تزايدت في السنوات الأخيرة حالات الخلافات الزوجية والطلاق بين الشباب بصورة تثير القلق وتدعو إلى البحث في أسباب ذلك. ومن المؤسف أن هذه الظاهرة أصبحت واقعاً يلمسه كثير من الناس في محيطهم العائلي والمجتمعي. وهذا يدفعنا إلى طرح سؤال مشروع: هل تراجع الشعور بالمسؤولية إلى الحد الذي جعل بعض الناس يتعاملون مع الزواج وكأنه رحلة سياحية مؤقتة يمكن إنهاؤها عند أول خلاف أو عقبة؟
ومع ذلك، فإن الحديث عن هذه الظاهرة لا يعني التعميم على جميع الزيجات أو التقليل من شأن النماذج الأسرية الناجحة التي ما زالت تمثل الأغلبية في مجتمعنا، وإنما يهدف إلى التوقف عند ظاهرة تستحق التأمل والبحث عن أسبابها وسبل معالجتها.
لم يعد الزواج، في ظل المرحلة الانتقالية المتسارعة التي نعيشها اليوم، يحظى بالمكانة ذاتها التي كان يتمتع بها في السابق. فقد أفرزت التحولات الاجتماعية والثقافية المتلاحقة تغيرات عميقة في منظومة القيم والنظرة إلى العلاقات الأسرية. وكان الزواج في نظر الأجيال السابقة مشروع حياة يقوم على الشراكة والصبر وتحمل المسؤولية، وكان الزوجان يدركان تماماً أن الحياة المشتركة لا تخلو من التحديات والخلافات، وأن استقرار الأسرة ونجاحها يتطلبان قدراً من التنازل والتسامح والحوار. أما اليوم، فيبدو أن ثقافة الاستهلاك والسرعة قد امتدت إلى العلاقات الإنسانية أيضاً، فأصبح بعض الأزواج يتطلعون إلى حياة مثالية خالية من المنغصات، فإذا ما ظهرت خلافات أو صعوبات، ولو كانت طبيعية وعابرة، سارعوا إلى التفكير في الانفصال بدلاً من البحث عن سبل التفاهم والمعالجة. إن وزر الطلاق مشترك يتحمله الطرفان، وهو ناتج عن أخطاء أو تقصير متبادل، وإن كان كل طرف يميل إلى تبرئة نفسه وإلقاء اللوم كاملاً على الطرف الآخر، فيظهر نفسه في صورة الملاك ويصوّر شريكه في صورة الشيطان.
ومن المؤسف أن مظاهر عدم الاكتراث ببيت الزوجية قد أصبحت أكثر وضوحاً في بعض الأوساط الأسرية، حيث تراجع الاهتمام الذي كان يُبذل لبناء بيت مستقر ودافئ أمام أنماط حياة جديدة فرضتها التحولات الاجتماعية والثقافية على مجتمعاتنا. فنجد اليوم بعض الأزواج يقضون أوقاتاً أطول خارج المنزل، في المقاهي وأماكن الترفيه أو في أنشطة اجتماعية مختلفة، تمتد أحياناً إلى ساعات متأخرة من الليل. كما يشهد المجتمع خلال السنوات الأخيرة تغيرات ملحوظة في بعض العادات الاجتماعية، فبعض الممارسات التي كانت في السابق أقل شيوعاً بين النساء أصبحت اليوم أكثر انتشاراً، ومن ذلك قضاء أوقات طويلة في المقاهي أو المنتديات والتجمعات الاجتماعية، يتسامرن خلالها ويدخنّ “الشيشة”. وقد تثير هذه المتغيرات خلافات بين الزوجين عندما تختلف توقعاتهما بشأن طبيعة الحياة الزوجية والأدوار والمسؤوليات المشتركة؛ إذ يختار الشباب اليوم تفاصيل حياتهم وهم يحملون تصورات مسبقة تشكلت في بيئاتهم الأولى، وعندما يصطدمون بواقع مختلف تنشأ الخلافات. وقد يحاول أحد الطرفين تغيير سلوكيات الطرف الآخر بما يتوافق مع قناعاته وتوقعاته، في حين يتمسك الطرف الآخر بما يراه حقاً شخصياً أو جزءاً من حريته في اختيار نمط حياته، متناسياً أنه أصبح جزءاً من منظومة أسرية اختارها بنفسه وبإرادته، ولم يعد فرداً مستقلاً في قراراته كما كان قبل الزواج، الأمر الذي قد يؤدي إلى اتساع فجوة التفاهم إذا غاب الحوار والتفاهم المتبادل بينهما.
وفي سياق متصل، هيمنت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي على جزء كبير من وقت أفراد الأسرة واهتماماتهم، لدرجة أن التواصل الافتراضي بات يحل محل الحوار المباشر داخل المحيط الأسري. وبذلك تفاقمت شكاوى الأزواج من الإهمال المتبادل والانشغال الرقمي، الأمر الذي يؤدي إلى تراكم المشكلات الصغيرة وتعاظمها لتهدد في نهاية المطاف استقرار الكيان الأسري.
ومن المظاهر التي تستحق التوقف عندها، أن الأوقات التي كانت تقضيها الأسر خارج المنزل بشكل عائلي يضم جميع أفراد الأسرة مجتمعين، كزيارة الأقارب والأصدقاء أو الخروج في نزهات مشتركة، لم تعد شائعة كما كانت في السابق. فأصبح أفراد الأسرة يمارسون أنشطتهم بصورة فردية مع أصدقائهم وأقرانهم، وتغيّرت تبعاً لذلك أوقات عودتهم إلى المنزل. ففي الماضي كانت هناك حدود زمنية متعارف عليها داخل معظم العائلات، حيث يحرص الآباء والأمهات والأبناء على العودة إلى منازلهم في ساعات معقولة من المساء في الأيام الاعتيادية، مما يتيح فرصة للقاء العائلي وتبادل الحديث والاطمئنان على أحوال بعضهم بعضاً. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف في بعض الأسر أن يتأخر بعض الأزواج أو الأبناء في العودة إلى المنزل، كلٌّ على حدة، حتى ساعات الفجر الأولى، من دون وجود ضرورة حقيقية تستدعي ذلك. وبذلك تتغير ساعاتهم بحيث يصبح الليل للسهر والنهار للنوم، ويعكس هذا الواقع تراجع الالتزام بالنظام الأسري وضعف التواصل بين أفراد العائلة، الأمر الذي قد يؤدي تدريجياً إلى اتساع الفجوة بينهم وتلاشي جزء كبير من اللقاءات اليومية التي كانت تعزز الترابط الأسري.
ومن العادات الأسرية الجميلة التي تغيّرت كثيراً، والتي كانت تعزز الترابط بين أفراد العائلة، اجتماع أفراد الأسرة، ولو مرة واحدة يومياً، لتناول وجبة الطعام. ففي هذه المناسبة يلتقي أفراد الأسرة حول مائدة واحدة، يتبادلون الحديث، ويتفقد بعضهم أحوال بعض. وكانت أوقات الوجبات محددة، وكان أفراد الأسرة ينتظرون عودة الأب من عمله ليجتمعوا جميعاً إلى المائدة التي كان يتصدرها بوصفه رب الأسرة.
أما اليوم، فإذا وُجدت وجبة طعام داخل المنزل أصلاً، فقد أصبح كل فرد يعيش في عالمه الخاص؛ يأكل متى يشاء، ويتناول ما يطلبه من المطاعم، وغالباً ما يكون منشغلاً بهاتفه أو شاشته الخاصة أثناء الطعام. وهكذا تضاءلت فرص الحوار والتواصل العائلي، وفقدت مائدة الطعام دورها التقليدي بوصفها مساحة يومية للقاء والتقارب بين أفراد الأسرة.
ومن أكثر المظاهر إيلاماً فقدان الاحترام المتبادل بين بعض الأزواج. فالكلمة الجارحة التي كانت تُعد تجاوزاً غير مقبول أصبحت تُقال بسهولة، وأصبح استخدام الألفاظ البذيئة أو الإهانة، التي قد تمتد أحياناً إلى عائلاتهم، حاضراً في بعض البيوت. وهنا يجب التأكيد على أن العنف الجسدي، بأي شكل كان، هو سلوك مستهجن وغير أخلاقي وغير قانوني، ولا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال. والحقيقة أن أي علاقة زوجية سليمة لا يمكن أن تستمر في ظل غياب الاحترام؛ لأن الاحترام هو الأساس الذي تقوم عليه المودة والرحمة اللتان وصفهما القرآن الكريم بأنهما جوهر العلاقة الزوجية.
ومن الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة: لماذا لم يعد الأبناء، وبخاصة الأطفال، يشكلون عاملاً رادعاً للأزواج الراغبين في الطلاق؟ فالأطفال هم أكثر المتضررين من النزاعات الزوجية، إذ تترك هذه الخلافات آثاراً نفسية واجتماعية ترافقهم طوال سنوات حياتهم. ولذلك ينبغي أن تراعى مصلحة الأبناء وأن تكون مصلحتهم حاضرة في كل محاولة للإصلاح قبل الوصول إلى قرار الانفصال. فالأطفال الذين ينشؤون في أسرة مفككة يحملون آثار تلك التجربة معهم إلى مراحل لاحقة من حياتهم، وقد تنعكس على شعورهم بالأمان والاستقرار وعلى نظرتهم إلى الزواج والحياة الأسرية. كما قد يصبح بناء أسرة متماسكة في المستقبل أكثر صعوبة بالنسبة لبعضهم بسبب ما عايشوه من خلافات واضطرابات خلال سنوات الطفولة.
ومما يثير الدهشة والاستغراب أن النساء اليوم أصبحن أكثر مبادرة إلى طلب الطلاق مقارنة بالماضي، بعد أن كانت كلمة «الطلاق» تمثل كابوساً يرهب كثيراً منهن. ولهذه الظاهرة أسباب متعددة؛ ففي الماضي كانت المرأة، خوفاً من نظرة المجتمع السلبية إلى المطلقة، أو بسبب اعتمادها الاقتصادي الكامل على الزوج تتحمل أقسى الظروف لتجنب الطلاق. أما اليوم فقد أصبحت المرأة أكثر تعليماً واستقلالاً وقدرة على اتخاذ القرار، وهو تطور إيجابي من حيث المبدأ ويعكس تقدماً في مكانة المرأة ودورها في المجتمع. غير أن هذا التطور، على اهميته وإيجابياته، يستدعي إعادة التأكيد على المسؤولية المشتركة، بحيث لا يصبح الطلاق الخيار الأول أو الحل الأسهل عند كل خلاف. فاستقلال المرأة، كما هي سلطة الرجل، يجب أن يقترن بالحكمة والشعور بالمسؤولية والحرص على استنفاد فرص الحوار والتفاهم والإصلاح قبل الوصول إلى قرار الانفصال، حفاظاً على تماسك الأسرة واستقرارها كلما كان ذلك ممكناً.
ومن الطبيعي ألا نغفل سبباً آخر يتمثل في الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي تواجهها كثير من الأسر في الوقت الحاضر؛ فارتفاع تكاليف المعيشة، وتحديات العمل، والقلق بشأن المستقبل، كلها عوامل تشكل ضغوطا نفسية على العائلة وتدفع الكثيرين إلى البحث عن فرص عمل بعيداً عن أماكن سكنهم، مما يؤدي إلى غياب بعض الأزواج لفترات ليست بالقصيرة، وقد ينعكس ذلك سلبا على العلاقة الزوجية والتواصل والحميمية الأسرية. وتسهم هذه العوامل في زيادة التوتر داخل الأسرة وتفاقم الخلافات الزوجية. غير أن هذه التحديات، على صعوبتها، لا ينبغي أن تلغي أهمية الحوار والتفاهم والتعاون بين الزوجين في مواجهتها.
إن تدني المستوى الثقافي لبعض الشباب، وتراجع ثقافة الحوار والصبر والإصلاح، وضعف الاستعداد لتحمل المسؤولية الأسرية ومواجهة مصاعب الحياة وتحدياتها، أصبحت من أبرز المشكلات التي تواجه الحياة المشتركة. ولعل الحاجة اليوم باتت أكبر من أي وقت مضى إلى تعزيز ثقافة الأسرة، وإعداد الشباب والفتيات للحياة الزوجية قبل الزواج، وتدريبهم على مهارات الحوار وإدارة الخلافات وتحمل المسؤولية، كما تبرز الحاجة الى توفير جهات استشارية نفسية وأسرية ودينية يمكن للزوجين اللجوء إليها عند وقوع المشكلات، بدلاً من اللجوء إلى الدجالين والمشعوذين ومدّعي قراءة الطالع والسحرة الذين يؤججون الخلافات ويعجلون بالانفصال. فاستقرار الأسرة هو أساس استقرار المجتمع كله، وإذا ضعفت الأسرة ضعفت معها منظومة القيم والعلاقات التي يقوم عليها المجتمع، فالزواج ميثاق يقوم على المشاركة في السراء والضراء، وعلى بناء أسرة مستقرة تمنح أبناءها الأمان والتوازن.
وفي الختام، يبقى السؤال مفتوحاً أمام الجميع: كيف نحافظ على مؤسسة الزواج بوصفها الركيزة الأساسية لبناء الإنسان والأسرة والمجتمع، ونحميها من أن تتحول إلى علاقة عابرة تنتهي عند أول اختبار أو خلاف؟
نسأل الله تعالى أن يحفظ شبابنا وأسرنا من كل سوء، وأن يديم على بيوتنا المودة والرحمة والتفاهم، فبصلاح الأسرة يصلح المجتمع، وباستقرارها يستقر المستقبل.
والله ولي التوفيق
***
سعد عبد المجيد ابراهيم







