قضايا
علي جعفر محمد: منهجُ البحثِ العلميّ من الشَّكلِ إلى الجوهر
تُعدّ مناهج البحث العلمي من أهم المواد التي تسهم في بناء شخصية الباحث وتشكيل وعيه العلمي؛ إذ لا يمكن لأي مشروع بحثي أن يحقق أهدافه ما لم يستند إلى رؤية منهجية واضحة تضبط خطواته وتوجّه مساراته، فالبحث العلمي ليس مجرد عملية جمع للمعلومات أو تنسيق للنصوص، بل هو منظومة متكاملة تبدأ من اختيار الموضوع وتنتهي بصياغة النتائج وفق أسس علمية دقيقة.
ومن هنا تبرز أهمية تدريس مادة «منهج البحث العلمي» بوصفها المدخل الرئيس الذي يتعرّف من خلاله الطلبة على آليات البحث وضوابطه، ويتدرّبون عبرها على ممارسة العمل البحثي بصورة منهجية، فكل بحث جديد يكتبه الباحث يضيف إلى خبرته العلمية مهاراتٍ جديدة، ويمنحه قدرة أكبر على التعامل مع المصادر وتحليل النصوص وتقويم الآراء.
غير أنّ الملاحظ في كثير من الأحيان أنّ تدريس مادة منهج البحث ينصرف إلى التركيز على بعض الجوانب الشكلية والإجرائية، كطريقة كتابة اسم المؤلف، وهل يُقدَّم الاسم أم اللقب، وهل يُذكر الجزء بالحرف أو الرقم، ومتى توضع الفارزة المنقوطة، وما نوع الأقواس المستخدمة في الاقتباس، إلى غير ذلك من التفاصيل الفنية المرتبطة بإخراج البحث، ولا شكّ أنّ هذه الأمور مهمة، وينبغي للباحث الإلمام بها؛ لأنها تمثل جزءًا من البناء العلمي للبحث، إلا أنّ المشكلة تكمن في تحوّلها أحيانًا إلى محور الاهتمام الأساس، مقابل إغفال جوانب أكثر عمقًا وأشدّ تأثيرًا في تكوين الباحث العلمي.
فثمّة مهارات منهجية وتطبيقية ينبغي أن تحظى بعناية أكبر داخل مقررات مناهج البحث؛ لأنها تمثل الأخطاء الأكثر شيوعًا بين الباحثين، ولا سيما المبتدئين منهم، ومن أبرز هذه المهارات:
أولًا: التمييز بين المصادر الأصلية والثانوية
من الأخطاء الشائعة أن يعتمد الباحث على النقل من المصادر الثانوية من دون مراجعة المصدر الأصلي، الأمر الذي قد يؤدي إلى نقل النصوص بصورة مبتورة أو غير دقيقة، لذا ينبغي أن يتعرّف الطالب منذ المراحل الأولى على أهم المصادر المعتمدة في تخصصه، وأن يمتلك تصورًا عامًا عن أمهات الكتب في مجاله العلمي.
فطالب العلوم الشرعية ـ على سبيل المثال ـ يحتاج إلى معرفة المصادر الأساسية في الفقه، وأصول الفقه، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، والمنطق، والفلسفة، وعلم الكلام، وغيرها من العلوم المرتبطة بتخصصه؛ لأنّ الجهل بالمصادر الأصلية يضعف البناء العلمي للباحث ويجعله أسيرًا للنقولات غير المباشرة.
ثانيًا: فهم الاصطلاحات الخاصة بأهل الاختصاص
تتضمن الكتب العلمية، ولا سيما التراثية منها، اصطلاحاتٍ وتعابير خاصة قد ترتبط بالسياق العلمي أو بالبيئة الدراسية للمؤلف، ومن ذلك استعمال عبارات مثل: «سيدنا الأستاذ»، أو «شيخ الطائفة»، أو «شيخ الشريعة».
وكثيرًا ما يقع الباحث المبتدئ في خطأ نقل هذه التعابير كما هي من دون التفات إلى خصوصيتها؛ فينقل عبارة «سيدنا الأستاذ» مثلًا، مع أنّه ليس من تلامذة ذلك العالم، مما يجعل العبارة فاقدة لدقتها العلمية، ولذلك فإنّ فهم اصطلاحات أهل الفن يُعدّ جزءًا مهمًا من الوعي المنهجي الذي ينبغي أن يكتسبه الباحث.
ثالثًا: التمييز بين كلام المؤلف وكلام المحقق
من المشكلات التي تتكرر في التعامل مع الكتب التراثية المحققة عدم التفريق بين نص المؤلف الأصلي وتعليقات المحقق أو تعليقاته التوضيحية، وقد يؤدي ذلك إلى أن ينسب الباحث رأيًا أو تفسيرًا إلى صاحب الكتاب، مع أنّه من إضافات المحقق المعاصر.
وهذا النوع من الأخطاء قد يسبب إحراجًا علميًا للباحث، ويكشف عن ضعف خبرته في التعامل مع النصوص التراثية، لذا فإنّ تدريب الطلبة على قراءة الكتب المحققة والتفريق بين مستويات النصوص فيها يُعدّ ضرورة منهجية لا غنى عنها.
رابعًا: الالتفات إلى اختلاف الطبعات
لا تقف أهمية التعامل مع المصادر عند مجرد الحصول على الكتاب، بل تمتد إلى ضرورة معرفة طبعاته المختلفة، وما قد تتضمنه من إضافات أو تعديلات، فكثير من المؤلفين يضيفون في الطبعات اللاحقة معطيات جديدة، أو يقومون بتعديل بعض آرائهم، أو تصحيح أخطاء وردت في الطبعات السابقة.
ومن هنا فإنّ اعتماد الباحث على طبعة قديمة من دون مراجعة الطبعات الأحدث قد يفوّت عليه معلومات مهمة أو تحديثات علمية ذات قيمة.
خامسًا: التعريف بالمصطلحات من مصادرها التخصصية
من القضايا التي ينبغي الالتفات إليها عند كتابة البحوث العلمية طريقة تعريف المصطلحات، فليس من المنهجية الصحيحة أن تُعرّف المصطلحات اعتمادًا على أي معجم عام أو مصدر غير تخصصي، بل ينبغي الرجوع إلى الكتب المختصة بالحقل العلمي الذي ينتمي إليه المصطلح.
فالمصطلح الحديثي يُرجع فيه إلى كتب مصطلح الحديث، والمصطلح الأصولي إلى كتب أصول الفقه، والمصطلح الفلسفي إلى المصادر الفلسفية، وهكذا لأنّ لكل علم بيئته الخاصة التي تمنح المصطلحات دلالاتها الدقيقة.
وهنا نصل إلى مسألة جوهرية، وهي أنّ مادة منهج البحث ليست مادة نظرية فحسب، بل هي مادة تجمع بين الجانب النظري والتطبيقي، غير أنّ المقصود بالتطبيق لا يقتصر على مجرد ممارسة الكتابة، بل يشمل تدريب الباحث على كيفية التعامل مع المصادر، وفهم النصوص، واكتشاف الفروق بين الطبعات، والتمييز بين الآراء والتعليقات، ومعرفة طبيعة المصطلحات واستعمالاتها.
إنّ الباحث الحقيقي لا يُبنى عبر حفظ القواعد الشكلية فقط، وإنما يتكوّن من خلال الممارسة الواعية للتعامل مع المادة العلمية، والقدرة على قراءة النصوص قراءة نقدية دقيقة، ومن هنا فإنّ تطوير مادة منهج البحث ينبغي أن يتجه نحو بناء «العقلية البحثية» لدى الطالب، لا الاكتفاء بتعليمه طرائق التنسيق والإخراج الفني.
فبين حدود الممكن في الواقع الأكاديمي، وتطلعات المأمول في صناعة الباحث الكفوء، تبقى الحاجة قائمة إلى إعادة النظر في آليات تدريس مناهج البحث، لتكون أقرب إلى صناعة الباحث القادر على التفكير والتحليل والنقد، لا مجرد كاتب يجيد تنسيق الهوامش وترتيب الفواصل.
***
الدكتور علي جعفر محمد الرماحي
كلية الفقه – جامعة الكوفة







