عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

زكريا نمر: لماذا يهاجم الناس كل من يفكر بطريقة مختلفة؟

في الظاهر يبدو الإنسان كائنا عاقلا، يمتلك القدرة على التفكير واتخاذ القرار وتحليل ما يراه حوله، لكن حين نتأمل الواقع بعمق نكتشف مفارقة غريبة: أغلب البشر لا يخافون من الجهل بقدر ما يخافون من التفكير الحقيقي. الإنسان قد يتحمل الفقر والتعب والقيود الاجتماعية، لكنه يشعر بقلق عميق عندما يبدأ في مساءلة الأفكار التي تربى عليها. وكأن العقل حين يقترب من الحرية يدخل منطقة محظورة تهدد استقرار العالم الذي بناه داخله منذ سنوات. التفكير الحر ليس مجرد أن يختلف الإنسان مع الآخرين، بل أن يمتلك الشجاعة الكافية ليعيد النظر في كل ما اعتبره بديهيا. هنا تبدأ الأزمة، لأن معظم الناس لا يبنون أفكارهم بأنفسهم، بل يرثونها جاهزة من العائلة والمجتمع والمدرسة والدين والسياسة والإعلام. ينمو الإنسان وهو يعتقد أن ما يؤمن به هو الحقيقة الوحيدة الممكنة، ثم يكتشف لاحقا أن هناك آلاف البشر الذين تربوا على حقائق مختلفة تماما، وكل واحد منهم يظن أنه يملك الحقيقة المطلقة. هذه الصدمة هي بداية الخوف.

منذ الطفولة يتعلم الإنسان كيف يطيع أكثر مما يتعلم كيف يفكر. المدرسة غالبا تكافئ من يحفظ لا من يناقش، والأسرة ترتاح للابن المطيع أكثر من الابن الذي يسأل كثيرا. حتى المجتمع ينظر أحيانا إلى الشخص الذي يطرح الأسئلة باعتباره متمردا أو مزعجا أو قليل الاحترام. وهكذا يكبر الإنسان وهو يربط الأمان بالطاعة، ويربط الاختلاف بالخطر. لهذا حين يبدأ أحدهم بالتفكير بحرية يشعر وكأنه يخون الجماعة التي ينتمي إليها. ليس لأن التفكير جريمة، بل لأن الانتماء النفسي للجماعة أقوى مما نتصور. الإنسان لا يخاف فقط من الخطأ، بل يخاف من العزلة التي قد تأتي مع الاختلاف. أحيانا يفضل الإنسان أن يعيش داخل وهم جماعي على أن يواجه الحقيقة وحده.

التاريخ مليء بأشخاص تمت محاربتهم فقط لأنهم فكروا بطريقة مختلفة. كثير من الفلاسفة والعلماء والمفكرين لم تكن مشكلتهم أنهم ارتكبوا جرائم، بل أنهم طرحوا أسئلة أقلقت المجتمع. حين قال سقراط إن الإنسان يجب أن يفحص حياته وأفكاره، اعتبره البعض خطرا على عقول الشباب. وحين دافع غاليليو غاليلي عن فكرة دوران الأرض، لم يكن الصراع علميا فقط، بل كان صراعا بين العقل والسلطة. المجتمع غالبا لا يخاف من الفكرة الجديدة بحد ذاتها، بل يخاف مما قد تسببه من تغيير. التفكير الحر مرهق لأنه يجبر الإنسان على مواجهة نفسه. هناك فرق بين أن تعيش داخل أفكار مريحة، وأن تدخل في مواجهة حقيقية مع تناقضاتك الداخلية. كثير من الناس يرفعون شعارات الحرية، لكنهم يرفضون أي رأي مختلف عنهم. يتحدثون عن التسامح، لكنهم لا يحتملون النقد. يطالبون بالحقيقة، لكنهم يبحثون فقط عن الكلام الذي يؤكد ما يؤمنون به مسبقا.

الإنسان بطبيعته يميل إلى حماية صورته عن نفسه. لذلك عندما يسمع فكرة تهدد قناعته، يشعر وكأن هويته كلها تتعرض للهجوم. هنا يتحول النقاش من بحث عن الحقيقة إلى معركة دفاع نفسي. ولهذا السبب نادرا ما تغير الحجج وحدها قناعات الناس، لأن المشكلة ليست دائما في نقص المعلومات، بل في الخوف من فقدان اليقين. اليقين يمنح الإنسان شعورا بالاستقرار، حتى لو كان زائفا. أما التفكير الحر فيفتح أبواب الشك، والشك مرهق. عندما يبدأ الإنسان بالتساؤل، قد يكتشف أن كثيرا مما كان يؤمن به ليس صلبا كما ظن. قد يكتشف أن بعض آرائه مجرد تكرار لما سمعه من الآخرين. وقد يكتشف أيضا أنه عاش سنوات طويلة يدافع عن أفكار لم يخترها بنفسه.

لهذا يهرب البعض من التفكير العميق نحو الضجيج المستمر. العالم الحديث يوفر للإنسان وسائل لا نهائية للهروب من مواجهة ذاته: الهاتف، مواقع التواصل، الأخبار السريعة، المقاطع القصيرة، الجدل المستمر، الاستهلاك المتواصل. لم يعد الإنسان يملك وقتا كافيا للتأمل، لأنه يخشى الصمت أحيانا أكثر من الضوضاء. الصمت مخيف لأنه يكشف ما نحاول الهروب منه. حين يجلس الإنسان وحده بعيدا عن التشتيت، تبدأ الأسئلة الحقيقية بالظهور: من أنا؟ ماذا أريد فعلا؟ هل أعيش حياتي أم حياة رسمها لي الآخرون؟ هل اختياراتي نابعة مني أم من ضغط المجتمع؟ هذه الأسئلة ليست مريحة، لذلك يفضل كثير من الناس البقاء منشغلين طوال الوقت حتى لا يضطروا لمواجهتها.

وسائل التواصل الاجتماعي زادت من أزمة التفكير الحر بطريقة معقدة. في الماضي كان الإنسان يسمع آراء متعددة بحكم احتكاكه بالناس المختلفين، أما اليوم فالخوارزميات تصنع لكل شخص عالما يشبهه. إذا كنت تؤمن بفكرة معينة، ستقترح عليك المنصات محتوى يؤكدها باستمرار، حتى تشعر أن الجميع يفكر بالطريقة نفسها. ومع الوقت يصبح الإنسان أسير فقاعة فكرية مغلقة. المشكلة ليست فقط في أن الإنسان يسمع ما يحب، بل في أنه يبدأ باعتبار أي اختلاف تهديدا شخصيا. لذلك أصبحت النقاشات الحديثة مليئة بالغضب أكثر من الفهم. الناس لا تدخل الحوار لتتعلم، بل لتنتصر. كل طرف يريد إثبات أنه على حق، لا اكتشاف الحقيقة. تظهر أزمة أخرى الخلط بين الهوية والفكرة. حين تتحول الفكرة إلى جزء من هوية الإنسان، يصبح نقدها أشبه بنقد شخصه نفسه. لهذا تجد البعض يدافع عن آرائه بعنف حتى عندما تكون الأدلة ضده، لأن الاعتراف بالخطأ بالنسبة له ليس مجرد تغيير رأي، بل انهيار صورة كاملة بناها عن نفسه.

التفكير الحر يحتاج إلى شجاعة نادرة، لأنه يتطلب من الإنسان أن يقول أحيانا: ربما كنت مخطئا. وهذه الجملة البسيطة أصعب مما تبدو. الاعتراف بالخطأ يجرح غرور الإنسان، ويجعله يشعر بالهشاشة. لذلك يفضل كثيرون الدفاع عن الوهم على مواجهة الحقيقة. المجتمعات أيضا تلعب دورا كبيرا في صناعة الخوف من التفكير. بعض المجتمعات تبني استقرارها على الطاعة الجماعية، ولهذا تنظر إلى التفكير المستقل باعتباره تهديدا. الشخص الذي يسأل كثيرا يزعج النظام، لأنه قد يدفع الآخرين للتساؤل أيضا. ولهذا نجد أن الأنظمة المغلقة دائما تخاف من الكتب والأسئلة والنقاش الحر أكثر من خوفها من أي شيء آخر. السلطة تدرك أن الإنسان الذي يفكر بحرية يصعب التحكم فيه. لهذا عبر التاريخ كانت السيطرة على التعليم والإعلام والثقافة جزءا أساسيا من السيطرة على المجتمع. حين تحدد للناس ما يجب أن يفكروا فيه، تصبح قدرتهم على المقاومة أضعف. لكن المشكلة لا تتعلق بالسلطة فقط، بل بالإنسان نفسه. أحيانا يكون الإنسان سجانه الخاص. قد يعيش في مجتمع مفتوح نسبيا لكنه يظل خائفا من التفكير المختلف بسبب القيود الداخلية التي بناها في عقله. هناك أشخاص يمتلكون حرية الكلام لكنهم لا يمتلكون حرية التفكير، لأنهم يخشون مواجهة أنفسهم.

الفيلسوف رينيه ديكارت حاول أن يبدأ مشروعه الفكري بالشك في كل شيء حتى يصل إلى حقيقة لا يمكن إنكارها. كانت فكرته أن الإنسان لا يجب أن يقبل أي شيء دون فحص. لكن أغلب البشر يفعلون العكس تماما: يقبلون معظم الأفكار دون اختبار، ثم يدافعون عنها طوال حياتهم وكأنهم اختاروها بأنفسهم. تكمن إحدى أكبر المآسي الإنسانية: أن يعيش الإنسان عمره كله داخل أفكار لم يفكر فيها حقا. الخوف من التفكير الحر لا يظهر فقط في السياسة أو الدين أو الفلسفة، بل حتى في العلاقات اليومية. كثير من الناس يعيشون وفقا لتوقعات المجتمع لا وفقا لما يريدونه فعلا. يختارون تخصصاتهم خوفا من نظرة الآخرين، ويتزوجون أو ينفصلون أو يغيرون حياتهم بناء على ضغط اجتماعي أكثر من قناعات داخلية. الإنسان أحيانا لا يريد الحقيقة، بل يريد القبول الاجتماعي. يريد أن يشعر أنه جزء من الجماعة، حتى لو كان ذلك على حساب ذاته الحقيقية. ولهذا السبب نجد أن بعض الأشخاص يغيرون آراءهم بالكامل حسب البيئة التي يعيشون فيها، ليس اقتناعا، بل خوفا من الرفض.

الخوف من الرفض واحد من أقوى القوى التي تتحكم بالبشر. الإنسان كائن اجتماعي، والعزلة النفسية مؤلمة. لذلك قد يصمت عن أفكاره الحقيقية كي لا يخسر الآخرين. ومع الوقت يعتاد ارتداء الأقنعة حتى ينسى وجهه الأصلي. لكن التفكير الحر لا يعني أن يتحول الإنسان إلى شخص متعجرف يرفض الجميع. الحرية الفكرية ليست عداء للمجتمع، بل قدرة على التمييز بين ما تؤمن به فعلا وما فرض عليك دون وعي. الشخص الحر فكريا ليس من يرفض كل شيء، بل من يملك القدرة على الفحص والاختيار. وهذا يتطلب التواضع أيضا. لأن التفكير الحر الحقيقي يجعل الإنسان يدرك حدود معرفته. كلما ازداد وعيا، أدرك كم يجهل. أما الشخص الذي يظن أنه يمتلك الحقيقة المطلقة غالبا ما يكون أقل الناس استعدادا للتعلم.

الفيلسوف فريدريك نيتشه كان يرى أن الإنسان يعيش غالبا داخل أوهام جماعية تحميه من مواجهة قسوة الحقيقة. وربما لهذا السبب يفضل كثير من الناس الراحة النفسية على الحرية الفكرية. الحرية ليست دائما مريحة، لأنها تحمل مسؤولية الاختيار. حين تفكر بنفسك، لن يعود بإمكانك تعليق أخطائك دائما على الآخرين. ستصبح مسؤولا عن قراراتك، عن قناعاتك، وعن الطريقة التي ترى بها العالم. وهذه المسؤولية ثقيلة، لذلك يهرب منها البعض نحو التقليد الأعمى. ومع ذلك، يبقى التفكير الحر ضرورة إنسانية. لأن الإنسان الذي لا يفكر بنفسه يتحول بالتدريج إلى مجرد صدى لأصوات الآخرين. يكرر ما يسمعه، يغضب عندما يغضبون، ويصفق عندما يصفقون، دون أن يسأل نفسه لماذا. المشكلة ليست أن يختلف الناس، بل أن يتوقفوا عن التفكير تماما. المجتمع الذي يخاف من الأسئلة يتحول مع الوقت إلى مجتمع جامد، يعيد إنتاج أخطائه باستمرار لأنه لا يملك الشجاعة لمراجعتها. أما الفرد الذي يتخلى عن عقله، فإنه يفقد أهم ما يميزه كإنسان.

ربما التفكير الحر لن يمنح الإنسان راحة كاملة، لكنه يمنحه شيئا أعمق: أن يعيش حياته بوعي لا كنسخة مكررة من الآخرين. وربما الحرية الحقيقية لا تبدأ من تغيير العالم، بل من امتلاك الشجاعة الكافية لمواجهة الأفكار التي تسكن داخلنا نحن.

***

زكريا - نمر