عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مصطفى غلمان: من مراكش إلى ستوكهولم.. جسور خفية بين ثقافتين

ثمة لقاءات عابرة في الزمن، لكنها تظل مقيمة في الذاكرة كأنها حدثت بالأمس. في نهاية تسعينيات القرن الماضي، اقترح مثقف عراقي مقيم في السويد زيارة مدينة مراكش ولقاء مثقفيها وشعرائها في جلسة مفتوحة للحوار والقراءة والتعارف. لم يكن الأمر يومها مجرد نشاط ثقافي عابر، بل بدا أشبه بامتحان رمزي لإمكانية اللقاء بين عوالم مختلفة، تتقاطع فيها الجغرافيا بالخيال، والمنفى بالهوية، واللغة بالإنسان.

في فضاء دار الباشا الكلاوي بالمدينة العتيقة، اجتمعنا حول الشعر والنثر والكلمة الحرة. كانت الأمسية، في جوهرها، احتفاءً بما يسميه الفيلسوف الألماني هانس جورج غادامير "اندماج الآفاق"، حيث لا يذوب أحد في الآخر، ولا ينتصر أفق على أفق، بل تتسع مساحة الفهم المشترك. يومها لفت انتباهي أن أغلب الضيوف القادمين من الشمال الأوروبي كانوا يحملون ثقافة إنسانية واسعة وانفتاحًا نادرا على الاختلاف، لا بوصفه موضوعا للتسامح فحسب، بل باعتباره شرطا من شروط المعرفة ذاتها.

ولعل هذا ما جعلني أعيد النظر في كثير من الصور النمطية التي رسختها الأدبيات الكلاسيكية حول العلاقة بين الشرق والغرب. فقد سبق أن التقيت شعراء ومثقفين من بلدان أوروبية مختلفة، ولم ألمس لديهم ذلك القدر من الحماس الإنساني الذي وجدته لدى مثقفين اسكندنافيين. بدا الأمر كما لو أن المسافة الجغرافية لا تعني بالضرورة مسافة وجدانية، وأن القرب الحقيقي، كما كان يرى مارتن بوبر، لا يتحقق إلا عندما يتحول الآخر من "هو" إلى "أنت"، ومن موضوع للمعرفة إلى شريك في الوجود.

لهذا كان صدور كتاب "الاستشراق السويدي" للكاتب والمترجم العراقي سعيد الجعفر حدثا فكريا استوقفني على أكثر من مستوى. فمن جهة أولى، يعيد الكتاب مساءلة مفهوم الاستشراق خارج المركزيات التقليدية التي احتكرت هذا الحقل لعقود طويلة، خصوصا في فرنسا وبريطانيا وألمانيا. ومن جهة ثانية، يفتح نافذة على تجربة معرفية مختلفة، أقل ارتباطا بالمشروع الإمبراطوري وأكثر اتصالا بالفضول العلمي والإنساني.

يصعب الحديث عن الاستشراق دون المرور عبر المنعطف الذي أحدثه إدوارد سعيد في كتابه الشهير ّالاستشراق". فقد كشف سعيد أن الاستشراق لم يكن مجرد معرفة بريئة بالشرق، بل نظاما من التمثلات أنتجته علاقات القوة، وحوّل الشرق إلى موضوع للهيمنة والضبط والتصنيف. لقد بيّن أن المعرفة ليست دائما منفصلة عن السلطة، وهو ما سيتوسع فيه لاحقا ميشيل فوكو حين اعتبر أن كل خطاب معرفي يحمل في داخله شبكة من علاقات القوة التي تحدد ما يمكن قوله وما يجب إقصاؤه.

غير أن القراءة المتأنية لتجارب الاستشراق الاسكندنافي، وخاصة السويدي، تضعنا أمام سؤال أكثر تركيبًا: هل كل معرفة بالآخر هي بالضرورة شكل من أشكال الهيمنة؟ أم أن ثمة إمكانا آخر للمعرفة يقوم على الحوار والإنصات والاعتراف المتبادل؟

يبدو أن الكتاب الذي يقدمه سعيد الجعفر يراهن على هذا الاحتمال الثاني. فهو لا يكتفي بتوثيق أسماء ومستشرقين ورحالة، بل يعيد بناء شبكة من العلاقات الثقافية التي نسجتها الرحلة والترجمة والبحث اللغوي، حيث يتحول الرحالة من مراقب خارجي إلى وسيط حضاري، وتتحول الرحلة من أداة استكشاف إلى أداة فهم.

ولعل المقارنة التي يقيمها الكتاب بين ابن بطوطة وسفين هدين تحمل دلالة عميقة. فكل منهما كان يبحث عن العالم، لكن العالم الذي عثر عليه لم يكن مجرد أمكنة ومدن وشعوب، بل كان في جوهره بحثا عن الذات من خلال الآخر. أستحضر هنا ما كتبه بول ريكور حين أكد أن فهم الذات لا يتم إلا عبر المرور بالغير، وأن الهوية ليست معطى ثابتا بل سردية تتشكل باستمرار من خلال اللقاءات والتجارب والتبادلات.

إن قيمة هذا العمل (أعكف على قراءته حاليا)، لا تكمن فقط في إعادة اكتشاف صفحة شبه منسية من تاريخ الاستشراق، بل في دعوته الضمنية إلى تجاوز الثنائيات الموروثة بين شرق وغرب، مركز وهامش، ذات وآخر. فالعالم المعاصر، كما يذكرنا زيغمونت باومان، لم يعد يحتمل الهويات المغلقة ولا الجدران الثقافية الصلبة، بل يتجه نحو فضاءات أكثر سيولة وتعقيدًا وتداخلاً.

وأعتقد أن الاستشراق السويدي لا يمكنه قراءته كموضوع أكاديمي أو أرشيف تاريخي، بل بإعادة التفكير في معنى المعرفة نفسها. معرفة لا تقوم على امتلاك الآخر أو اختزاله، وإنما على الإصغاء إليه. معرفة تجعل من الرحلة فعلا أخلاقيا بقدر ما هي فعل معرفي، ومن الاختلاف فرصة للفهم لا ذريعة للإقصاء.

مؤكد أن الكتاب سيتيح لي أن أقرأ جزءًا من تاريخنا بعين أخرى، وأن أرى نفسي في مرآة مختلفة. فربما لا تكون الحضارات، في نهاية المطاف، سوى حوار طويل بين ذواكر متعددة، تبحث جميعها عن شيء واحد: أن تفهم العالم دون أن تدّعي امتلاكه.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

في المثقف اليوم