الهامش كمركز مقلوب
في البدء، لم يكن المركز سوى وهم أنتجه الخوف من الفراغ، فجمع الناس في دوائر مغلقة وسمّاها مجتمعا أما الهامش فكان الفضاء الحقيقي الذي تتنفس فيه الحياة بعيدا عن ضجيج المركز وصراخه، ومن قلبه برز ذوو الهمم كشهادة حية على أن الوجود لا يقاس بمدى انتمائه إلى المركز بل بمدى قدرته على خلق مراكز جديدة تتشكل من داخلها ذاتها.
إن مسألة الهامش والمركز في فلسفة الوجود ليست مسألة مكان جغرافي أو موقع اجتماعي بحت بل هي مسألة نظرة أو بالأحرى مسألة "أنظمة النظر" التي تنتج حقيقة ما نراه. فالمركز في المنظور الغربي الحديث هو ذلك الفضاء الذي تتجمع فيه القوى المنتجة والأجساد الكاملة والعقول التي تشبه بعضها البعض في سرها العميق. وهو ببساطة فضاء "الذات نفسها" التي تكرر ذاتها في مرآة الآخر. أما الهامش فهو ما يقع خارج هذه المرآة، ما لا ينعكس فيها، ما يهدد تماسك صورتها. من هنا فإن إخراج ذوي الهمم إلى الهامش لم يكن مجرد سياسة اجتماعية أو اقتصادية بل كان فعلا فلسفيا عميقا يهدف إلى حماية "الذات المركزية" من مواجهة شبح الاختلاف الذي يحمله الآخر المختلف جسديا.
لكن الفلسفة، حين تتجرأ على نفسها تكتشف أن المركز نفسه هو الهامش المقنع، ذلك أن المركز يعيش في حالة دائمة من القلق، من الخوف من أن يتبدد، من أن تتفتت حدوده ومن أن يصبح هو نفسه هامشا لمركز آخر. هذا القلق هو ما ينتج العنف الرمزي والمادي تجاه كل ما يهدد تماسكه، وفي هذا السياق يظهر ذوو الهمم كـ"الآخر المطلق" الذي يفضح زيف المركز ووهم كماله. فالجسد المغاير سوى في تكوينه أو إدراكه هو ذلك الجسد الذي يرفض أن يكون مجرد مرآة تستنسخ صورة الجسد "الطبيعي" ويقدم نموذجا آخر للوجود لا يقاس بمدى قدرته على الإنتاج أو الاستهلاك بل بمدى قدرته على خلق معان جديدة للوجود نفسه.
الهمم كفلسفة للحد
إن مصطلح "ذوي الهمم" في ذاته هو ثورة لغوية وفلسفية على لغة العجز والإعاقة، فالهمة في التراث العربي والإسلامي هي ذلك العزم الذي يصعد بالإنسان فوق حدود جسده ومادياته وهي في الوقت نفسه دعوة إلى إعادة النظر في مفهوم "الحد" نفسه. ذلك الحد الذي يميز الشيء ويحدد هويته. والحدود هي التي تنتج المعنى من خلال التفريق بين الداخل والخارج، بين الذات والآخر، بين الطبيعي وغير الطبيعي، أما الهمة فهي ما يذيب هذه الحدود أو على الأقل ما يظهر أنها ليست طبيعية بل هي إنتاج تاريخي وثقافي.
ذوو الهمم لا يعيشون "رغم" حدودهم بل يعيشون "بفضلها" و"من خلالها". فالحد عندهم ليس سجنا يقيّد الوجود بل هو بوابة تفتح على وجود آخر، على طريقة أخرى من طرق الوجود في العالم، فالمعنى هنا يتعلق بكيفية ارتباط الإنسان بالعالم وبالآخرين. فالأعمى لا يعيش في عالم منقوص من الحس البصري بل يعيش في عالم يتشكل من خلال حواس أخرى تتطور وتتعمق بشكل يختلف جذريا عن التجربة البصرية وهذا العالم ليس "أقل" من العالم البصري بل هو "آخر" مختلف في بنيته وفي معانيه.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل الوجود واحد أم هي وجودات متعددة؟ إذا كان الوجود واحدا فإن ذوي الهمم يصبحون "منقوصين" من نصيبهم فيه أما إذا كانت الوجودات متعددة فإنهم يصبحون شهودا على تعدّد الوجود وتعدد طرق الوجود في العالم وهذا التعدد ليس ترفا فلسفيا بل هو ضرورة أخلاقية ووجودية. فالاعتراف بتعدد الوجودات يعني بأن لا طريقة واحدة صحيحة للوجود وأن لا جسدا واحدا هو "الجسد الطبيعي" وأن لا عقلا واحدا هو "العقل السليم". وهذا الاعتراف هو ما يفضي إلى إعادة تعريف "الإنسان" نفسه من كائن محدد بحدود بيولوجية وعقلية ثابتة إلى كائن مفتوح على تعدد الاحتمالات والأشكال.
المركز الهامشي والهامش المركزي
في عالم يتجه نحو التركيز والتمركز، يظهر الهامش كفضاء للمقاومة والإبداع، لكن هذه المقاومة ليست مقاومة سلبية ترفض المركز وتكتفي بالاحتجاج عليه بل هي مقاومة إيجابية تنتج مراكز جديدة تتشكل من داخل الهامش نفسه. وذوو الهمم هنا ليسوا مجرد "ضحايا" يحتاجون إلى "إدماج" في المركز بل هم "منتجون" لمراكز معرفية ووجودية جديدة. فالإدماج في جوهره هو دعوة إلى الانصهار في المركز وإلى التخلي عن الاختلاف إلى أن تصبح "مثلنا"، أما ما نحتاجه فهو "التعددية المركزية"، أي اعترافا بأن المراكز متعددة وأن كل مركز يحمل في ذاته إمكانية أن يكون هامشا لمركز آخر.
هذا يقودنا إلى فكرة "المركز الهامشي" و"الهامش المركزي". فالأول هو ذلك المركز الذي يتشكل من داخل الهامش والذي لا يحاكي المركز التقليدي بل ينتج منطقا جديدا للمركزية. فمركزية ذوي الهمم ليست مركزية "القوة" أو "الكمال" بل هي مركزية "الحاجة" و"العطاء" و"العلاقة"، فالإنسان في حاجة دائمة إلى الآخر وهذه الحاجة ليست نقصا يجب سده بل هي شرط من شروط الوجود الإنساني نفسه. وذوو الهمم يذكروننا بأن هذه الحاجة هي ما ينتج المعنى وأن العلاقة ليست مجرد رابط بين ذوات مكتملة بل هي ما ينتج هذه الذوات ويشكلها.
أما الهامش المركزي فهو ذلك الهامش الذي يتشكل من داخل المركز نفسه والذي يفضح زيف مركزته. فالمركز كما قلنا يعيش في قلق دائم من تفتته ولهذا فهو ينتج دائما هامشا داخل ذاته: هامش المرض وهامش الجنون وهامش الضعف. وذوو الهمم حين يواجهون هذا الهامش الداخلي يجبرونه على الاعتراف بأنه ليس مركزا حقيقيا بل هو تراكم للهويات المتخيلة والحدود المصطنعة وبداية انهيار وتشكل مراكز جديدة.
الهمم والزمن: وجود آخر للزمن
إن أعمق ما في تجربة ذوي الهمم هو علاقتهم بالزمن. فالزمن في المركز هو زمن الإنتاج والاستهلاك، زمن خطي يتقدم نحو هدف محدد يقاس بالإنجاز والفعالية أما الزمن في الهامش وفي تجربة ذوي الهمم خاصة، فهو زمن آخر تماما، فهو زمن "الانتظار" و"الاستسلام" و"القبول" لكنه في الوقت نفسه زمن "العمق" و"التركيز" و"الحضور". فالانتظار هنا ليس سلبية بل هو فعل وجودي يتعلق بكيفية الوجود في العالم والاستسلام ليس استسلاما للقدر بل هو قبول للحدود التي تفتح على أفق جديد.
هذا الزمن المختلف هو ما يمكن ذوي الهمم من رؤية ما لا يراه الآخرون، فهم يعيشون في "شقوق" الزمن، في الفواصل بين اللحظات، في المساحات التي يتجاهلها الآخرون في اندفاعهم نحو المستقبل. وهذه المساحات رغم أنها تبدو فارغة، هي في الحقيقة ممتلئة بالمعنى. فالصمت هنا ليس نقصا في الكلام بل هو لغة أخرى والبطء ليس عجزا عن السرعة بل هو إيقاع مختلف للحياة والتوقف ليس موتا بل هو لحظة تجديد ولادة.
وهذا يقودنا إلى إعادة النظر في مفهوم "الحياة الطيبة" نفسه. فالحياة الطيبة في المنظور الغربي الحديث هي حياة "الاختيار" و"الحرية" و"الإنجاز" أما من منظور ذوي الهمم فهي حياة "القبول" و"العلاقة" و"الحضور" وهذا لا يعني أنهم لا يختارون أو لا ينجزون بل يعني أن اختيارهم وإنجازهم يتبعان منطقا آخر لا يقاس بالكم بل بالكيف، لا بالسرعة بل بالعمق، لا بالاستقلال بل بالعلاقة.
الخاتمة: نحو فلسفة همومية
إن ما نحتاجه اليوم ليس "تسامحا" مع ذوي الهمم ولا "إدماجا" لهم في مجتمع لا يزال يحمل منطق المركز والهامش بل نحتاج إلى "فلسفة همومية" تعيد التفكير في أسس وجودنا معا. فالهمة ليست مجرد صفة تتصف بها فئة من الناس بل هي مبدأ وجودي يتعلق بكيفية تجاوز الحدود وخلق معان جديدة وذوو الهمم ليسوا "آخرين" نحتاج إلى "فهمهم" أو "مساعدتهم" بل هم "نحن" في إمكانيتنا الأخرى، في ما يمكن أن نكونه لو تجرأنا على تجاوز حدود "الطبيعي" الذي نتصوره.
إن الهامش والمركز ليسا موقعين ثابتين، بل هما علاقتان تتبدلان حسب منظور الناظر، وما يبدو هامشا من منظور ما قد يبدو مركزا من منظور آخر، وذوو الهمم يذكروننا بأن "المركزية" ليست حقيقة وجودية بل هي وهم ننتجه لنبرر وجودنا ونخفف من قلقنا أما الحقيقة فهي أننا جميعا نعيش في هامش ما وأننا جميعا نحتاج إلى الآخر لنكمل معنى وجودنا. والهمة في النهاية هي ما يمكننا من رؤية هذا ومن التجرؤ على أن نكون "آخرين" حتى نكون "أنفسنا" حقا.
***
عبد السلام مسعودي - كاتب وشاعر تونسي
ورئيس تحرير مجلة مدارات ثقافية الألكترونية








