من الغريب ان يتصور البعض حاليا ان الفلسفة والعلم بعيدان عن بعضهما. ذلك يعود جزئيا لنظام التعليم المرتكز على التخصص وربما عوامل اجتماعية اخرى. لكن ذلك بالضرورة لا يعكس الحقيقة. عندما نعود وننظر الى الخلف الى أصول الفلسفة اليونانية، سنرى ان هذا التمييز لم يكن موجودا. بالنسبة لفلاسفة ما قبل سقراط (او كما نحب نسميهم الفلاسفة الأوائل)، كانت الفلسفة علما. وسواء كانت مهمة الفيلسوف فهم لغز وعظمة الكون، او كيف يعمل ذهن الانسان وجسده، فهي لم تكن تختلف عن مهمة العالِم. نحن مدينون كثيرا للفلاسفة الأوائل، حيث ان العديد من الاختراقات الفكرية الهامة انطلقت منهم. لذا سننظر الان في بعض هؤلاء المفكرين الأوائل، كيف فهموا طبيعة العالم الذي حولهم، وكيف تشابك تاريخ العلم والفلسفة مع بعضهما لوقت طويل. هذا يثبت لنا ان التصور السائد حاليا لا يعكس دائما الحقيقة.
الانفجار العظيم في الفلسفة Big Bang
بعد قراءتنا المتكررة للفلاسفة والتراجيديين والشعراء ومعلقين آخرين في العالم القديم، سنُصاب بالدهشة. حيث في كثير من الأحيان كانت الرؤى التي جاؤوا بها بشأن الفلسفة الطبيعية والتأملية، الطبيعة (وطبيعة الانسان)، مثارا للدهشة. ومن المذهل كم كانوا قريبين جدا من فهمنا الحديث للفيزياء والكون والكثير من المعرفة التي سلّمنا بها كبديهية والتي استقرت كمعطيات علمية في عالمنا الحالي.
فلاسفة ما قبل سقراط (طاليس، اناكساغوراس، بارمنديس، فيثاغوراس، هيرقليطس، امبيدوكلس)، في الحقيقة مهدوا الطريق لكل الفلسفة العظيمة والنقدية التي أتت لاحقا. يمكننا ان نسميهم "الانفجار الكبير" للفلسفة الغربية. هم لم يحوزوا على جميع الأدوات العلمية المدهشة التي نمتلكها اليوم (المجهر الالكتروني، تليسكوب هابل الفضائي) لكي يفهموا الطبيعة والكون بشكل أفضل، لكنهم بمجرد التفكير والجرأة في الأسئلة النقدية توصلوا الى رؤى مدهشة. هنا سنعرض ثلاث رؤى مختصرة لثلاثة من فلاسفة ما قبل سقراط ربما لم نسمع بهم ابدا، لكنهم مع ذلك كشفوا لنا الكثير من الحقيقة.
هيرموتيمز الكلازوميني
كان هيرموتيمز Hermotimus (القرن السادس ق.م) عضوا في الاتحاد الأيوني (اتحاد كونفدرالي من 12 مدينة يونانية) وقد عاش في سميرنا (ازمير الحدية) في الساحل الوسط الغربي لما يسمى اليوم تركيا. لسوء الحظ، كما في العديد من فلاسفة ما قبل سقراط الأكثر غموضا، لا شيء وصل الينا من أعماله الاصلية، ولهذا نعتمد على إشارات الفلاسفة والكتّاب الاخرين مثل ارسطو، لينقلوا لنا معلومات حول تفكيره.
يعود لهيرمونتيمز الفضل في كونه اول فيلسوف افترض الفكرة المذهلة بان الذهن هو الأساس في سبب الأشياء. هو ذكر ان الوجودات المادية ثابتة بينما العقل هو الذي يسبب التغيير. هذا يبدو مشابه الى احد المبادئ الهامة لميكانيكا الكم الحالية: ان ذهن الانسان هو لاعب نشط في "خلق" الواقع الذي ندركه. فمثلا، مبدأ اللايقين لهيزنبيرغ يقول من المستحيل ان نعرف بالضبط وبشكل متزامن موقع الجسيم وزخمه. أي انه كلما عرفنا اكثر "الموقع" الذي يتقرر - من منظور الانسان - كلما كنا أقل معرفة بالزخم والعكس صحيح. في مستوى الكم، الطبيعة دائما في تدفق ولا يمكن التنبؤ بها، هي فوضوية بمعنى ما. نحن البشر ومن خلال الملاحظة والمشاركة، نفرض على الطبيعة إحساسنا بالنظام، وبالتالي يصبح كونا عشوائيا مع إضفاء شيء من المعنى.
مبدأ اللايقين
الفيلسوف والفيزيائي سيكستوس امبيريكوس في القرن الثاني الميلادي، يضع هيرموتيمز وهسيود وبارمنديس وامبيبوكلس باعتبارهم ينتمون الى صنف من الفلاسفة آمنوا بالنظرية الثنائية dualistic theory في ان الشيء المادي والمبدأ النشط "العقل" يشكلان مع بعضهما أصل العالم (المحرك الذي لا يتحرك لارسطو unmoved mover)(1). وبينما لم يمتلك هيرموتيمز أي شيء في ذهنه عن ميكانيكا الكم (هو توقّع المحرك غير المتحرك لارسطو في الكون - كخالق او السبب الأول في الخلق)، لكنه بالتأكيد اكتشف شيئا.
اخمين الكروتوني
كان اخمين Aicmeon الذي ولد عام 510 ق.م معاصرا لإيمبيدوكلس واناكساغوراس. ومع ان لا شيء متوفر من أعمالة ، لكن تتوفر لدينا تعليقات من ارسطو وثيوفارستس. اعتُبر اخمين فيزيائيا لامعا في زمانه وعاش اثناء فترة التحول في الطب اليوناني. وبينما كان الطب التقليدي خاضعا للفلسفة والدين، لكنه اتخذ منعطفا دراماتيكيا في القرن السادس قبل الميلاد. كان اخمين رائدا في الطريقة التجريبية الصارمة في التشخيص، مقابل النهج الأكثر عمومية لأسلافه الذين نسبوا الامراض او المشاكل الى مخالفة الله. بدلا من ذلك، نظر اخمين في الفرد وأراد حقائق محددة: كيف تعمل الحواس في هذه الحالة؟ ولماذا يبدو المريض على هذا النحو؟ ما هو حقا الشيء الذي تخبرنا عنه الأعراض؟ هو أدخل عقيدته في توازن البدن ليحدد ويوضح الحالة الصحية في المريض. قام اخمين بتحقيقات فسيلوجية مفصلة لمختلف الحواس لكي يستطلع الأسباب الحقيقية للأحاسيس والأعراض الظاهرة.
كذلك، هو اعتقد ان جسم الانسان السليم يجب ان يكون "في توازن". أربعة مظاهر او "قوى" للبارد، الحار، الرطب، الجاف يجب ان تكون في توازن طبيعي في جسم الانسان. عندما لا يعمل أي واحد منهم بشكل صحيح ستظهر مشكلة. وبينما هذه تبدو بدائية، لكن علم "الاخلاط الأربعة" هذا استمر في القرون الوسطى ونتذكر ان الأطباء كانوا حتى قبل قرنين يقومون بعمليات فصد الدم بشكل روتيني .
ان الشيء المهم هو ان اخمين مهّد الطريق لأطباء المستقبل مع التركيز على المعلومات الحسية للمريض. تركيزه كان حول ماذا تقول تلك الاعراض؟ جهوده في التركيز على البيانات التجريبية وإبقاء ذهن المريض في توازن، كان هاما في تقدم الطب في عصره.
ديوجين الابولوني
وُلد ديوجين الابولوني عام 460 قبل الميلاد، وعادة يُعتبر آخِر فلاسفة ما قبل سقراط ويبدو انه قام بمعظم أعماله الهامة في أثينا. هو تأثر باناكساغوراس في عقيدته بالذهن، وهو مدين للرؤية الذرية بان المجيء للوجود والخروج منه نتج عن مزج او فصل عناصر من نفس النوع. متبعاً اناكسامينس، هو افترض النظرية المادية بان كل الأشياء في العالم هي تحويرات لنفس المادة الأساسية: الهواء.
ادّعاء ديوجين بان كل شيء في الكون هو تعديل لمادة أساسية واحدة تم بناءً على اعتبارين مترابطين: 1- التفاعل المادي سيكون مستحيلا اذا كان كل شيء انفرادي مختلف راديكاليا عن كل شيء آخر، و 2- التناغم غير المنظم للطبيعة سيكون لغزا اذا كان الذكاء السائد في كل مكان لا يتحكم في او يرشد أي شيء. انكار هذه الاعتبارات سيكون مساويا طبقا لديوجين لتجاهل الطريقة التي تمتزج بها الأشياء او تساعد او تؤذي بعضها، بالإضافة الى الطريقة التي تعتمد بها الأشياء على كل منها (كما في الماء للنبات او أي كائن حي يتنفس هواء). سيكون معادلا لتجاهل التوازن والقياس والبناء المفهوم الذي يصف كل مظهر للطبيعة.
ديوجين أعلن ان الهواء هو المادة الكونية الأساسية طالما انه مبدأ الحياة والذكاء لكل العالم الحي. في اعتقاده، ان الهواء هو المصدر والقوة المرشدة لكل تغيير مادي. انه المادة الأكثر تنوعا وتكيفا. قدرته على تجسيد ذاته في نطاق واسع من الاشكال المتغيرة، وتحت أي ظرف قابل للتصور – حار، بارد، رطب، بخار وجاف - هو دليل على عقلانيته وإلوهيته. بالمقدار الذي يكون فيه هواء في كل شيء حي، معناه جزء من الله هو في كل مخلوق حي.
عالِم الفيزياء الفلكية كارل ساجان أعجب كثيرا بالمفكرين اليونانيين القدماء. هو تأمل انه لو سُمح لهم في الاستمرار في التقدم، لأصبحنا نحن البشر حضارة فضائية قبل قرون من العصر الحديث. يمكن الإشارة الى ان فلاسفة ما قبل سقراط تشكلت على أيديهم الأسس التي بُنيت عليها الأفكار والتاملات العلمية والفسفية.
***
حاتم حميد محسن
......................
June 05, 2026, classical wisdom
الهوامش
(1) في الفلسفة والثيولوجيا، يشير (المحرك الذي لا يتحرك) لأرسطو الى سبب أساسي وأبدي لكل الحركة والتغيير في الكون. هو السبب الأول كونه يزيل الحاجة الى تراجع لا متناهي للأسباب. اذا كانت كل حركة نتجت عن حركة سابقة فيجب ان تكون هناك نقطة بدء. ولأنه يستحيل منطقيا ان توجد سلسلة لامتناهية من الأشياء المتحركة ، جادل ارسطو يجب ان يكون هناك كائن متعالي تام ولا يتغير، يبدأ كل حركة بدون ان يتحرك هو ذاته.
الخصائص الأساسية للمحرك الذي لا يتحرك:
1- لا يتحرك ولا يتغير: انه غير مادي وأبدي، ليس له حجم ويوجد دائما ولا يملك أي إمكانية للتغيير.
2- الجذب وليس الدفع: انه يحرك الكون ليس عن طريق دفع او سحب الأشياء ماديا وانما هو يحرك الأشياء بشكل غير مباشر عبر التصرف كهدف او رغبة او فكرة او حب – جاذبا كل الأشياء في الكون نحو كماله، وهي تتحرك استجابة له.
3- فكر محض: كامل وجوده هو الفعل النهائي للتأمل، فكما وصفه ارسطو، انه "فكر يفكر في ذاته" او (nous) فهم كوني.
4 - غير شخصي: على عكس إله الأديان السماوية، محرك ارسطو هو ذاتي كليا، غير واع بوجود الانسان ولا يهتم في الشؤون الحياتية.
ارسطو اشتق المفهوم في الأصل عند استطلاعه السببية والطبيعة في كتابه فيزياء ارسطو، بينما توما الاكويني عدّل المفهوم الى (الطريقة الأولى) من بين خمس طرق لإثبات وجود الله. نظرية السبب الأول أشعلت نقاشا مستمرا حول ما اذا كان الواقع النهائي يتطلب نقطة توقف سببية ام ان الكون يعمل بشكل مختلف على أساس الفيزياء الحديثة.







