قضايا
جعفر نجم نصر: عندما يكون المثقف ثرثارا
لا يوجد عنوان فكري اليوم اسمه (المثقف الموسوعي)، الذي يعرف كل شئ ويتحدث من ثم في كلّ شىء، هذا الأمر انتهى منذ عصر القرون المظلمة التي اضاعت بها المجتمعات الإسلامية وعيها المعرفي، ولم تستيقض إلا على صدمة الحداثة التي ترافقت قسرا مع المد الاستعماري.
وهذه الحداثة التي ارتكزت على فكر أكاديمي صرف بدرجة كبيرة، انما قطعت إبستمولوجيا كذلك مع العصور السابقة التي كانت ترى في القس هو الكاهن والطبيب والفيلسوف، مثلما كنا نرى ذلك فيما مضى في الكندي وابن سينا وغيرهما الكثير.
ومن ثم كان المرتكز العلمي الجديد قائم على التخصص الدقيق حتى في داخل الحقل المعرفي الواحد، كالرياضيات او الفيزياء او الكيمياء وفي العلوم الاجتماعية الامر ذاته بل ازداد تخصصا بنحو مفرط، وهذا ما وصل اليه الحال في الفلسفة كذلك، فهناك اليوم من تخصص بهيغل وهناك من تخصص بكانت واخرون تخصصوا بفكر نيتشه وهكذا دواليك.
وهذه التخصصات تتطلب رؤية معمقة بطبيعة الحال في مقارباتها او انتقاداتها بين آونة وأخرى، ولكن ان يظهر علينا احدهم وهو يتحدث: بالرقمية تارة والعولمة تارة اخرى وبأزمة الاجيال بين مدحها او ذمها.. وبأنسنة الدين تارة اخرى.. وبفلسفة الصمت مرة.. وبفلسفة الكوانتم مرة اخرى ويظل يقفز (كالبهلوان) من حقل إلى آخر بغير روية وباستعراض معرفي مكشوف وبنرجسية حادة انما هي عملية ثرثرة فكرية لا طائل منها سوى البرهنة على وجوده بالساحة الفكرية.. وما المخجل ان يصمت المثقف قليلا حتى ياتي من خلال تخصصه بشى جديد.. فهذا جورج طرابيشي توقف سنينا وهي يكتب رده على محمد عابد الجابري.. ما الضير في الصمت قليلا ربما اشهر او سنوات ويعيد التامل في الوجود مرة اخرى ما الضير.. اعتقد ان المريض نفسيا لا يستطيع إلا ان يثرثر.. وهو (يعجل لانه يخاف الفوت).. فوت استعراض الأنا النرجسية !!.
وليست القضية هنا فحسب، ان الأدهى ان يجد من يصفق له وينحني تعظيما وإكبارا لثرثرته ورثاثته الفكرية الواضحة عبر السطو على افكار الآخرين بسرعة لا حد لها.
اننا نعيش عصر التفاهة كما يقولون وفي الوقت نفسه عصر الثرثرة وعصر المثقف الثرثار، الذي لا يعرف حدود التخصص والخارطة المعرفية التي يسير عليها، اذ هو ينبغي ان ينشغل بمشروع فكري يراكمه ويعيد فحصه وتمحيصه بين فترة وأخرى، وليس ان يظل يسطو على مساحات فكرية بحجة انه مفكر موسوعي مجدد!!.
***
د. جعفر نجم نصر







