في لحظة تاريخية يتداعى فيها العقل النقدي العربي تحت ضربات "ثقافة السوق" المتوحشة، نجد أنفسنا أمام ظاهرةٍ مرضية بامتياز، وهي ما يمكن تسميته بـ "صناعة اللاشيء". لم يعد الأدب في راهننا، كما كان في زمنِ التنوير المتعثر، تعبيراً عن تناقضات الواقع أو محاولةً لاستشراف أفق التحرر؛ بل استحال إلى "سلعةٍ استهلاكية" خاضعة لقوانين العرض والطلب، تُنتج في معامل "العلاقات العامة" وتسوق بادوات "البروباغندا" الرقمية.
إن "اللاشيء" الذي نراه اليوم في رفوف المكتبات، وفي قوائم الجوائز، وفي أروقة المهرجانات الاحتفائية، ليس سوى انعكاسٍ بنيوي لأزمة المثقف الذي استقال من وظيفته التاريخية. لقد تحول الكاتب من "ضميرٍ للمجتمع" إلى "رجل مبيعات" يتملق ذائقة الجمهور التي جرى تسطيحها عمداً، أو يغازل لجان التحكيم التي تبحث عن نصٍ يرضي المركزية الغربية في نمطيتها السطحية. نحن أمام "أدبٍ بلا كاتب"، نص خاو من الجرح، مفرغ من الأسئلة الوجودية، ومصمم بعناية لكي لا يزعج أحداً، ولكي يمر برداً وسلاماً على وعي القارئ المستلب.
إن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن "اقتصاد الأدب". ففي ظل غياب مؤسسات نقدية مستقلة، وحلول "السوق" محل "الناقد"، أصبحت القيمة الأدبية تُقاس بعدد النسخ المباعة، وبعدد المتابعين على منصات التواصل، وبمدى "الترند" الذي تحققه الرواية أو الديوان. هنا، يغدو "النقد" مجرد إكسسوارٍ تجميلي، وظيفةٌ موكلة لموظفين في دور النشر، يغلفون الرداءة بأوراق السلوفان اللامع، ويسمون "التفاهة" حداثةً، و"الثرثرة" تجريباً.
نعم ان خطر "صناعة اللاشيء" يتجاوز مجرد الكتابة الرديئة؛ إنه اغتيل ممنهج للمخيال الجمعي. عندما يقتنع القارئ أن هذا "اللاشيء" هو الادب العظيم، فإننا نكون قد أفرغنا اللغة من طاقتها التحررية وحولناها إلى أداةٍ للاغتراب. المثقف، بالمعنى الغرامشي، هو من يفكك هذه البنى، ومن يرفض أن يكون صوتاً في جوقة "الاستهلاك الثقافي". إن مهمتنا اليوم ليست في الإنتاج الغزير للنصوص، بل في "مقاومة المعنى" ضد التميع، وفي استعادة شجاعة قول الحقيقة تجاه نصٍ يبيع الوهم.
إننا ندعو إلى "مقصلة المعنى"؛ إلى نقدٍ لا يعرف المجاملة، نقدٍ يدرك أن الأدب الذي لا يزعزع الثوابت، والذي لا يمتلك صلةً عضويةً بوجعِ الواقع وتناقضاتِ الممارسة الاجتماعية، هو أدبٌ ميت، حتى وإن طبعته أفخم المطابع أو توجته أضخم الجوائز. إننا أمام خيارٍ حاسم: إما أن نستعيد الأدب بوصفه فاعليةً نقديةً للمجتمع، أو أن نترك الحبل على الغارب لباعةِ الوهم ليصنعوا لنا "لاشيئاً" يملأ فراغ حياتنا، ويقبر ذكاءنا تحت ركام من الكلمات البراقة، الفارغة، والقاتلة.
***
دكتور أحمد فاتح محمد








