عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مصطفى دحماني: الإسلام السياسي.. وطوبى الخلافة

الخطاب والعنف

الشيء المؤكد اليوم، أن تأسيس جماعة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا عام 1928 في مدينة الإسماعيلية في مصر. هي البداية الحقيقة لما يعرف اليوم باسم الإسلام السياسي. أي بداية القول في العصر الحديث، وعند "أهل السنة والجماعة " أن الدولة ركن من أركان الدين، وبالتالي فإن الدولة والسلطة والإمامة هي من الأصول وليس من الفروع، بينما من المعروف أن هذا المبدأ هو من المبادئ المركزية عند الشيّعة. كما تجدر الإشارة إلى أنه من رحم هذه الجماعة- الأم، ولدت كل جماعات وحركات الإسلام السياسي في القرن العشرين، ومن كهف الإسلام السياسي خرجت كل التنظيمات المسلحة التي أطلقت الرصاص على الجميع، تنظيمات مثل التنظيم المعروف إعلاميًا باسم "التكفير والهجرة " بزعامة شكري مصطفى وتنظيم الفنية العسكرية بقيادة الفلسطيني صالح سرية وتنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية وغيرها وغيرها من الجماعات والتنظيمات، هذه الجماعات التكفيرية والتي أعلنت عن نفسها بعمليات استعراضية في السبعينيات والثمانينيات، رافعة راية الجهاد ليس فيدار الحرب هذه المرة، بل في دار الإسلام، بدعوى " جاهلية القرن العشرين " وفي مواجهة الحكام " الطاغوت ". وما يلاحظ أنه مع مرور الوقت، ارتفع منسوب القتل ضد كل الشرائح والفئات والطبقات، بالتوازي مع ارتفاع منسوب التطرف، وفي نفس الوقت مع إزدياد معدلات الفقر والارتفاع المفزع لنسب الأمية في المجتمعات العربية وانهيار النظام التعليمي، مع الإشارة إلى أن كل ذلك، كان يجري في مناخ سياسي قامع للحريات وفي ظل دولة سلطية، دولة المستبد غير العادل. ومن نافلة القول، أن العنف هو نتاج إيديولوجية متطرفة، والإرهاب تعبير عن هذه الإيديولوجية، وخطاب العنف يعكس فكر يعتقد بإمتلاك الحقيقة المطلقة. ولهذا لم تتوانى جماعات الإسلام السياسي وكافة التيارات السياسية/الدينية في الإنتقال من مرحلة الدعوة الى مرحلة أعلى هي الإرهاب، والدخول في صراع قاتل مع القوى السياسة الوطنية. كما وضعت نفسها في مواجهة غير مبررة مع العصر، ليس هذا فحسب، بل وسوَّغت لنفسها ممارسة العنف المُنفَلت من كل عُقال، وذلك بتوظيف ألفاظاً قرآنية، مثل الجهاد والقتال والغزو والطاغوت. ولقد كان العنف والعنف المضاد، بين التنظيمات المسلحة والأجهزة الأمنية، السبب الرئيس في وقوع تحولات سياسية، وفي ظهور تشققات إجتماعية عميقة، وتمزقات ثقافية شديدة الخطورة في جسم الدولة والمجتمع. وغني عن البيان القول أن ظهور الإسلام السياسي، قد شكَّل بالفعل وبالقوة تهديدًا للسلم الاجتماعي، وكان ومايزال خطرا على وحدة الأوطان وعلى النسيج الإجتماعي للمجتمعات. والجدير بالذكر، فإن الإسلام السياسي –فكرا وتنظيمًا - قد تكون في عشرينيات القرن الماضي، وتشكَّل في مرحلة ما بين الحربين. أي أنه ولد ونشأ وترعرع في حقبة حافلة بالتحولات السياسة والإجتماعية في العالم العربي، هذه التحولات رسمت خريطة الإيديولوجية العربية المعاصرة. ولسنا في حاجة للقول بأن العامل الخارجي قد لعب دورا كبيرا في نشأة الإسلام السياسي بسبب إزدياد شدة الإختراق الاستعماري/الإمبريالي، وما أحدثه هذا الاختراق من تفكك للبنى الاجتماعية / الثقافية. ومما لا شك فيه أن قرار إلغاء الخلافة كان بمثابة الرجة التي أفقدت النخب العربية/ الإسلامية توازنها، البعض رحب بالقرار وصفق للدولة الوطنية البازغة، والبعض الأخر لم يرحب بالقرار بل وعارض نظام الدولة الوطنية. وما يرتبط بها من مبادئ مثل الدستور والعقد الاجتماعي وما يتفرع عنهما من مرتكزات الفلسفة السياسية الحديثة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وكل ما يتعلق بالدولة الحديثة من نظم ومؤسسات سياسية وإدارية وأمنية.

و من أبرز من صدمهم قرار إلغاء الخلافة الشيخ محمد رشيد رضا، صاحب مجلة" المنار "، وكان كتابه "الخلافة والإمامة العظمى" دليل قاطع على صدمة بدايات إنفصال السلطان عن القرآن، ومفارقة الخلافة للسلطنة. وعلى النقيض من ذلك، رحبت النخبة الليبرالية بالقرار، وكان منهم الشيخ علي عبد الرازق الذي أصدر كتاب " الإسلام وأصول الحكم" وقد شكل صداعا لدعاة عودة الخلافة كما أصاب في مقتل مقولة الإسلام دين ودولة. والحقيقة أن هذا الكتاب/ الحدث زعزع الكثير من اليقينيات والمعتقدات والقناعات التي كانت قد تحولت عند الكثيرين، ومع مرور الوقت إلى مسلمات غير قابلة للنقاش.

و لا يختلف إثنان على أن كتاب " الإسلام وأصول الحكم"، تميز بحس نقدي غير مسبوق، وبجرأة لم يسبق لها مثيل في الفكر العربي الحديث، إذ أعلن بوضوح أن دولة الخلافة هي دولة سلطانية تقوم على أساس القوة والغلبة، وليس على الرضا والقبول، كما كشف الطبيعة السياسية للسلطة والحكم في الإسلام، كما قدم براهين وأدلة شرعية على أن الدين الإسلامي يرفض هذا النظام السياسي السلطاني. ولا أحد يجادل بأن نشأة الإسلام السياسي، هو أحد مُخرجات إلغاء الخلافة العثمانية السنية، فقد أصيبت النخبة التقليدية بالصدمة وشعرت بالضياع بعد سقوط الخلافة، وكما ذكرنا سابقًا شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أحداثا عاصفة غيرت تماما ليس فقط الخريطة الجيو –السياسية، بل غيرت الخريطة الثقافية- الفكرية وأعادت ترتيب موازين القوى لصالح القوى الاجتماعية الجديدة. كانت الهزة الأكبر، أو إن صح التعبير مركز الزلزال هو السقوط المدوي للإمبراطورية العثمانية، بعد الهزيمة القاسية التي تعرضت لها في الحرب الكونية الأولى، والتي على إثرها قَضم الحلفاء الكثير من أراضي الدولة التركية، بل ووصل الأمر إلى حد دخول عاصمة الخلافة السنية، كما تم الإستيلاء على الولايات العربية التابعة لها على يد القوى الإستعمارية الكبرى آنذاك، بأسماء بها قدر كبير من المكر والخديعة، من قبيل الحماية والإنتداب، طبقًا لسياسات القوى الاستعمارية، وطبقا لإتفاقية سايكس/ بيكو عام 1916. والحقيقة التي لا نقاش فيها، أن علامات الإنهيار والسقوط كانت بادية منذ منتصف القرن التاسع، كما أن ملامح وسمات التفكك كانت لا تخطئها عين، كما لا ننسى أن أعراض المرض قد بدأت في الظهور منذ نهاية القرن الثامن عشر.

نهاية نظام الخلافة

وبعبارة أخرى، ما يسمى بالخلافة الإسلامية أو الإطار السياسي الجامع للمسلمين السنة، كانت في الهزيع الأخير من عمرها، مجرد هيكل بلا روح، وبتعبير مجازي أصح كانت عبارة عن جثة هامدة. وبالتالي كان هذا النوع من أنظمة الحكم المسمى بالخلافة، قد وصل إلى حالة متقدمة من التفكك والتفسخ والهزال، كان هذا الشكل للدولة المبنية على حكم العسكري والمتربعة على المساحة الجغرافية الواسعة، وبتركيبة ديموغرافية متنوعة تضم عشرات القوميات والطوائف والمذاهب، هذا النوع من النظام السياسي إنتهت مدة صلاحيته، ولا نبالغ إذا قلنا أن هذا النظام السياسي كان في حكم الميت، بعد أن تجاوزته الأحداث، ولم يعد يتماشى مع العصر ولا يستطيع مجاراة نموذج الدولة الحديثة، أي الدولة- الأمة. وبعد الهزيمة القاسية في الحرب العالمية الأولى، كان لا بد على السلطة العسكرية الجديدة من إتخاذ قرارات تناسب التطورات السياسية. وأهم هذه القرارات التي مهدت الطريق للدولة الوطنية التركية العلمانية، القرار الصادر يوم 4 نوفمبر 1922 عن الجمعية الوطنية التركية القاضي بفصل السلطنة عن الخلافة. ولا مراء في أن هذا القرار هو قرار تاريخي جريء بكل المقاييس، كان بمثابة الضربة القاضية لما يسمى بالخلافة، وذلك بعد ثلاثة عشر قرنًا من وجود هذا النظام السياسي/السلطاني الذي تشكل في سقيفة بني ساعدة، وكان يجمع بين السلطان والقرآن، بين المصحف والسيف، وبعبارة أوضح، بين الدين والدولة. وثمة ملاحظة في هذه الصدد وهي أن السلطان في عهد الخلفاء الراشدين كان في خدمة الدين، لكن منذ انقلاب الخلافة إلى ملك وراثي عَضُّوض، صار القرآن في خدمة السلطان، أي صار في خدمة الملوك والسلاطين والأمراء. منذ قيام الدولة الأموية. وإذا شئنا الدقة نقول، أن هذا قرار الفصل من حيث اللغة والأسلوب والديباجة، جاء ليس فقط ليبرر خطوة الفصل بين السلطنة والخلافة ولكن ليقدم المُبررات الدينية/الشرعية للخطوة الأكبر والقرار الأهم وهو إلغاء الخلافة تمامًا ونهائيًا. وبالفعل صَدر القرار التاريخي الثاني وهو إلغاء الخلافة في اليوم الثاني عشر من شهر مارس عام 1924، وبذلك أُسدل الستار، على مرحلة تاريخية بأكملها. مرحلة النظام الإمبراطوري، تزامنت مع بداية نشأة نظام الدولة الوطنية في المنطقة العربية.

 وكان من الطبيعي أن يخلف قرار إلغاء الخلافة، ردود فعل متباينة بين السخط الشديد والترحيب الكبير، في العالم الإسلامي عامة وفي الوطن العربي خاصة، لكن من المؤكد أن الصدمة كانت قوية، إلى درجة أن البعض من ملوك العرب أنذاك، أراد استغلال الفرصة للترشح لمنصب الخلافة. ثم كان القرار التاريخي الثالث، المتمثل في إعلان قيام الجمهورية التركية الوطنية العلمانية الحديثة. 

ولكن وفي المقابل، ومن الأثار الإيجابية- إن صح هذا التعبير- لهذا القرارات، هي عودة السجَّالات الفكرية في قضية طالما شغلت الفكر الإسلامي في العصر الوسيط، وهو العلاقة بين الفقيه والسلطان، كما اشتعلت جذوة الجدال من جديد واستمر النقاش بين تيارات الإيديولوجيا العربية المعاصرة، حول دور الدين ووظيفته في الدولة الوطنية الناشئة، كما عاد السجّال إلى نقطة الصفر في قضايا الإسلام والغرب والتاريخ والتراث، ومسائل الفقه والاجتهاد والتجديد.

 وما يذكره التاريخ أن جذوة المناقشات إشتعل أوارها وإزدادت حدة النقاش مباشرة بعد القرارات الثلاث، والتي كانت صادمة للعقل الإسلامي، قرار الفصل بين الخلافة والسلطنة، وقرار إلغاء الخلافة، وقرار إعلان الجمهورية.

 وقد أنفق الفكر العربي/الإسلامي الكثير من الوقت والجهد في محاولة إستعادة الخلافة سواء بصيغتها القديمة أو بصيغتها المعدلة أو بأي صيغة أخر، ومن هذه المحاولات التي تنسب للإسلام الحزبي، محاولة حزب التحرير الإسلامي الذي أسسه الشيخ تقي الدين النبهاني في القدس عام 1952 قائم على تحقيق هدف استراتيجي هو عودة الخلافة الإسلامية بأي شكل وبأية صيغة.

و مما يلفت الانتباه، أن قطاع واسع من الإسلاميين، من مازال يعتقد إعتقادًا راسخا بأن عودة الخلافة ضرورة حتمية، وما إعلان أبو بكر البغدادي من على منبر أحد مساجد الموصل عن قيام الدولة الإسلامية في الشام والعراق(داعش) عام، 2014 إلا دليل إثبات على ذلك.

***

مصطفى دحماني

باحث في الفلسفة والفكر الإسلامي - الجزائر