عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

فارس حامد: مدى إمكان التوسع في التفسير والقياس في النصوص الجزائية

مقدمة: لا يُعدّ التفسير في القانون الجزائي غاية مستقلة بذاتها، وإنما هو أداة لتحقيق التوازن بين حماية المجتمع وصيانة الحرية الفردية؛ لذلك يضيق حيث يُخشى التعسف في العقاب، ويتسع حيث تكون الغاية تعزيز الضمانات وتحقيق العدالة.

وتبعاً لذلك، تختلف حدود التوسع في التفسير أو جواز القياس بحسب طبيعة القاعدة الجزائية والغاية التي شرعت من أجلها، إذ تُقسم القواعد الجزائية، من حيث طبيعتها وآثارها، إلى قواعد جزائية إيجابية، وقواعد جزائية سلبية، وقواعد إجرائية.

أولاً: القواعد الجزائية الإيجابية

ويقصد بها النصوص التي تُنشئ الجريمة أو تُقرر العقوبة.

والأصل فيها عدم جواز التوسع في تفسيرها أو القياس عليها، تطبيقاً لمبدأ الشرعية الجنائية القائم على قاعدة: «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص».

فالقاضي الجزائي يلتزم بالتفسير الضيق للنص، ولا يجوز له التوسع في التجريم أو استحداث جرائم أو عقوبات أو حالات لم ينص عليها القانون صراحة، لأن في ذلك مساساً بالحريات الفردية وخروجاً على مبدأ المشروعية.

ومن ثم، فإن القياس في مجال التجريم والعقاب يُعدّ محظوراً، لأنه يؤدي عملياً إلى خلق نصوص جزائية جديدة بغير إرادة المشرّع.

ثانياً: القواعد الجزائية السلبية

ويقصد بها القواعد التي تستبعد الصفة الجرمية عن الفعل، أو تمنع قيام المسؤولية الجزائية، أو تؤدي إلى الإعفاء من العقوبة، كأسباب الإباحة، وموانع المسؤولية، وقوانين العفو.

ويجوز التوسع في تفسير هذه القواعد متى كان ذلك لمصلحة المتهم ومنسجماً مع إرادة المشرّع، لأنها لا تُنشئ تجريماً جديداً ولا تُشدد العقاب، بل تتجه نحو الأصل العام، وهو براءة الذمة وحماية الحرية الفردية.

ومن أمثلتها: الدفاع الشرعي، وحالة الضرورة، والعفو العام أو الخاص.

أما القياس، فيذهب جانب مهم من الفقه والقضاء إلى جوازه في القواعد الجزائية السلبية، استناداً إلى الحكمة التشريعية والغاية التي توخاها المشرّع.

ومن التطبيقات البارزة لذلك ما ذهبت إليه محكمة النقض الفرنسية في تفسير مبدأ “الحصانة العائلية” المنصوص عليه في قانون العقوبات الفرنسي، والذي يمنع الملاحقة الجنائية في بعض جرائم الأموال المرتكبة بين الزوجين، كالسرقة، وفقاً للمادة 311-12 من قانون العقوبات الفرنسي.

وقد وسّع القضاء الفرنسي نطاق هذه الحصانة لتشمل جرائم أخرى، كالاحتيال وخيانة الأمانة والابتزاز، باعتبارها امتداداً لفكرة الحصانة العائلية التي تقوم على حماية الروابط الأسرية.

استثناءات الحصانة الزوجية

تُستبعد هذه الحصانة ويُعاقب الزوج في حالات معينة، من أبرزها:

سرقة أو اختلاس الوثائق والمستندات الشخصية أو وسائل الدفع، كبطاقات الائتمان والهواتف.

صدور قرار قضائي يجيز للزوجين العيش منفصلين، إذ تسقط الحصانة بمجرد الانفصال القضائي.

الطبيعة المدنية للحصانة

لا يعني الإعفاء من المسؤولية الجزائية ضياع الحق المالي، إذ يبقى للزوج المتضرر الحق في المطالبة بالتعويض أو استرداد الأموال أمام القضاء المدني، وتختلف وسائل الحماية المدنية تبعاً للوضع القانوني والمالي للزوجين.

ثالثاً: القواعد الجزائية الإجرائية

أما القواعد الإجرائية، كإجراءات التحقيق والمحاكمة وطرق الطعن، فإن الأصل جواز التوسع في تفسيرها متى كان ذلك محققاً للغاية التي شرعت من أجلها، وهي حسن سير العدالة وضمان حقوق الدفاع.

اذ يعتبر قانون الإجراءات الجنائية (أصول المحاكمات الجزائية) "خادمًا للعدالة"، ولذلك فإن تفسير قواعده ومرونتها أمر ضروري للوصول إلى الحقيقة وتحقيق "حسن سير العدالة"

غير أن هذا التوسع يجب أن يبقى مقيداً بعدم الإضرار بالمتهم أو الانتقاص من ضمانات المحاكمة العادلة، لأن الإجراءات الجزائية وُجدت أساساً لتحقيق التوازن بين حق الدولة في العقاب وحق الفرد في الحماية القانونية، دون أن يصل ذلك إلى حد إنشاء إجراءات جديدة تمس الحرية الفردية بغير سند قانوني.

ويعني جواز التوسع في القواعد الإجرائية منح القاضي سلطة تقديرية في تفسير النصوص وتكييف الإجراءات بما يخدم العدالة ويضمن حقوق الدفاع.

ومن أبرز التطبيقات العملية لذلك:

تفسير الشك لمصلحة المتهم إذا احتمل النص الإجرائي أكثر من معنى.

قبول الأدلة الدفاعية المستحدثة أو سماع شهود جدد ضماناً لحق الدفاع.

قبول بعض الطعون أو المذكرات بعد انتهاء المدد القانونية في حالات القوة القاهرة أو الأعذار المشروعة.

منح القاضي سلطة تقديرية في تخفيف أو تبديل التدابير الاحترازية، كالتوقيف أو المنع من السفر، بما يتناسب مع الظروف الشخصية والصحية للمتهم.

الخطوط الحمراء للتوسع في القواعد الإجرائية

لا يجوز التذرع بتحقيق "حسن سير العدالة" لتبرير تجاوزات تمس حقوق المتهم أو تخل بحقه في الدفاع.

كما ان أي توسع إجرائي يؤدي إلى المساس بحق جوهري للمتهم أو التضييق عليه يعد باطلاً، لأن الغاية الأولى للإجراءات هي حماية حقوق الأفراد وضمان محاكمة عادلة ونزيهة.

خلاصة

إن معيار جواز التوسع في التفسير أو القياس في النصوص الجزائية يرتبط بطبيعة القاعدة القانونية ووظيفتها؛ فحيث يتعلق الأمر بالتجريم والعقاب يضيق التفسير حمايةً للحرية الفردية، وحيث يتعلق الأمر بضمانات المتهم وتحقيق العدالة الإجرائية يتسع نطاق التفسير والقياس، ضمن حدود مقاصد المشرّع ومبادئ المشروعية والعدالة.

***

فارس حامد عبد الكريم