى سطحية الإدراك وتفاهة الاهتمامات وبساطة التّحدّيات وقصور الأسئلة الواعية بالأزمات، أصبح الشباب يشعر بالضّياع رغم أنه يعيش زمن الفرص المفتوحة على النّجاحات، والخيارات المتعدّدة القريبة، لكن الحقيقة أن «الإنسان يخترع نفسه، ويُصمّم جوهره، أي يبتدع ويصمّم حقيقة ماهيته، بما في ذلك ما ينبغي أن يكون عليه أو يصير به» .

بين تفاهة الفرص والخيارات ورداءة ثقافة العصر وضياع المعنى وغياب الوعي، وقف الشباب العربي حائراً تتجاذبه التّيارات والمنظومات التي تجعل من الفضاء الرقمي والدينامية العالمية المُختلّة التي تعدُ بالنجاح السريع على حساب التّأمّل والعمق في التّفكير بوعي، فتحوّل إلى مشروع فاشل وُئِدَ قبل انطلاقه، يبني أساساته بعيداً عن المعرفة الحقّة والوعي الحقيقي، والمعنى الإنساني لوجوده وإنسانيته، في غيابٍ كامل لما يُحقّقُ هذا الوعي، رغم ظنّه أنّه يمتلك الأدوات الفكرية التي تُمكّنه من فهمه أو تحليله لكنه، وهذا واقعه المفروض عليه، يحيا ثقافة الاستهلاك بعيدا عن التفكير النقدي.

في ظل هذا المشهد المُربك والمتشعّب الذي يوحي بالضّياع وتفشّي أزمة الشباب العربي، تظهر من حين لآخر بذور وعي جديدة، تأخذ من أزماتها وما يبني مستقبلها انطلاقا من الوسائط الاجتماعية، لتجعل منها مقدّمات لتحولات في الوعي الجمعي، وفهم الواقع وما تأتي به رياح الفضاء الرقمي، إذ كثيراً من الشباب اليوم، أصبحوا يُدركون أن مقاومة التفاهة والرداءة والفشل، لا تكون بالانسحاب من المشهد أو التّفرّج عليه، بل بالتّحدّي وتطوير القدرات النقدية الدّافعة إلى التّميُّز والتّمييز بين المعرفة الحقيقية البانية، وبين السراب الثقافي، وبين الاستهلاك والإنتاج واستعادة المعنى وتحويله إلى فهمٍ والفهم إلى رؤية، والرؤية إلى مشروع حضاري مستقبلي واعد.

انطلاقا من هذا السياق، ليست أزمة الشباب العربي أزمة موارد أو فرص أو نجاح فحسب، بل هي أزمة معنى ووعي بالحياة، فالإنسان المعاصر يعيش وسط شلاّلات من الصّور والمعلومات، لكنه في الوقت نفسه يعاني صعوبة تحديد الغايات والمرامي والأهداف، وتأكيد نفسه داخل المنظومة الرقمية العالمية، في محاولة منح حياته قيمة ومعنى واتجاها، فأصبح يعيش «عصر الفراغ» كما سمّاه عالم الاجتماع الفرنسي «جيل ليبوفتسكي»، حيث تتراجع المشاريع الكبرى، والقيم الجامعة، والبحث عن آليات التشارك الإنساني، ويحلُّ محلّها الاهتمام بالفردانية والاستهلاك.

الشباب العربي من بين شباب العالم مُحاصر بعدّة ظواهر تزداد حدّتها وآثارها وتتعقّد يوما عن يوم، فالنّظم التعليمية في كثير من البلدان العربية تحتل المراتب المتأخّرة في سلّم التّصنيف العالمي، أولا بسبب تأرجحها بين الإصلاح والتغيير الذي لا ينتهي، وبين التّمسّك بالتلقين والحفظ كمنهجية للتعلُّم بدل التفكير النقدي والإبداعي وتشجيع المبادرات. كما أن الأوضاع الاقتصادية والسياسية كثيرا ما تحدّ من قدرة الشباب على إبراز طاقاتهم، إذ يَعتقد كبار السن أنهم ما زالوا مفاتيح الحل والعقد والتّسيير والتدبير، إضافة إلى السير السريع لحركة العصر وطغيان العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي، وقلّة الضّمانات، وتمجيد الأنا، كل هذا وغيره، يفرض على الشباب العربي قيوداً تزداد قبضتها وشدّتها وضيقها مع تطور العصر وتقدم السنّ، ينشأ عنه شعور بالاغتراب والتيه والضياع.

خاتمة..

هذا التّشخيص رغم انسداد أفقه إلا من بصيص نور يظهر من بعيد، لا يعني أن الشباب العربي يعيش حالة استسلام كامل، فداخل هذا الواقع المرير والمعقّد تظهر من حين لآخر محاولات جادة لإعادة بناء المعنى، وإمداد الوعي بالحياة من خلال تواجده داخل مجموعة من التّظاهرات الثقافية والسياسية والاجتماعية، ومن خلال انخراطه الفعلي في البحث عن أشكال جديدة للتّواجد، وتفعيل آليات التفكير العلمي والنقدي والإبداعي واستغلال الفرص المـتاحة وتطويرها لإعادة صيغ جديدة للتفكير في القيم والأهداف، وتفعيل أدوات وطرق صياغة معنى ووعي عربي، والتّمسّك بروح الإبداع والمغامرة والاكتشاف لإعادة تقويم البنية الاجتماعية والسياسية والثقافية، وإعادة النّظر والتفكير في تمثلات النّجاح وأسبابه.

***

عبد الهادي عبد المطّلب

الدار البيضاء / المملكة المغربية

...............................

المراجع المعتمدة للتّوسُّع..

1 ـ آلان دونو. نظام التّفاهة

2 ـ جيل ليبوفيتسكي. عصر الفراغ

3 ـ زيكموند باومان. الحداثة السّائلة

4 ـ مالك بن نبي. مشكلة الثقافة

5 ـ غي ديبور. مجتمع الاستعراض

6 ـ عبد الرحمن بن خلدون. المقدّمة

7- فيكتور فرانكل. الإنسان يبحث عن معنى