قضايا
نبيل عيدو: الضوء والظل في العلاقات الإنسانية
لقد تم ذكر مفهوم النور والظلمة في القرآن الكريم، باعتبارهما رمزين للحياة الإنسانية والوجود كله. فالقرآن الكريم كثيرًا ما جمع بين النور والظلمات ليُجسّد معاني الهداية والضلال، والإدراك والغفلة، قال تعالى: "اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ"1. وفي الفكر الصوفي نجد إشارات واسعة إلى أن النور ضياء يُبصر به وهو إشراق البصيرة أيضًا، وأن الظل ليس مجرد غياب للشمس، بل سكونٌ تستريح فيه الأرواح وتستتر فيه الأسرار. حتى الفلاسفة المسلمون، كابن سينا والفارابي، اعتبروا النور مبدأ الإدراك، والظلمة مبدأ الخفاء الذي لا يُدرك إلا بنور يوضحه.
وعلى هذا الأساس، يمكننا أن نستعير من تراثنا الإسلامي عدسة الضوء والظل لنطلّ منها على العلاقات الإنسانية، حيث إن التشابه بين الحقول المعرفية المختلفة يمنحنا فرصة إسقاط حقل أسهل في تفسير حقل أصعب، وهو ما يُطلق عليه في نظرية النظم التشاكل البنيوي. لاحظ بيرتالانفي، وهو عالم أحياء نمساوي وصاحب كتاب نظرية النظم، أن القوانين التي تحكم نمو خلية بكتيريا قد تشبه بشكل مذهل القوانين التي تحكم نمو شركة كبرى أو مدينة. هذا التشابه في الهيكل أو البنية بين مجالات مختلفة تمامًا هو ما سماه التشاكل.
ومن هذا المبدأ وجدنا أن العلاقات تتشابه بشكل مذهل أيضًا مع قوانين الضوء والظل وبنية العلاقات، فالعلاقات هي في جوهرها مزيج بين الضوء والظل يتكاملان ليكشفا لنا حقيقتها. إن ما نحياه من تقارب أو جفاء، وضوح أو غموض، إنما هو انعكاس لهذه الثنائية العميقة.
إن مبحث الضوء والظل في العلاقات الإنسانية، الذي سنخوض فيه هنا، يسعى إلى إعادة قراءة سلوكنا وتواصلنا انطلاقًا من هذه الثنائية الوجودية، في محاولة لضبط السيولة المعرفية التي تحكم العلاقات وتحديدها في قوانين ليست صارمة، لكنها تقدم لنا أدوات للفهم بشكل أفضل. ومن هنا ننتقل من الرؤية التراثية الرمزية للضوء والظل إلى توظيفهما كأدوات عملية لفهم أنفسنا والعالم من حولنا.
مثال على ذلك: عندما نسلّط ضوءًا على جسم مادي معتم، كجدار على سبيل المثال، فإن مركز شعاع الضوء يكون أكثر سطوعًا على الجزء المقابل تمامًا للجدار، أما باقي الأجزاء فيكون فيها الضوء أقل سطوعًا بالتدريج إلى أن نصل إلى مكان معتم تمامًا لا يصله أي شعاع من الضوء.
الآن دعنا نستبدل الجسم المادي، وهو الجدار في المثال السابق، بصفحة معتمة من كتاب ما مكتوب عليها نص ما نريد قراءته. عندما نسلّط شعاع الضوء على جزء معتم من صفحة الكتاب، يتشكّل في المركز حيز دائري مضاء بوضوح، في حين تبقى بقية الصفحة في العتمة. نحن نستطيع أن نقرأ النص الواقع في المنطقة المضيئة بسهولة، أما الأجزاء المعتمة فتبقى غير مقروءة، في حين أن الكلمات القريبة من حافة الضوء تظهر بشكل باهت ويمكن قراءتها بصعوبة، وهي أشبه بظلال باهتة تُقرأ بصعوبة كما لو أنها تتأرجح بين الحضور والغياب، وهذا ما ندعوه بمنطقة الظل. وهذا ما قاله جوردن بيترسون ولكن بطريقة مختلفة حين قال: "إنك ترى الأشياء التي تسهّل تحركك للأمام باتجاه أهدافك المنشودة، ولكنك أعمى عن رؤية كل شيء"2.
هذه الفكرة البسيطة للضوء والظل يمكن تطبيقها على نصوص محكية أيضًا، أو على مشاهد من مسلسل تلفزيوني، أو لوحات فنية وغير فنية. إنها تنطبق على أمثلة لا حصر لها في الحياة والعالم. وبمجرد التدرب على هذه الفكرة واكتساب بعض المهارة، ستجد تطبيقاتها أينما حللت ووقتما تشاء. كلما شاهدت نشرة أخبار، أو قرأت رواية، أو سمعت قصة، أو حكى أحدهم حكاية أو سرد لك حادثة ما، كل تلك الحالات تنطبق عليها طريقة الضوء والظل.
وبنفس الطريقة نقول: نحن نفهم من النص الذي نقرأه فقط المنطقة المضاءة، أما المنطقة المعتمة فلا نفهمها. كذلك ينطبق الشيء نفسه في المحادثة؛ حيث نفهم فقط المنطقة التي يكون شعاع الضوء مسلطًا عليها، أما المنطقة المعتمة من الحديث فلا نراها ولا نلقي لها بالًا، في حين أن المنطقة التي تقع على التخوم يُساء فهمها أحيانًا بقصد وأحيانًا بغير قصد، وهي منطقة حيوية لتلاقح التجارب وتنمية العلاقات.
فالضوء هو شعاع النور (سواء كان فيزيائيًا أو إدراكيًا) المسلط على مكان معين مادي أو معنوي، ويتدرج في شدته من الضوء الخافت إلى الساطع بشدة قد تصل إلى حد العمى البصري. ومما يعزز فهمنا لوجود الضوء الإدراكي ما ورد في القرآن الكريم: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)3، وتشير إلى أن البصر هو مفهوم إدراكي وليس مجرد قدرة فيزيائية فقط.
نحن في هذا المبحث نستخدم منهج الضوء والظل بشكل حركي (ديناميكي)، حيث يتغير المعنى بناءً على تغير سياق الكلام، سواء كان السياق لفظيًا أو سياق الحدث، لذلك أحيانًا يتحول الضوء إلى ظل، والظل إلى ضوء في لحظة أخرى أو مكان آخر، في لعبة ديناميكية من الفهم وعدم الفهم، ومن الإظهار والإخفاء بشكل مستمر ودائم.
مثال على لعبة الضوء والظل: أسعد يقول: إن هذا المطعم المكسيكي أفضل المطاعم في المنطقة. ساري يرد: إن التاكو المكسيكي ذو مذاق طيب وأنا أحبه جدًا، وكلما أرتاد مطعمًا مكسيكيًا أطلب هذا النوع من الطعام. لنحلل هذا النص البسيط المكتوب، والذي هو في الأصل كان نصًا منطوقًا. أسعد وهو المرسل يسلط الضوء على أفضل المطاعم في المنطقة، أما نوعية الطعام فلم يصل إليها أي ضوء، وإن وصل إليها فسيكون ظلًا هزيلًا جدًا. أما ساري فقد سلّط الضوء على نوع الطعام الذي يحبه في المطعم ولم يتحدث عن جودة المطعم. أسعد قد سلّط الضوء على شيء شخصي مفضل لديه وهو يعتبر ضوءًا ساطعًا عنده، أما ساري فقد عتم على ضوء أسعد وسلّط ضوءه الساطع على موضوعه المفضل وهو جودة الطعام.
والآن إذا نظرنا من زاوية مختلفة، سنجد أن ساري قام بإزاحة ضوئية عندما أضاء جزءًا من الظل الذي كان في حديث أسعد، فقد أضاف إلى الحديث بعدًا آخر عندما تحدث عن الطعام الذي يفضله في المطاعم المكسيكية، ونقل ضوء أسعد إلى الظل. هذه الحركة التي قام بها ساري قد حولت الضوء إلى ظل والظل إلى ضوء، وهذا ما يحدث في المحادثات اليومية بشكل يومي ومتكرر معنا جميعًا.
من هذا المثال البسيط من محادثة عادية يتضح أن الضوء والظل هما لعبة الفهم والتواصل أو لعبة الإظهار والإخفاء. الضوء والظل منهج بسيط للفهم، لكنه يحتاج إلى تدريب لتحسين المهارة. تستطيع أن تسقطه على كثير من جوانب الحياة المختلفة: السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها. وهي ستفيد في فهم العلاقات البشرية بشكل أفضل وستحسن مستوى النظر إلى الأشياء والعلاقات بشكل كبير جدًا بواسطة هذه الطريقة البسيطة.
***
الكاتب نبيل عيدو







