عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

أنور ساطع: سلطان الفلسفة بين الدين والعلمانية

إن الدين كما الفلسفة كل منهما كان له دور فاعل في حياة الناس بشكلٍ عام، وكان للناس فضول التعلّق بكلا الطرفين لمعرفة تفسير العديد من المظاهر إن كانت طبيعية أو اجتماعية أو كونية.

حيث استطاع الدين أن يجيب على بعض الأسئلة، كما كان للفلسفة باعٌ البحث والإجابة عن أسئلةٍ عديدة، كانت تدور في خلد الإنسان في ذلك الوقت، حيث كانت الفلسفة وعن طريق الوسيلة العقلانية تنجح في إيجاد تفسيرات لظواهر مختلفة قبل ظهور الأديان، مثل الصين والهند واليونان، وبعد ظهور الأديان أيضاً.

ولم يقع الصدام بين الفلسفة والدين، إلآّ حينما تحوّل الدين إلى مجالٍ للسيطرة على الشعوب من خلال الكنيسة والسلطان.

حينها وقع الصدام الحقيقي بين الفلاسفة ورجال الدين، وليس بين الدين والفلسفة.

كانت وستبقى الحقيقة بمعناها الفلسفي هي التي يبتغيها الإنسان وبشكلٍ مطلق، ومنذ نشأته. وهي التي حرّضت العقل البشري لينشد المعرفة.

لذلك معظم المدارس والنظريات الفلسفية المختلفة والمتعارضة تعاطت مع المعرفة كنظرية بمجملها بكامل أبعادها وشروطها بدون أي تحديدٍ مُبهم لها.

ولأن النظريات الفلسفية كثيرة بقيت في حلقةٍ تدور حول نفسها، بسبب الخلاف فيما بينها.

حيث أن النظريات الفلسفية تماماً مثل النظريات الاقتصادية المختلفة، والنظريات التربوية والإعلامية المنتشرة في كل مكان.

إلاّ أن النظريات الفلسفية وخلافاتها جمعها بشكلٍ أو بآخر منعطف مهم في حياة البشرية ألا وهو التطور الحضاري والتاريخي الذي بدا بل بدأ في القرن الخامس عشر.

تلك القفزة صنّفت الوجود البشري إلى أن يتمثّل بالعالم القديم، وآخر يتمثّل بالعالم الحديث. أي بمفهومٍ آخر بين " الكوكبية " و" الكونية " أو بين مفهومي " وحدة المعرفة " وجزئية المعرفة ".

وهذا يعني بمفهومه الواسع والصريح بين " الدين " بمعناه العمومي والشامل، والذي يعني بأن الوجود غير مكتفٍ بذاته، وبين العلمانية أيضاً بمعناها العام والموضوعي، والذي يعني بأن هذا الوجود مُكتفٍ بذاته، وليس هناك أي حاجةٍ للإمتثال لأي مفهومٍ مختلف آخر.

ما حدث من تطورٍ في القرن الخامس عشر نستطيع أن نعبّر عنه بأنه ساهم وبشكلٍ فعلي في صناعة قطيعةٍ فلسفية ومعرفية مع العالم القديم، التي حكمت بشكلٍ فعلي على رؤية الإنسانية على مدى سنواتٍ طوال.

القرن الخامس عشر شهد ثورة الأفلاك السماوية، وثورة الفيزياء، وقانون الحركة وقانون الجاذبية في الكون.

ومنذ ذلك العصر ظهرت عدة مدارس وتيارات فلسفية وفكرية، تمثّلت بين نزعتين، الفلسفة المادية، العلمانية والواقعية والتجريبية من جهة، ومن جهةٍ أخرى الأديان الموروثة، وتُمثّلها مدارس الفلسفة المثالية.

ومن هذا المنطلق انقسمت البشرية بين التيارين، وأصبح الإنسان إمّا مُتشدّداً للدين ومتمسّكاً بالعالم القديم، أو منساقاً وراء العلمانية الموضوعية والعالم الجديد.

وهنا لعبت الفلسفة دوراً كبيراً، وظهر الخلاف الاجتماعي بين العلمانية والدين، في الوقت الذي كان فيه الخلاف فلسفياً فقط.

ومنذ تلك الآونة توسّعت وتركّزت الخلافات بين التناقض الفلسفي حول الثبات الديني " المكاني "، والحركية الزمانية العلمانية.

نعم تستطيع الفلسفة أن تلعب دوراً واضحاً في التغيير الاجتماعي، وذلك من خلال محورين:

إمّا إعتماد المكاني الديني والذي يمثّل أولوية عند بعض علماء الفلسفة والاجتماع أمثال ماكس فيبر وإيميل دوركهايم، أو إعتماد الزماني العلماني، بحيث يحدث التغيير الاجتماعي بحركية ذاتية وداخلية، والذي يُمثّل أولوية عند بعض علماء الاجتماع والفلسفة أمثال كارل ماركس وأوغست كونت.

تيارات الفكر الإسلامي بدأت باثارة الجدل المفتوح حول الاشكالية الدينية والوضع السياسي منذ زمن طويل، وكانت قناعتهم أن كل سلطة سياسية بحاجةٍ إلى غطاء ديني من الكاهن أو السلطان، بهدف ترسيخ وضعها السياسي بين بني البشر، وتثبيت أركان النظام، وهذه الثنائية مرت بعلاقاتٍ يحكمها الصراع تارة هادىء وتارة أشد قساوة.

فالحضارات القديمة مثل البابلية والفرعونية واليونانية والاغريقية وسواها، كانت الفكرة الدينية هي التي تحكمها، حيث كان الدين هو الذي يوجّه كل الأعمال في مختلف المجالات.

ومن خلال هذا الخلاف الفلسفي حول الهيكل الاجتماعي نتوصّل إلى مرحلة أخرى، تتمثّل بالمجتمع المدني، والمجتمع الديني.

طبعاً المجتمع الديني يرتبط بشكلٍ مباشر بالنبي المبعوث لهم، ومن خلاله يتم تنظيم العلاقات الاجتماعية، والضبط الاجتماعي، وفرضها على المجتمع من خلال " الوصايا العشر " المنتشرة في معظم الأديان، عبر كتبهم ومرجعيتهم، حيث دوّنت في كتاب التوراة بواسطة النبي موسى، وكذلك في كتب الأسفار عند المسيحيين، والتي دوّنت في كتاب الانجيل بواسطة المسيح، وأيضاً الرآن الكريم عند المسلمين بواسطة النبي محمد.

من الطبيعي أن نقول أن أهم تعريفات العلمانية بأنها العقلانية، والعلمية، وكل من العقلانية والعلمانية والليبرالية ارتبطت بنظريات التحديث، بهدف ضبط المفاهيم على أرضية الواقع.

أمّا المجتمع المدني فإنّه يعتمد ويقوم على جملة تحوّلات مهمةٍ وعميقة يفرضها التحدي المادي من كافة الجوانب إن كانت معرفية أو ثقافية أو اقتصادية وسياسية، أمام كل المجتمعات البشرية.

الواقع الذي يُشكّل أرضية معطاءة أمام العديد من المفكرين والفلاسفة والمثقفين للوقوف بتحدٍ والتصدي لها.

وهنا تبرز حقيقة أخرى، والخلاف على أو حول " الفضاء القيمي "، لقواعد الأخلاق بين الدين والفرد، وخلاف آخر يعتمد ويرتكز على جوهر علم النفس والفلسفة، وانقسام طبيعة النفس البشرية.

كل نظام اجتماعي حتّى يستقيم ويُشيد نظريته الاجتماعية، لا بُدّ له من الاعتماد وبشكلٍ مباشر على حقيقة وجوهر " الطبيعة البشرية "، آخذين بعين الاعتبار محوري الخير والشر والصراع بينهما، في نظريات علماء النفس والفلسفة، ومن خلال ذلك سنتمكّن من الوقوف عند أساس الخلاف الذي قيّم من يبني المجتمع الديني، أو من يبني المجتمع العلماني أو المدني.

النفس البشرية في المجتمع الديني ترتبط بسلبيات تمسّ تكوينها ونشأتها، حيث أن مجمل الديانات السماوية تتلاقى عبر مفهوم " الخطيئة الأولى " للإنسان، التي حدثت مع هبوط النبي آدم.

ومختلف المدارس الفلسفية والنفسية والاجتماعية تعتقد أن النفس البشرية على الدوام تميل لإشباع الغرائز لديها، ومن هذا المنطلق لا يمكن الوثوق بها، كمؤسّس يحكم القواعد التاريخية والأخلاقية في المجتمعات.

ومن جانب آخر فإن النفس البشرية في المجتمع المدني بإيجابيات نشوئها وتكوينها، ويمكن ضبطها من خلال قواعد البرمجة النفسية، وصولاً إلى القيمة المطلقة للفرد " الإنسان "، حيث مدارس ونظريات الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع، بدءً من " فرويد " إلى " لاكان "، تقدّم أو قدّمت الكثير من الوسائل التي من خلالها يمكننا من تفسير رؤيتها.

الخلاف بين العلمانية والدين له جوانب تدميرية بكل تأكيد.

العلمانية ترفض كل المفاهيم التي من شأنها إعاقة إكتمال الوجود المادي والموضوعي، كحاكمٍ للوجود الإنساني البشري.

كما نشأت تيارات منقسمة عن بعضها في الأساس، مثل:

العدمية المنفعلة التي تميل إلى التأمل والإبتعاد عن الواقع، وتتخذ شكلاً فلسفياً أو دينياً مثل فلسفة " شوبنهور "، أو الديانة البوذية.

والعدمية الفاعلة، والتي تحدّث عنها الفيلسوف " نيتشه "، ووصفها بالقوة المتعاظمة للإرادةِ والفكر، واتّشحت بمفهوم الصراع، الذي ساد المستوى الفلسفي والفكري، كما أوصى له " تشارلز دراون " وتشكّل حامية لرؤية بعض الأنظمة الشمولية، مثل " النازية " أو " الفاشية ".

أمّا الجانب الديني فقد رفض مفهوم " الوجود " لسلطة مهيمنة ومقيّدة للوجود، وهذا ما تسبب بنشوء رؤية " الحاكمية بأمر الله "، الذي حكم بالشرق من خلال الخليفة أو السلطان، وفي الغرب من خلال القدّيس، أو البابا، وانتشر هذا المفهوم في العصور الوسطى من خلال الدولة الدينية، والتي ذهب ضحيتها ملايين البشر إن في الغرب أو في الشرق.

وهذا الخلاف التدميري الذي تناولناه يعتمد على عدة أبعاد:

منها البعد الفلسفي، الذي يعتبر الخلاف الأكثر ثباتاً بينهما، والذي نشأ عنه خلافاً آخراً أو اجتماعياً، والذي تمثّل في الصراع الذي يفرض النظام الاجتماعي، بين رؤية المجتمع المدني، والمجتمع الديني. وبعد ذلك يأتي البعد السياسي، كبعدٍ آخر ويُتوّج الخلاف بين الدولة المدنية، والدولة الدينية.

ومع ذلك استطاعت المجتمعات الغربية بعد الحرب العالمية الثانية أن تتعامل مع مفهوم العلمانية والمجتمع المدني، بينما مجتمعات الشرق استمرت ممزّقة بين مطرقة الدين وسندان العلمانية، ولا تزال.

يرى " دوركهايم " أن أي مجتمعٍ يحتاج إلى شيءٍ من التعبّد " دين "، كما يحتاج بنفس الوقت إلى مُثل عُليا، بهدف الاستمرارية بين " الدين " و" العلمانية "، أو الدين والمجتمع. وبيّن كيف أن الثورة الفرنسية ومن خلال مجتمعها تمكّنت من تحويل نقاط علمانية مثل الوطن والحرية والعقل، إلى أشياء مُقدّسة، وفتح المجال من خلال هكذا طرح إلى التساؤلات حول ماهيّة " الدين العلماني.

ويؤكّد " دوركهايم " بل يرى أن الطقوس الغريبة التي تُمارس تُترجم الحاجة البشرية لممارسة هكذا طقوس، إن كان على مستوى الأفراد أو الجماعة، ويمكن أن تكون هناك أسباب يعتمدها المؤمنون لتبرير تلك الطقوس، لكنها خاطئة.

لكن الحقيقة أو الأسباب الحقيقية تعود إلى علم الاجتماع، حيث لا توجد هناك ديانة خاطئة، وكلها صحيحة بأسلوبها الخاص، وبأساليب مختلفة، لشروطٍ تُمنح للعنصر البشري ووجوده.

دوركهايم من وجهة نظره يهاجم النظرية الحيوية والنظرية الطبيعانية، ويرى أنهما أخطأتا وخاصّة عندما نسبتا أصل المشاعر الدينية في الظواهر السيكولوجية " كا الأحلام " أو " كالعواصف والزلازل " في الخوارق الطبيعية، وقال (أن هذه النزعة السيكولوجية تفسّر إيمان الإنسان بالروح، كما لو أنه يعيش حلماً، وهذا المذهب يعتبر الدين مجرد وهم دون أي أساس واقعي في الحياة الاجتماعية).

ويؤكّد دوركهايم أن للأديان خصائص أساسية رغم تنوّعها، وأن كلّ المعتقدات تقوم على تصوّرات أساسية، وممارسة بعض الطقوس التي لها الدلالة الموضوعية لها.

مجتمعاتنا العربية أو الشرقية تعيش مأساة معرفية وثقافية وفكرية من الجانب الديني، حيث أن العديد من المنظّرين في مجتمعات الغرب يعتبرونها إنموذجاً ما كان له أن يُبنى إلاّ على موروثات الأديان، وآخرون يرونَ بأنه لا مناص لهذه المجتمعات من الانفكاك عن الإرث الديني، على خلاف المجتمع الغربي الذي خرج من هذه الحالة التي كانت تسيطر عليها الكنائس ومفهوم " المقدس "، وانطلق نحو الشخصية الإنسانية، وبناء المؤسسات والإعتماد على الواقع الاجتماعي دون الانفكاك عن الشعائر الدينية.

ويؤكّد الباحثون الشرقيون أن الملهاة المعرفية والثقافية والفكرية العلمانية عند الغرب، أنها تُمثّل خصوصية حضارية ما كان لها أن تستمر إلاّ من خلال تقويضها للعلمانية.

لكننا لو تعمّقنا أكثر نرى أنه في تراثنا الفكري والديني والمعرفي لوجدنا فيضاً من المفاهيم باستطاعتها أن تبنى من خلال وعينا وأفكارنا قصوراً من المعابد والمساجد والكنائس تتجاوز بهيبتها ما تراكم من بقايا حجارة الفكر والتاريخ والحضارات.

على الباحث في العلوم السياسية أن يتساءل بينه وبين نفسه، هل الإنسان هو مادة فقط؟.

وهل أصول الأخلاق والقوانين والعدل والعدالة محدودة أو مختصرة بالمادةِ ليس إلاّ؟.

إن السياسة والفلسفة السياسية وسيلة بهدف تحقيق المساواة والعدالة بين بني البشر، وهؤلاء الناس مبنّيون على زرع الأخلاق والفضيلة والوفاء، إمّا لأنها كذلك أو أنها وسيلة ما للتقرّب من خالقها " الله ".

وبكل تأكيد أن هذا التوجّه تحكمه العديد من المدارس الفلسفية والفكرية والتي تختلف حول النظرة إلى الأخلاق، وهذه القيم أساسها ما " ورائي " غير محدود بالمادة.

ومن بين هذه المدارس الفلسفية، وبشكلٍ دقيق الفلسفية الإلهية، والمدرسة الفلسفية المثالية، والمدرسة الفلسفية الإشراقية، إضافة إلى المدرسة الفلسفية دو النهج الديني، والتي تتفق بشكلٍ عام مع ما يعتقده المثاليون بأن نشأة الدولة يجب أن يكون مُبنيّاً على أفكار أخلاقية.

يقول " بوزانكيت " عن الدو لة، أنها تجسيد للفكرة الأخلاقية، وأن الأسرة والكنيسة تعدان كذلك مؤسسات أخلاقية هامة في المجتمع، ولكن الدولة هي أهم مؤسسة بين هذه المؤسسات، فهي تشمل بمعنى من معانيها على جميع المؤسسات الأخرى، إذا ما فُسّرت الدولة تفسيراً دقيقاً، فإنها تُعتبر منظومة معنوية تتوحّد من الناحية العملية مع المجتمع، وأن العدل بالنسبة للفرد يقوم على اكتشاف مكان المناسب في حياة المجتمع وعمله، وعلى أداء الوظائف المتصلة بذلك المكان، وأن الدولة لا غنى عنها لتحقيق أكمل نمو ورقي للشخصية البشرية، فالإنسان بالطبيعة كائن اجتماعي، ولأن الدولة هي منظمة المجتمع الفعالة لتحقيق غاية معنوية، وليس هناك تناقض حقيقي بين غاية الفرد وغاية الدولة، فغاية كليهما هي كمال الشخصية، وأن الدولة هي وجهة النظر الأخلاقية لا تعد غاية في ذاتها.

وإذا ما نظرنا إلى الدولة على هذا المنحى، نرى أن الدولة تصبح خير صديقٍ للإنسان، لهذا يقول المثاليون أن مفهوم الإنسان مقابل الدولة، هو مفهوم خاطىء تماماً.

وأن الفوضويين يرون في الدولة شرّاً خالصاً، كما الفرديين ينظرون إلى الدولة بأنها شرّ ضروري، وكلاهما يعجزان بالتالي فهم معنى الدولة الحقيقي.

كما أن المذهب الفلسفي الفردي لم يعد موجّهاً للنشاط البشري، فإن المثل العليا التي تقوم على أن يسمح لكل فرد بأن يعيش لذاته، قد أثبتت الأيام أنه مذهب مرفوض ومستحيل ومتناقض.

ويستمر الخلاف بين المدارس الفلسفية حول أصول القوانين والفضيلة التي تضمن العدالة وتحفظها، وعلى الدارس والباحث حول الممارسة السياسية أن يجد المحور الأوضح والأفضل بين كل هذه المدارس والاتجاهات الفلسفية المختلفة بهدف بناء صرحه القيمي والفكري وشخصيته المستقلة، وعلى ضوء ذلك يحدد المعايير الأساسية لأدائه السياسي بعد ذلك، ويحدد مساره بين:

الطريق المثالي، أو طريق الحكمة الإسلامية، أو الطريق الإشراقي الذوقي، أو الطريق الفلسفي الواقعي، أو الطريق الديني.

أمّا الإتجاه البراجماتي فقد أثبت فشله، علماً أنه أي التجربة البراجماتية الجديدة شدّت الأنظار إلى الماضي والحاضر والمستقبل، ونتيجة هذا الاتجاه اعطني من الكلمات ما يهديني إلى سواء السبيل، في الحياة العامة، إن كان ذلك في الصناعة أو الزراعة أو التجارة، هذا الاتجاه يحاول الفرار من قضية المعيار النظري كأمرٍ واقع لأي تصرف سياسي من خلال الهروب من الماهيّات إلى ما يجب أن يكون، فسلّط الضوء على الاستفادة معتبراً أنه المعيار الأصوب للحكم على المصداقية من عدمها، ولقد قال عنها " وليام جيمس ":

" ينأى بعيداً عن التجريد، وعن عدم الكفاية، ويعرض عن الحلول الكلامية وعن التعليلات القبلية الدرئية، وعن المبادئ الثابتة، وعن ضروب المطلق والأصول المزعومة، وهو يولي وجهه شطر الاستنادية والمحسوسة والكفاية، شطر الحقائق والوقائع، شطر العمل والأداء والمزاولة وشطر القوة ".

ومع الأسف صار الاتجاه البراجماتي يُمثّل من لا اتجاه له، أو اتجاه من يحاول أن لا يُثير في داخله النزاع بين الأخلاقية القيمية من ناحية، وبين حصيلة ما يدور من حوله من ممارسات تختلف كثيراً عن مبادئه، ومغايرة تماماً لمبادئه ونظريته، وبنفس الوقت لم يحل المشكلة بين المادي والقيمي، إنها محاولة فاشلة ساقها المادّيون لإنشاء إطارٍ مشترك يضم الجميع دون الاعتبار أو المساس بالنظرية الفكرية أو الهوية الفلسفية والإختلاف الفلسفي، فهو إطار مادّي ليس إلاّ.

إن الاضطراب والتضارب الفلسفي الذي يشمل المسائل الفلسفية للعهد القديم والحديث لا يتوافق مع الاعتماد الكلي للفلاسفة على العقل وتقديسه باعتباره المنقذ الأوحد للإنسانية والبشرية جمعاء.

وهذا يُشكّك في المنطلقات الفلسفية ومصداقيتها، بل وينعكس سلباً، ويؤثّر بشكلٍ مباشر ويؤدي إلى تشظّي النفس وحيرة العقل.

خلال السنوات الأخيرة، بل قبل نصف قرن مضى، تابعنا انبهاراً بالفلسفة يطفو بشكلٍ متسارعٍ في أوساط الشباب ذكوراً وإناثاً، وثقتهم بها، واعتبارها سبباً رئيسياً في التقدم والخروج من بوتقة التخلف الحضاري، ووسيلة أساسيّة لعلاج التعصّب والتحجّر الفكري.

وبعضهم تبنّى الحديث بأن السبب الجوهري لنشوء الفكر التكفيري لدى جماعات العنف هو غياب مادة الفلسفة في مدارسنا وجامعاتنا، لكنهم تناسوا أن معظم البلاد العربية تُدرّس مادة الفلسفة في جامعاتها وفي مدارسها الثانوية، وهناك أقسام متخصصة للفلسفة منذ سنواتٍ طوال، ولم يمنع ذلك من نشوء وتطور الحركات المتطرفة دينياً والتكفيرية في المنطقة.

إن الوضوح يؤكّد بأن الفلسفة لم تختلف أو تتعارض مع الإيمان، فكل منهما يروم إلى الحق والحقيقة، وكلاهما يقصد سعادة النفس البشرية، والإنسانية جمعاء، ولا ننكر بأنه وقع خلاف بين الفلاسفة ورجال الدين، أي ليس بين الفلسفة والدين، وبعض من الفلاسفة كان لهم مفهوماً آخراً للدين وليس كل الفلاسفة.

إن الفلسفة بمفهومها المجمل تُمثّل القدرة العقلية على التفكير النقدي ضد الوهم والخرافة، وهنا تلتقي مع الدين، كما أن الدين يمنحك القدرة على العيش المشترك والتعايش، وكذلك هي الفلسفة في مفهومها، والدين يطلب منك أيضاً أن تُمرّر تعاليمه على عقلك، كي تستقر في قلبك كيقين، وهنا يكون دور الفلسفة عقلياً.

ومع ذلك لا يزال رجال الدين الموازي يضيقون ذرعاً بالفلسفة ورجالها الفلاسفة، لأنها تكشف زيف أباطيلهم.

قال " ديكارت " في كتابه " مبادئ الفلسفة "، " إن الفلسفة وحدها هي التي تُميّزنا عن الأقوام المتوحشين والهمجيين، وإنما تُقاس حضارة الأمّة وثقافتها بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها، ولذلك فإن من أجل نعمة ينعم الله بها على بلدٍ من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. ".

هناك عوامل كثيرة يلتقي فيها الدين مع الفلسفة، بحيث لا نستطيع أن نقول أو نتّهم الفلاسفة بالإلحاد، فهناك طرق كثيرة لمعرفة الخالق، ومنها طريق الفلسفة، وكلا الطرفين أي الدين والفلسفة يقوم بدوره الإيجابي في الأخلاق والمعرفة الإنسانية.

وهذا مع الأسف لا يدركه بعض المتدينين، وفي أمور كثيرة تقوم الفلسفة بالإجابة عن الأسئلة التي لم يتوصّل العلم للإجابة عليها، وهنا تلتقي الفلسفة مع الدين عندما يجيب عن الأسئلة الماورائية.

ومن جانبٍ آخر ولأن الفلسفة تعني الحكمة، وبنفس الوقت كل الأنبياء ملكوا هذه الخاصيّة، والقرآن الكريم لم يتحدث عن نبي إلاّ وذكر الحكمة معه.

والآن الإنسانية بمجملها بحاجةٍ ماسّةٍ إلى الدين والفلسفة.

الفيلسوف المفكّر " محمد أركون يقول:

" إن الإنسان لا يمكن أن يعيش بلا دين، وهذا ما يقوله علم الأنتروبولوجيا، ولكن يجب أن يُدرك المتديّن أن هذا الدين له تجلّياته وتحولاته. والفلسفة أيضاً لها دور تنويري للقلب وللعقل أيضاً، لتنتشلهما وتنقذهما من التديّن المزيف، وتخلّص الإنسان من قيود الدين الموازي الفارغ إنسانياً، والمهزوم أيضاً عقلانياً ".

في عام 1784 طرحت صحيفة ألمانية على الفلاسفة سؤالاً: ما التنوير؟.

فكانت إجابة الفيلسوف كانط:

" التنوير هو خروج الإنسان من القصور الذي ارتكبه في حقّ نفسه، من خلال عدم استعماله لعقله إلاّ بتوجيه إنسانٍ آخر ".

وبذلك يتحرر الإنسان من التبعية للآخرين.

وعندما بدأ التنوير مشواره، تمت مقاومته من المؤسسات الدينية، التي استغلّت المجتمع المكبوت والمقيّد بأباطيل رجال الدين ضد الفلاسفة التنويريين، ولقد أطلق الفيلسوف الإيطالي " جيوردانو برونو " على هذا الفهم إسم " الجهل المقدّس ".

ولم يغضب حينما حكمت عليه الكنيسة آنذاك بالموتِ حرقاً بسبب أفكاره التنويرية، ولكن الشيء الذي أحزنه أن عجوزاً جاءت وألقت بخشبةٍ بالنار، وحينما سُئلت لماذا فعلتِ ذلك، قالت: إنه أمرٌ من الكنيسة.

فقال لها: اللعنة على الجهل المقدّس.

الأمر ذاته تكرر أيضاً في حادثة إغتيال " فرج فودة " بسبب أفكاره التنويرية، حينما قام القاضي بتوجيه سؤالٍ إلى القاتل:

هل قرأت كتب فرج فودة؟.

فجاءه الرد من القاتل:

أنا لا أقرأ ولا أكتب.

أيضاً إنّه الجهل المقدّس ذاته.

لعلّ ابن تيمية شيخ التيار السلفي يتحمّل مسؤولية الخصومة مع الفلسفة، واعتبر الفلسفة علماً ليس بنافع، كما سبقه إلى ذلك أبي حامد الغزالي الذي صمّم الإطار للخصومة بين الدين والفلسفة، وقبل ابن تيمية بثلاث قرون، وهو الذي قسّم الفلسفة إلى ثلاثة أصناف:

الملاحدة، واعتبرهم زنادقة - الطبيعيون، أنكروا البعث والحساب واعترفوا بوجود إله - الإلهيون - مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو.

لكنه كفّرهم كلهم وأتباعهم مثل الفارابي وابن سينا.

وبالتالي قام ابن رشد ودافع عن الفلسفة وردّ على الغزالي في كتابه المعروف " تهافت التهافت " وأكّد على التوفيق بين الدين والفلسفة، وقال:

إن التعارض بين الدين والفلسفة وهم.

وقال أيضاً:

الحق لا يُضاد الحق.

بكل تأكيد إن الفلاسفة ليسوا بمجملهم في سلّة واحدة فيما يخصّ محور الإيمان، وبنفس الوقت لم يكن علماء المسلمين ملمّين بقراءة كافية وواحدة للفلسفة، لذا كانت هناك حملة على الفلسفة والفلاسفة، ولم يتمكّن أيّاً منهم من الاعتماد على نصٍ قرآني يمنع الرؤية العقلانية والفكر الحر.

ابن سينا عرفه العرب بأنه فيلسوف، وحاول التوفيق بين الدين والفلسفة، لكنه فشل، لأن الكهنوت الإسلامي اعتبره زنديقاً، وآخرون اعتبروه " قصير النظر والرؤية ".

في التراث اليوناني نجد فيلسوفاً حكيماً " أبيقور " قال:

إن الفلسفة هي نشاط يوصلنا إلى الحياة السعيدة، عن طريق الأدلّة العقلية والبراهين الاستدلالية ".

أي أنّه أكّد على أهمية الدقّة في الملاحظة لإقامة الدليل العقلي.

وصدق أرسطو حينما قال قولاً حكيماً " إنما الدهشة هي الأم التي أنجبت الفلسفة ".

قال كانط: " إن الإنسان مخلوقٌ ناقص، بالنسبة للكمال الإلهي، ولو كنّا نعرف بالعقل كل شيء وندرك كنه الحقائق الدينية والدنيوية، لما أرسل الله إلينا الرسل بالوحي. وبسبب قصوره وعجزه جاء الوحي ليرشده ويهديه، وإذا قلنا من أودع فينا العقل؟، أليس الله؟، إذاً الإثنين مصدرهما واحد، وهو الله، فكيف لهما أن يكونا متضادين ويتصارعان ! ".

وعلى هذا الأساس نستطيع أن نتأكد بأن السبب الأساسي في الخلاف بين الفلسفة والدين يعود إلى منشأ القضايا الفلسفية من الإنسان.

وبالعودة إلى أساس الدين وصحيح الدين، والعقل الفطري أو سليم العقل، غير المشوّه أو المشوّش، نستطيع أن نتوصّل إلى إجابات كافية وشافية عن كلّ التساؤلات التي نتوقّف عندها من خلال الوحي، وبنفس الوقت من خلال العقل.

إنّ إشكالية العلاقة المتبادلة بين الدين والفلسفة ستبقى محوراُ فاعلاً للجدل والنقاش ما لم يتم تحديد بداية معنى المصطلحات، هذه العلاقة ستبقى مثيرة للحوار، وستبقى الإشكالية بين الطرفين قائمة وتتميّز بالحلول المفتوحة، وكأننا نقول ونتساءل:

أيهما أسبق البيضة أم الدجاجة. !.

إن العلمانية والعولمة السائدة في العالم تشكّل محوراً قد يكون متمثّلاً في تحدي قيم الدين من خلال نشر ثقافات مختلفة تأخذ منحى يمسّ الفكر والثقافة، وهذا أتاح أيضاً للدين أن يُعيد حساباته من خلال توظيف أدواتٍ تقنية، ممّا أتاح أمام الدين إنفتاحاً على الفلسفة والعلوم الأخرى كي يواكب المسيرة الحياتية للبشرية، لأن النظرية الدينية لا يمكنها التواصل مع هكذا واقع دون أن تحتك معه عبر التفاعل الإيجابي، وعلاقة العقلانية بالدين والعلمنة، لذا صارت موضع مراجعات وجعلها أكثر تركيباً وتعقيداً من الرؤية أو النظرة البسيطة لدقائق الأمور التي سادت طويلاً.

إن الرؤى تشهد صعوداً واضحاً لقصور العقل البشري الإنساني، وهذا الواقع يتطلب من الفكر الإسلامي النظر والاجتهاد لإعادة بناء أفكار وآراء وتصورات في غاية الدقة وعميقة حول إشكالية حقيقية تواجه الإنسان ومستقبله على هذا الكوكب الذي يعني البشرية جمعاء، تصورات تنطلق من الربط الجازم بين العقل والوحي والعلمانية والدين.

العلمانية انطلقت من الغرب، وعندما وصلت إلى بلادنا سرعان ما تبنّت النخب الفكرية والسياسية العلمانية وحوّلتها إلى شكلٍ من أشكال الصراع على خلفية الكفاح والنضال ضد الاستعمار، والعمل على تحرير أراضينا المحتلة.

وبعد التحرر من الاستعمار الخارجي، تحالفت أنظمة ما بعد الاستقلال مع هذه القوى، لكنها سرعان ما بدا عليها الوهن بسبب هشاشة دولة ما بعد الاستقلال.

في الوقت الذي كانت فيه المجتمعات متمسكة بقيمها وثوابتها، فنشأ الصراع المباشر بين السلطة الفوقية والمجتمع، أو مع الدين، فنعت الشعب الدولة بأنها ضد الدين أو رافضة للدين، لذلك تمسكت الدول بسلاح العلمنة كعقيدة سياسية وكفاحية ضد الغير، ولتشويه سلطة رجال الدين.

لذلك نرى أنه لا بدّ من المشاركة والتعايش لبناء دولة المواطنة، والدولة المدنية، ودولة الإنسان المسلم وكل مكونات المجتمع، دولة المؤسسات التي تعني دولة الوطن الواحد، دولة القانون والدستور الضامن، دولة الاعتراف بأن الله هو مصدر السلطات، دولة تحرير الإنسان من العبودية والقمع، دولة الإنسان الحر، من خلال:

- هوية الإنسان.

- التعددية المدنية.

- قبول الآخر.

- إحياء ثقافة التسامح.

- الحرية.

- المشاركة السياسية.

- التداول السلمي للسلطة.

كافة القيم لدينا تأتي من خلال العقل المنفتح لقيم إنسانية دائمة، مع مشاركة الأديان بما بالإمكان أن تقدمه في مجال القيم والأخلاق، بهدفٍ وحيدٍ أصيل هو التضامن والتعايش تحت مظلة الإنسانية.

***

د. أنور ساطع أصفري

في المثقف اليوم