عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد محفوظ: الواقع ورهانات المعنى

تراكمت عبر العصور مظاهر التخلف وقائع وممارسات، أدت في المحصلة الأخیرة إلى تغییب النزعة الأنسیة العمیقة التي یحتضنها الدین الاسلامي في كل قیمه ومبادئه وشخصیاته المحوریة.

فالجهل أدى إلى عدم اكتشاف هذا المخزون الانساني الهائل التي تحتویه قیم الاسلام الفردیة والاجتماعیة، مما أدى الى التعایش البغیض بین مرجعیة فكریة تعلي من شأن الانسان وحقوقه، وبین واقع سیئ یتجه إلى المزید من تغییب البعد الانساني للحیاة.

والانحرافات الفكریة والسیاسیة، التي سادت في حقب تاریخیة متفاوتة، حالت دون ابراز المضمون الانساني للاسلام والمسلمین.

وعلى كل حال نستطیع القول: أن هناك عوامل تاریخیة ومجتمعیة عدیدة، ساهمت دون ابراز النزعة الانسیة في التجربة الاسلامیة على المستویین النظري والسلوكي.. مما أدى إلى تراجع تلك الجهود العلمیة والبحثیة والنظریة، التي تعتني بشكل موضوعي إلى ابراز هذه النزعة الأصیلة في حیاة الاسلام.

وأمام التحدیات الكبرى التي تواجه عالم الاسلام الیوم، نحن بحاجة ماسة إلى العمل الجاد لابراز النزعة الأصیلة في واقعنا وحیاتنا، بحیث تكون كل شؤون حیاتنا، منسجمة في یومیاتها بمقتضیات هذه النزعة.. وذلك لأن التقدم الحقیقي لا یقاس بمستوى توفر الأشیاء المادیة والظاهریة، وإنما بمدى التزامنا افرادا وجماعات بكرامة الانسان وحقوقه الأساسیة.

لذلك نجد أن بدایة التقدم في التجارب الانسانیة هي حینما تمكنت هذه المجتمعات، من إحداث قطیعة حقیقیة مع كل قیم وأشكال وامتهان الانسان، وسعیها الحثیث نحو ارساء معالم نزعة وثقافة جدیدة، محورها الأساسي هو الانسان، فلا تنمیة حقیقیة بدون تنمیة الانسان في أبعاده المختلفة، كما انه لا استقرار مجتمعیا بدون سیادة ثقافة تحول دون التعدي على حقوق الانسان الأساسیة.

فالأدیان القدیمة الوثنیة دمرت شخصیة الانسان، وجعلت منه مجرد قربان للآلهة، أو كائن عاجز أمام قدرة الهیة مطلقة، لذلك لم تبرز في تلك التجارب البشریة النزعة الانسانیة.. ولقد عانى الأوروبیون قبل عصر النهضة من هذه الرؤیة، حیث كانت السلطة الكهنوتیة تلغي في الانسان ذاته وإرادته وحریته لتجعل منه مجرد مخلوق علیه أن یدفع ضریبة الخطیئة الأولى استعبادا وتدمیرا وتجهیلا.. وبدأت النزعة الانسانیة في التجربة الأوروبیة كرد فعل على هذا الواقع الكنسي المریر. وتمكنت هذه التجربة بعد صراعات عمیقة وطویلة من إزاحة الجبریة اللاهوتیة التي كرستها مسیحیة القرون الوسطى في أوروبا.

أما على المستوى الاسلامي، فإن الاسلام ینظر إلى اﷲ استخلف الانسان في الأرض، وانه یمتلك القدرة على الاختیار اذ قال تعالى {إنا هدیناه السبیل إما شاكراً وإما كفوراً} وهذا المعنى یتضمن أصالة الكرامة الانسانیة، وذلك لأن الحریة من خصائص الانسان وحده، وتوفر الاستعدادات والقابلیات البشریة، وغیاب العوائق والأغلال، وعلى ضوء ذلك فان نزعة الأنسنة بما یحتضن من قیم وحقوق واجراءات هي تكلیف وواجب قبل أن تكون حقا، ولكي تتضح هذه الرؤیة من الضروري ان نوضح علاقة هذه المسألة بنظام القضاء والقدر، فالقضاء الالهي هو عبارة عن حكم اﷲ القاطع في الأحداث، والقدر الالهي عبارة عن تقدیر الظواهر والأحداث، ومن الثابت على صعید علم العقیدة والكلام عدم تعلق القضاء الالهي بأي حدث مباشرة وبلا واسطة.، وإنما یوجب كل حدث عن طریق عالمه وأسبابه فقط، أي أن القضاء الالهي یحتم أن یكون نظام العالم نظام أسباب ومسببات.

وعلى هذا فإن القضاء والقدر لیسا ضد حریة الانسان واختیاره، من هنا نجد أن الدین الاسلامي على المستوى التاریخي، حارب كل المظاهر والأعراف التي تغیب حریة الانسان أو تهین كرامته بین الانسان وأخیه على قاعدة طبقیة - مادیة، وأرسى دعائم نظریة التعارف وتجاوز كل الحواجز التي تحول دون انسانیة الانسان، إذ قال تبارك وتعالى {یا أیها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اﷲ أتقاكم} وربط الاسلام هذه القیمة الكبرى بمبدأ دفع المضار وجلب المصالح.. إذ أن نزعة الأنسنة بكل مقتضیاتها لا تنجز على الصعید العملي، الا على قاعدة توفیر المصالح التي یسعد بها الانسان ویحیا حیاة كریمة، ودفع الأضرار التي تجلب الیه الشقاء والبعد عن الجادة والحیاة الكریمة.

لذلك فقد اعتنى الدین الاسلامي إیما اعتناء بهذه المسألة، وأسس الفقه الاسلامي استنادا على النص العدید من القواعد الفقهیة والقانونیة، التي تحول دون الشقاء، وتجلب للانسان الفرد والجماعة كل أسباب المصلحة والسعادة، فقد جاء في الحدیث (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام).. اذ یقف الاسلام ضد كل الأضرار النفسیة والاقتصادیة والسیاسیة والاجتماعیة والسلوكیة، التي تؤثر سلبا في حیاة الانسان الخاصة والعامة، ولا یكتفي الدین بتأصیل وتأسیس البعد السلبي من مفهوم الأنسنة (اذا جاز التعبیر)، وإنما یسند هذا التأسیس، بنظام آخر هو استدعاء وجلب كل المصالح التي تضمن الحیاة الكریمة للانسان، التي قوامها القدرة والحریة والمسؤولیة، فالانسان في المحصلة الأخیرة، هو الذي یختار بارادة حرة صفاته وممیزاته، عالما أو جاهلا، شجاعا أو جبانا، لصا أو شریفا، وبما ان الانسان مسؤول عن أفعاله فعلیه أن یتحمل نتائجها.

وأن مسؤولیة الانسان أمام اﷲ في الاسلام، لا تعني بأي حال من الأحوال، أن یفقد الانسان حریته، بل إن المسؤولیة لا وجود لها بدون الحریة.

وعلیه فان الهدف الأعلى للاسلام في هذا الاطار، هو خلق الانسان الحقیقي بارادته الحرة ووعیه المفتوح على كل الدوائر، لینشئ علاقة حمیمة وأخویة وانسانیة مع أخیه الانسان، وعلاقة تسخیر ونماء وتطویر مع الطبیعة بأشكالها المختلفة.

وعلیه فان إزالة ركام الواقع، وتطویر منهجیات النظر والرؤیة، سیوصلنا الى قیم انسانیة علیا مستمدة من المرجعیة الاسلامیة، تلبي حاجات واقعنا إلى هذه النزعة الأصیلة، وتخرجنا من حالات الخصام مع هذا البعد على مستوى الواقع والممارسة.

فالنص الاسلامي في هذ الاطار، یزخر بامكانات غنیة وحیة ومشبعة بالمعنى، ومهمتنا تتجسد في تظهیرها وخلق الحقائق المنسجمة معها، والعمل على جعل واقعنا وممارساتنا في سیاق واحد مع هذه المعاني النبیلة.

وإننا الیوم وأزاء التداعیات الخطیرة لأحداث 11سبتمبر أحوج ما نكون على مستوى الداخل العربي والاسلامي ومستوى العلاقة مع الأمم والعوالم الأخرى، إلى ابراز القیم الانسانیة لدیننا الاسلامي الحنیف...

وهذا الابراز لا یتم فقط عبر الاطار النظري وبیان فضائل الاسلام ورؤیته للعدالة والتسامح وحقوق الانسان...

وإنما ایضا عبر تقدیم نموذج وقدوة واقعیة وهذا یحملنا مسؤولیة خطیرة في هذا الاطار، اذ المطلوب ومن مواقعنا المتعددة، تجسید قیم العدالة والعفو والتسامح في حیاتنا، بحیث تكون هذه القیم، هي سمة حیاتنا ولازمة من لوازم ممارساتنا الخاصة والعامة.

وإن تحسن أوضاعنا وخلاصنا من العدید من الأمراض المجتمعیة، مرهون الى حد بعید الى قدرتنا على الالتزام بمقتضیات ومتطلبات نزعة الأنسنة التي تحتضنها مرجعیتنا الاسلامیة في كل قیمها وأنظمتها واجراءاتها، وان التطور الحضاري العالمي، أبان ایضا عن جملة من القیم والحقوق الانسانیة، التي أصبحت جزءا من الشرعة الدولیة ومواثیق الأمم المتحدة.. مما یدفعنا الى ضرورة الاحترام العمیق لهذه القیم التي هي جسر الاستقرار السیاسي والاجتماعي، وسبیلنا الى الوفاء إلى مبادئ دیننا وقیمنا العلیا.

وفي إطار ضرورة تجلیة وتظهیر هذا البعد الهام والحیوي في واقعنا ومحیطنا من الأهمیة بمكان التأكید على النقاط التالیة:

1-  إن من المفارقات الخطیرة التي یعاني منها واقعنا العربي والاسلامي وساهمت بشكل أو بآخر في تشویه هذا الواقع على الصعید الدولي.. هي اننا حینما نتحدث عن البعد الانساني والحقوقي، نستند في حدیثنا عن البعد النظري والتاریخي، فیأتي حدیثنا في سیاق تاریخي وقیمي رفیع، مع واقع ممارسات قائمة لیست لها صلة حقیقیة بهذا السیاق والقیم الأساسیة التي نتحدث عنها.. فهي مفارقة عجائبیة، حیث إن ما ینبغي ان یكون ملیئا بالیوتیبیا والقیم النبیلة، وما هو قائم ومحسوس یرتكز في التخلف والبعد الجوهري عن تلك القیم والمثل العلیا..

وستبقى هذه المفارقة، تساهم في تشویه واقعنا في الداخل والخارج.. وان الجهد ینبغي أن یتجه نحو توحید المثال والواقع وتجسیر الفجوة بین ما ینبغي أن یكون وما هو كائن... فلا یكفي أن نتحدث عن أخلاق الاسلام وتسامحه والحقوق التي یمنحها للانسان، وإنما الضرورة الدینیة والحضاریة تلزمنا بضرورة أن یكون واقعنا كله منسجما وهذه القیم الكبرى التي نطرحها باسم الاسلام، وان كفاحنا الحقیقي لابد أن یتجه صوب الالتحام بهذا المطلق والقیم الكبرى، التي نعتبرها حجر الأساس في مشروع استقرارنا وتقدمنا.

2-  إن المسؤولیة الانسانیة، هي أساس الحق والواجب، وبالتالي فان الرؤیة الاسلامیة تستدعي في اطار المسؤولیة ونیل الحقوق بحریة الارادة، بمعنى أن الطریق الذي ترسمه الرؤیة الاسلامیة لنیل الحقوق هو الالتزام بالواجب، فكلما التزم الانسان بوظائفه وواجباته تهیأت الظروف الذاتیة والموضوعیة لنیل حقوقه، وان اي خلل یصیب هذه العلاقة، سینعكس سلبا على عموم الحیاة الاجتماعیة، ولكي یمارس الانسان مسؤولیته على أكمل وجه، بحاجة أن یتحرر من كل الشهوات والأهواء التي تحاول ان تدفعه الى الحضیض، فبمقدار تمكن الانسان من التحرر من أهوائه ونزعاته الشیطانیة بذات المقدار یتمكن من الاستفادة من بركات المسؤولیة الانسانیة والاختیار الحر..

لذلك جاء في المأثور (وأكرم نفسك عن كل دنیئة وإن ساقتك الى الرغائب فانك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا) من هنا فان الحریة المعنویة (التحرر من الأهواء والشهوات) هي بوابة ممارستها في الواقع الخارجي بصورة منسجمة والمنظور الحقوقي.

3-  ضرورة الانفتاح والتواصل العمیق مع مفهوم الكرامة الانسانیة المستنبط من قوله تعالى {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطیبات وفضلناهم على كثیر ممن خلقنا تفضیلا} (الاسراء الآیة 70)، وذلك لأن هذا المفهوم الذي أرسى دعائمه الباري عز وجل في كتابه العزیز، یعد هو جذر الحقوق كلها.. وان المطلوب في كل العصور والأزمنة، هو الوفاء والالتزام بمقتضى ومتطلبات هذا المفهوم وآفاقه المفتوحة على القیم الربانیة ومنجزات الانسان في العصر الحدیث.

وخلاصة القول: إن تطورات العالم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تدفعنا في المجالین العربي والاسلامي الى ضرورة العمل على إبراز وتجسید قیم الانسان وحقوقه في مختلف مجالات حیاتنا، وذلك لأن خلق النموذج الراقي في الداخل العربي والاسلامي، هو أنجع استراتیجیة للرد على الحملات الاعلامیة الغربیة المضادة لعالمنا العربي والاسلامي.

***

أ. محمد محفوظ