عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد سيف: أنحن نتاجٌ حتميٌ لماضينا أم أننا قادرون على إنتاجنا؟!

حتى لا نتوه في الديباجة، فالماضي الذي أرمي له هو بشقّيه، القريب وهو طفولتنا، والبعيد وتمثّله جيناتنا التي ورثناها من سلسلة أجدادنا المكثّفة.

ولربما الإجابة البديهية تبدو أن كليهما له دور فاعل لا يمكن نكرانه في تشكيل شخصياتنا، وتاليًا حيواتنا، وحينئذٍ نكون إزاء سؤال التفاصيل في استكْناه كلٍ منهما، لا غير، إلا أنّ هناك سؤالا أجلّ، ويقفز على نمط التفكير الثنائي بجرأة بالغة، ويمكن صَوغُ هذا السؤال على النحو الآتي: إذا كان ثمة مسؤول آخر عن تفاعلاتنا مع الحياة وطريقة استجابتنا من غير طفولتنا وجيناتنا، فماذا سيكون؟

قبل أن نلِج في خضمّ هذا السؤال المتمرد، خليقٌ بنا أن نسبر أغوار دورَي الطفولة والجينات في تشكيلنا، ولعل القاسم المشترك الكبير بينهما أنه لا دخل لنا البتة فيهما، إذْ إنّهما يمثلان عاملان خارجيان مستقلان عن إرادتنا، ويعبثان بنا كما يشاءان، فالجينات التي ورثناها لم تكن بمحض إرادةٍ منا أو اختيار، وإنما نحن نمثل حلقة متجسدة من تراكم الجينات ضمن حلقات سلسلة آبائنا، بامتيازاتها وقصورها، والطفولة وإن كانت في درجة أعلى قليلا من الوعي مقارنة بوراثة الجينات، غير أن هذا الوعي من الضآلة والمحدودية بحيث إنه لا يُلتفت إليه، فالطفولة القاسية والطفولة المدللة ليسا سيّان، والطفولة الملأى بالتقدير والدعم لا تشبه بأي حال من الأحوال طفولة خانقة تكسر مجاديف أي بوادر رائعة، وكلا العاملَين، الجينات والطفولة، شيءٌ مُنحنا إياها من غير قرار شخصي، وهي لا تنفكّ تهندس طريقة نظرتنا للحياة واستجابتنا لمختلف مواقفها.

فالجينات - تلك الشفرات المخبوءة في جوانحنا - تبرمج فينا أكثر من مجرد شكل أجسامنا وألواننا ومختلف تفاصيلنا الفسيولوجية، لتنسحب على استعدادنا الفطري للنزعة الهجومية والرغبة الحميمية، والعصبية الهوجاء، وحتى الإجرام الوحشي أو السماحة الساذجة، إلى آخر تلك الاستعدادات ما حسُن منها وماقبُح، فضلا عن تلك الجينات غير المفعّلة فينا، والتي تنتظر المثير الخارجي حتى يُدخلها في حيّز التنفيذ، وهذا يعني بكل جلاء أننا لا نولد على درجة واحدة من الاستعداد التكويني في قدراتنا وميولاتنا ورغباتنا، فنحن متفاوتون حدّ النخاع في اتجاهات أدمغتنا التي تمثل امتدادًا لموروث جيناتنا؛ ونتيجة لذلك فإنه من الطبيعي جدا أن تختلف استجابتنا للحياة، وبالتالي مآلات هذه الاستجابة، التي نبَعت في المقام الأول من إكراهات جبرية تكوينًا، لسنا مسؤولين عنها، ويشبه إلى حد ما نموذج ذكاء اصطناعي غُذّي ببرمجة محددة لا يخرج عنها، أقول هذا تقريبا للصورة ولا أعني المطابقة إطلاقا.

وإذا ما جئنا للطفولة، فنحن ندرك تمام الإدراك ما يردّده المختصون في خطورة ما نتعرّض له في مراحل حياتنا المبكّرة، من حيث إنه يطبع فينا عميقا ما يؤثر على بقية حياتنا، ولعلّ أقرب تمثيل ييسّر علينا تصوّر هذه الخطورة الجسيمة هو معجون الطين الطري الذي يسهل تشكيله ما دام مبتلا في بداياته، وما إن يمر عليه وقت حتى يَيْبس، فيزيد صلابة بتقادم الزمن، وحينئذٍ يصعب تغييره إلا بكسره! هذه الحساسية البالغة فيما تمثّله الطفولة من عامل كبير التأثير، والتي لا يتجاوز عددها في أوْج فاعليتها سنيننا الست الأولى! تنعكس ظلالُها على عقود حياتنا اللاحقة، ولك أن تتخيل نسبة ست سنوات فيمن عمره ستون سنة، في نظير ما تمثله من قوة قاهرة تُبرمِج سنينَ طوالًا نحو طريقة استجابة محددة، وعلى نحو دقيق يمكن القول إن الطفولة هي بداية تكرار لنمط استجابة مع مجريات الحياة، وكل تكرار لاحق يؤثر على ما يأتي بعده، وتزداد تغوّلا فينا، وهكذا دوالَيك.

لنأتِ الآن إلى محاولة وضع مقاربة معقولة لسؤالنا المحوري في هذا المقال الذي اصطفيناه في توطئة هذا المقال: إذا كان ثمة مسؤول آخر عن تفاعلاتنا مع الحياة وطريقة استجابتنا من غير طفولتنا وجيناتنا، فماذا سيكون؟ قبل أن أجيب دعوني بادئ ذي بدء أحدد موقع البحث عن هذا المسؤول الآخر! فإذا كانت الجينات والطفولة - كما أسلفتُ - تقبع في منطقة العوامل الخارجية التي ليس لنا فيها حرية إرادة إطلاقا، فماذا لو كان المسؤول الآخر المتمرّد على نمط التفكير الثنائي - هذا أو ذاك - لا ينتمي للعائلة نفسها! بل من سلالة مختلفة، سلالة إرادتنا الحرّة - مع تحفّظي على المعنى المطلق لمفهومي الإرادة والحرة - أقول: ماذا لو؟ إنه الإنسان الآخر!

الاحتكاك الاختياري بدوائر إنسانية مختارة، والارتماء في أحضان بيئات تفاعلية مصطفاة بعناية وسط بيئاتنا الكبيرة أو خارج أُطُرِها، وهو وإن كان عاملا خارجيا غير أنه يمثل قرارا شخصيا حرا، وهو بدوره يعيد إنتاجنا! وما هي إلا مسألة وقت حتى نجدنا أمام نسخة مختلفةٍ منا خارج امتداد ماضينا القريب منه والبعيد، تكسر سلسلة التكرار التي ولّدتها جيناتنا وطفولتنا.

إن التفاعل الإنساني مع الآخر المختار بمواصفات محددة تصقل طباعنا، وتهذّب طبيعتنا، وكما أن الحديد لا يفُلّ إلا الحديد، هكذا الإنسان، لا يكسر سطوة إكراهات جيناته وطفولته إلا تفاعله مع بيئات إنسانية مختارة بوعي، تعيد تشكيله وتنشئته وتبعثه خَلقًا جديدا.

ومع ذلك، يبقى الصراع حقيقة لا يمكن غضّ الطرف عنها بالمرّة، أعني الصراع بين العوامل التي ليس لنا يد فيها: الجينات والطفولة، وبين عامل الدوائر الإنسانية المختارة لنمارس معها تفاصيل حياتنا أو ما تبقى منها! ولكن على الأقل هي خطوة حازمة تتبعها خطوات في سبيل التحرر من أُسُر الماضي وأغلاله، وإن شئت فقل: إن خير مغيّر للإنسان هو إنسانٌ من بني جنسه، إنسانٌ مختار بمعايير توقظ فينا ما هو جميل، وتجتثّ منا ما هو رديء، يضيف لنا قيمة تستحق، ويجنبنا ما لا يليق بنسختنا الثائرة على موروث جيناتنا ومرحلة طفولتنا، لنلقي بنسختنا القديمة قربانا في مَذبح نسختنا المنشودة.

إنّ السردية التي لا تفتأُ تخبر بها نفسك، وتُمنّيها بأفضل نسخة منك تبدأ باتخاذ قرار واعٍ، وبحجم هذا القرار يتحدد مصيرك، ولأننا موجَّهون بعوامل خارجية منفلتة ومتفلّتة عن اختياراتنا؛ فمن الضرورة بمكان أن نتخذ لأنفسنا نهجا قوي الشكيمة، يخترق نفوذ تلكم العوامل، أحدها أو في صدارتها هو الإنسان الآخر الذي نختاره، فردا كان أم مجتمعا، ولكن من تجميعنا نحن واختيارنا نحن!

نعم، أنا وأنت ونحن لسنا إلا نتاج طفراتنا الجينية وامتدادات طفولتنا، ولكن حتى يأتي اليوم الذي نتخذ فيه قرارا واعيا بالتفكير مَليا فيمن نشاطره المرحلة القادمة من حياتنا؛ ومِن هنا تدرك أن مختلف العوامل المؤثّرة - مهما تضافرَت - لا تصلح أن تكون شمّاعة لإخفاقاتك ونسختك الحالية من نفسك التي لم تعد تريد أن تكونها.

***

محمـــد سيـــف - كاتب وباحث من سلطنة عمان