من وحي ندوة المعهد العالمي للتجديد العربي
برهن ابن خلدون على تمييز الإنسان عن سائر الكائنات الحية بالعقل والقدرة على التفكير، من حيث إن الإنسان في طبيعته هو كائن مفكر، «لا يفتر عن الفكر طرفة عين، بل إن اختلاج الفكر أسرع من لمح البصر»، وعن هذا الفكر تنشأ العلوم.
ويشرح خصائص تعليم العلوم، وكيف أن العلم من جملة الصنائع، وأن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله، ويميز بين العلم الذي هو ملكة أرفع من الفهم والوعي المشترك (وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية، فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها)، وبين التلقين، معدًّا هذا الأخير غير داخل في طبيعة العلم.
ثم انتقل ابن خلدون لبيان كيف أن العلوم لا تزدهر إلا بازدهار الحضارة ورسوخها، وتخرب بخراب العمران والمدن والحضارة. وينتقد وهم الاعتقاد بأن ازدهار العلم في المشرق العربي وضعفه في المغرب إنما يعود إلى أن عقول أهل المشرق أكمل من عقول أهل المغرب بالفطرة، ويعيد ذلك التفاوت إلى أسباب تاريخية، إذ «تكثر العلوم حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة».
وفي سياق التناول الدقيق لسوسيولوجيا العلم، يصف ابن خلدون وضع العلوم في المغرب العربي والشمال الأفريقي في ضوء منهجية مقارنة مع المشرق العربي، الذي هو أرسخ في صناعة تعلم العلم، وأن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر، لما أن عمرانها مستبحر وحضارتها مستحكمة منذ آلاف السنين.
إن النظرة الثاقبة في تحليل ظاهرة العلم وتفسيرها تجعل ابن خلدون رائدًا لسوسيولوجيا المعرفة العلمية التي لم تظهر إلا في القرن العشرين.
يصعب الإحاطة بأبعاد الثورة المنهجية الخلدونية دون الإلمام بالمستوى الذي بلغته المعرفة العلمية في عصره، وموقف ابن خلدون منها. فقد وجدناه يمتلك وعيًا عميقًا بالحدود التي وصلت إليها المعرفة العلمية وتاريخ تطورها منذ أقدم العصور.
وهذا ما يشف عنه تصنيفه الدقيق للعلوم وخصائصها، فقد رأى «أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار تحصيلًا وتعليمًا هي على صنفين: صنف العلوم العقلية، وصنف العلوم النقلية الوضعية، وهذه الأخيرة مسندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي، ولا مجال فيها للعقل إلا في الفروع».
* العلوم الشرعية النقلية تشتمل على: علوم القرآن من التفسير والقراءات، وعلوم الحديث، وعلوم الفقه، وعلم الفرائض، وعلم أصول الفقه ومذاهبه، وعلم الكلام الذي يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد. ثم علم التصوف وعلم تعبير الرؤيا، والعلوم الشرعية تعد علومًا تختلف من ملة إلى أخرى.
* العلوم العقلية: التي هي طبيعية للإنسان من حيث هو كائن عاقل مفكر، فهي علوم لجميع أفراد النوع الإنساني، ومنها علم المنطق، وعلم الهندسة، وعلم الهيئة، والفلك، وعلم العدد، وعلم الموسيقى، والطبيعيات، وعلم الطب، وعلم الفلاحة، وعلم الإلهيات، وعلوم السحر والطلسمات، وعلم أسرار الحروف.
أما الفلسفة فتكمن أهميتها في ثمرة واحدة، وهي شحذ الذهن في ترتيب الأدلة والحجاج لتحصيل ملكة الجودة والصواب في البراهين، فهي أصح ما علمناه من قوانين الأنظار.
ويرى توبي أ. هف في كتابه «فجر العلم الحديث» أن بنية الفكر والعواطف في الإسلام في القرون الوسطى، بشكل عام، كانت ذات طبيعة جعلت طلب العلوم العقلية وعلوم الأولين أمرًا يثير الشكوك.
إشكالية البحث في المنهج الخلدوني:
للمنهج الخلدوني طبيعته المزدوجة شكلًا ومضمونًا ووظيفة، إذ إنه منهج ينطوي على لحظتين أو بعدين: البعد النقدي والبعد البنائي؛ الأول سلبي والثاني إيجابي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى نلاحظ أن الطبيعة التركيبية للمنهج الخلدوني، التي جعلت منه بنية مغلقة شديدة التعقيد، ومن ثم عسير الفهم والتنميط، تكمن في كون ابن خلدون قد جمع بين ميادين تاريخية واجتماعية وأنساق معرفية متنوعة وموضوعات مختلفة كالتاريخ والفلسفة والعلم والدين، والاجتماع والأنثروبولوجيا والسياسة، وعلم النفس والفراسة والأدب والجغرافيا والأخلاق والمنطق، والتصوف وتفسير الأحلام والاقتصاد والفلك… إلخ.
إن هذه الصفة الموسوعية للمقدمة، من حيث تنوع الموضوعات المدروسة، ومن ثم تنوع النظريات التي تفسرها، لا ريب أنها تطلبت عدة طرائق منهجية مختلفة، كالمنهج التجريبي الاستقرائي، والمنهج الاستنباطي، والمنهج الجدلي التاريخي، والمنهج الوصفي، والمنهج المقارن، والمنهج التقليدي في «الجرح والتعديل» والقياس، والمنهج الحدسي التصوري، والمنهج الأنثروبولوجي، والتحليل والتركيب.
غير أن هذا التنوع النظري والمنهجي البادي في المقدمة ينبغي ألا يحول دون قدرتنا على التمييز الدقيق بين الطرائق والأدوات المنهجية التي استخدمها ابن خلدون في دراسة موضوعاته المتنوعة المتباينة وتفسيرها، وبين المنهج النقدي التاريخي الذي تسمح بنيته العقلية المفتوحة باستيعاب عدد من الطرائق المنهجية المختلفة، فهذا المنهج هو الإطار المنهجي العام والشامل الذي اعتمده ابن خلدون في فلسفته التاريخية الاجتماعية.
وقد اختلف الدارسون والنقاد بشأن منهجه كما اختلفوا في شأن نظريته وسلوكه. فمع ابن خلدون نجد أنفسنا إزاء شخصية نأت بنفسها عن كل تصنيف أو تنميط مدرسي تقليدي بقالب ضمن مذهب أو تيار أو اتجاه أو مدرسة فكرية. إذ لا يمكن حتى تحديد تخصصه الدقيق، إنه مفكر ناشز متمرد على أنماط القولبة والتأطير في أي من القوالب والأطر الجاهزة أو الأنماط المألوفة. فهو مؤرخ، وعالم اجتماع، وفيلسوف في التاريخ، وعالم بالأنثروبولوجيا، ومفكر سياسي، وعالم نفس، وفيلسوف في التربية والتعليم، وجغرافي، وعالم في الاقتصاد السياسي. فضلًا عن ذلك هو فقيه وقاضٍ ومربٍ وعالم في اللاهوت والتصوف، وهو الأشعري-المعتزلي-السني ذو الميول الشيعية، وهو الأديب الشاعر والمستشار والدبلوماسي، وهو المثقف السياسي، حامل القلم والسيف، الجبان الشجاع، وهو كذلك محب المنصب والجاه من ناحية، ومحب الدرس والعلم من الناحية الأخرى. وهو كذلك المخلص الخائن، والعصامي الوصولي، والنزيه الانتهازي، والحصيف المتهور، والمتواضع المتكبر، والجاد المتهتك، والعنيف المسالم، والحازم اللين، والقاسي المرن، والسهل الممتنع، والمتشائم المتفائل، والرحالة المستقر، والعربي الأصل البربري الثقافة، والمغربي التكوين المشرقي الهوى، والتونسي المولد القاهري الوفاة، وغير ذلك من المواقف والمواقع والمتناقضات التي سارت عليها حياة ابن خلدون الخاصة والعامة، الفكرية والعاطفية، والثقافية والسياسية، والنظرية والمنهجية، وربما كان ذلك هو سر العبقرية، كما ألمح إلى ذلك المستشرق الفرنسي أم سيرية بقوله: «إن مؤلف الكتاب المعروف بالمقدمة لا يزال شبه لغز من ألغاز علم النفس، فطبيعته المزدوجة، والبون الشاسع بين عقائده وتصرفاته، والتباين بين محاولاته في الإصلاحات الاجتماعية ومخالفته للنظم الاجتماعية، وبين نظرته للمصلحة العامة وأنانيته الظاهرة، وبين عدم تحيزه في البحث العلمي وتفضيل نفسه على الآخرين تفضيلًا صارخًا، وبين أفقه الواسع الرحب وكونه مزهوًا بنفسه، كل هذه المتناقضات في رجل هو في ذات الوقت عالم وقور وأديب طموح، إذ ترك لكتاب سيرته الشخصية مهمة صعبة شاقة، وأغلب هذه المتناقضات، مع هذا، يمكن عزوها إلى طبيعة العباقرة المزدوجة».
من هنا تكمن إشكالية دراسة ابن خلدون، فهو في سلوكه ومنهجه وفلسفته وعلمه نسيج كامل من المتناقضات يجعلنا بإزاء فكر شديد الوعورة، وفلسفة شديدة التعقيد، ومنهج محفوف بالمزالق. وقد وجدناه، بعد تمحيص وتقصٍّ لتاريخه، عصيًا على التعريف والضبط؛ فلا هو مؤرخ محترف، ولا فيلسوف متسق، ولا عالم اجتماع متخصص، ولا عالم اقتصاد، ولا مفكر سياسي، ولا مروج أساطير، ولا تأملي ولا مادي. كما أن منهجه أيضًا ليس بمنهج علمي تجريبي، أو منهج تأملي استدلالي، أو حدسي عرفاني، أو عقلي برهاني، بل هو منهج يعيش على تخوم كل هذه المناهج المعرفية المتنوعة المتباينة، ويلامس شواطئها من غير أن يغوص أو يغرق في قاع أي منها.
لقد بدا فيلسوف القرن الرابع عشر على هذا النحو نسرًا يحلق بعيدًا عن السرب، فهو نسيج وحده، متفرد اللحن والنغم، وهذا هو ما جعله مثار اهتمام شرائح واسعة من الدارسين والمهتمين من مختلف التخصصات والأنساق المعرفية المتعددة. فكل وجد فيه التخصص الذي يعنيه، وكل راح يؤوله بما يؤوله تخصصه الضيق؛ فهو عند الفلاسفة مبدع فلسفة التاريخ، وعند علماء الاجتماع مؤسس علم الاجتماع، وعند المؤرخين مؤرخ بارع، وعند السياسيين مفكر سياسي راسخ، وعند التربويين عالم من علماء التربية الكبار… إلخ.
وهنا نجد تفسيرًا لذلك السيل المتدفق من الكتابات والدراسات والآراء والأفكار التي كتبت على مدى القرنين الماضيين في الغرب والشرق عن ابن خلدون وفكره ومنهجه.
ومع كثرة ما كتب عنه، فقد كان لافتًا لنظرنا شح الدراسات النقدية التي تناولت منهجه بالدرس والتحليل، ولعل هذا هو ما حفزنا للبحث في المنهج النقدي العقلاني عند ابن خلدون.
***
ا. د. قاسم المحبشي







