قضايا
زهير الخويلدي: تظل الفلسفة اختصاصا فوق المذاهب والفرق
ويتعالى على الدول والامبراطوريات
تظل الفلسفة اختصاصاً فوق المذاهب والفرق، وتتعالى على الدول والإمبراطوريات، لأنها ليست مجرد فن من الفنون أو علم من العلوم، بل هي النشاط الإنساني الوحيد الذي يجعل الإنسان يواجه نفسه ووجوده وكل ما يُبنى حوله من أسوار، في مواجهة مفتوحة لا تعرف حدوداً ولا تُقيَّد بسلطة. فمنذ أن نطق سقراط في أثينا بأن «الفيلسوف هو الذي يعرف أنه لا يعرف»، أصبحت الفلسفة ذلك الصوت الذي يرفض أن يُسجَن داخل مذاهب أو يُستعبد لإمبراطوريات. إنها تتجاوز الفرق الدينية لأنها تسأل عن الإله نفسه قبل أن تؤمن به، وتتجاوز الدول لأنها تُسائل السلطة قبل أن تخضع لها، وتتجاوز الإمبراطوريات لأنها تُفكّك الأساطير التي تُبنى عليها هذه الإمبراطوريات، حتى لو كانت إمبراطوريات العقل ذاتها. في أصولها اليونانية، كانت الفلسفة قد ولدت بالفعل متعالية على المدينة-الدولة. سقراط لم يكن أثينياً يدافع عن ديمقراطية أثينا، بل كان مواطناً كونياً يُحاكم الديمقراطية نفسها أمام محكمة العقل. عندما رفض أن يهرب من السجن، لم يكن يخضع لقانون الدولة، بل كان يُثبت أن العقل أعلى من أي قانون. أفلاطون أخذ هذا الإرث وصاغه في «الجمهورية» التي ليست دولة حقيقية، بل نموذجاً مثالياً يتجاوز كل دولة موجودة، حتى إمبراطورية الإسكندر التي جاءت بعده. أرسطو، تلميذه، لم يقف عند حدود المدينة اليونانية؛ بل جعل المنطق أداة كونية تُطبَّق على كل لغة وعلى كل حضارة.
هكذا أصبحت الفلسفة، منذ البداية، ليست ملكاً لأثينا أو لمقدونيا، بل ملكاً للإنسان كإنسان. وهذا التعالي لم يكن رفاهية، بل كان شرط بقائها: فلو أنها خضعت لمذهب أو لدولة لماتت مع موت ذلك المذهب أو سقوط تلك الدولة. عندما انتقلت الفلسفة إلى العالم الإسلامي في العصر الذهبي، لم تكن مجرد ترجمة لأرسطو، بل كانت تجاوزاً جديداً للفرق والمذاهب. الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد لم يُخضعوا الفلسفة للشريعة، ولم يُخضعوا الشريعة للفلسفة؛ بل جعلوها حكماً بينهما. ابن رشد في «فصل المقال» لم يكن يدافع عن مذهب أشعري أو معتزلي، بل كان يُثبت أن العقل الإنساني قادر على الوصول إلى الحقيقة بغض النظر عن النص الديني. وحينما حُورب ابن رشد في الأندلس، لم تمت الفلسفة معه؛ بل انتقلت إلى أوروبا لتُغذّي النهضة، لأنها كانت قد أصبحت فوق الخلافة العباسية والدولة الأموية والإمبراطورية العثمانية. الفلسفة هنا لم تكن «فلسفة إسلامية» بمعنى الملكية، بل كانت فلسفة الإنسان الذي يحدث أن يكون مسلماً أو يهودياً أو مسيحياً، لكن عقله يظل حراً. ثم جاءت الحداثة الأوروبية لتُؤكّد هذا التعالي بطريقة أشد جذرية. ديكارت لم يكن فرنسياً يخدم الملك لويس الرابع عشر؛ بل كان عقلانياً يُشكّك في كل شيء، حتى في وجود الملك نفسه، حتى وصل إلى «أنا أفكر إذن أنا موجود» الذي يتجاوز كل إمبراطورية. كانط، في كونيغسبرغ، لم يكن يخدم بروسيا؛ بل كان يُعلن أن «التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي هو ذنبه» – قصور لا يقتصر على الكنيسة أو الدولة، بل يشمل كل سلطة خارجية. هيجل رأى في التاريخ نفسه صيرورة الروح المطلقة، لكنه لم يجعل الروح ملكاً لإمبراطورية نابليون أو للدولة البروسية؛ بل جعل كل دولة وكل إمبراطورية لحظة مؤقتة في حركة الروح التي تتجاوزها جميعاً.
نيتشه أعلن موت الإله، لكنه في الوقت نفسه أعلن موت كل إيديولوجيا وكل قومية وكل إمبراطورية تُبنى على أكذوبة «الأنا الجماعي». حتى ماركس، الذي بدا وكأنه يخدم طبقة، كان في الحقيقة يُفكّك كل دولة وكل إمبراطورية بوصفها أدوات للاستغلال، ويُعلن أن الفلسفة الحقيقية هي التي تُغيّر العالم لا التي تفسره فقط – وهذا التغيير نفسه يتجاوز كل حدود قومية. في القرن العشرين، حينما سقطت الإمبراطوريات الكبرى – العثمانية والنمساوية المجرية والبريطانية والسوفييتية – بقيت الفلسفة واقفة. هوسرل في ألمانيا النازية كان يُصفّي الوعي الخالص من كل واقعية قومية. هيدجر، رغم تورطه السياسي المؤسف، كان يُعلن نهاية الميتافيزيقا التي خدمت كل الإمبراطوريات. سارتر في فرنسا المحتلة كان يُعلن أن «الوجود يسبق الماهية»، فالإنسان حر حتى لو كانت الدولة سجناً. هابرماس بعد الحرب العالمية الثانية أعاد بناء العقلانية ليس كعقل ألماني أو أوروبي، بل كعقل تواصلي عابر للحدود يُنقذ الحداثة من براثن الإيديولوجيا. حتى في العالم العربي، كان طه حسين وعلي الوردي وزكي نجيب محمود يُمارسون الفلسفة لا كدفاع عن قومية عربية، بل كتفكيك للأساطير القومية نفسها، وكتجاوز للصراعات المذهبية بين سنة وشيعة أو بين علمانيين وإسلاميين. فما الذي يجعل الفلسفة قادرة على هذا التعالي الدائم؟ إنه طبيعتها المزدوجة: هي نقد وهي بناء في آن واحد. كل مذهب يُقدّم إجابة نهائية، أما الفلسفة فتُسائل الإجابة نفسها. كل دولة تُبنى على أسطورة شرعية، أما الفلسفة فتُفكّك الأسطورة. كل إمبراطورية تُدَّعي أنها نهاية التاريخ، أما الفلسفة فتُعلن أن التاريخ لم ينتهِ بعد، وأن كل نهاية هي بداية جديدة للسؤال. الفلسفة هي فوق المذاهب لأنها تُحوّل المذهب إلى موضوع للتفكير لا إلى قيد للمفكر. وهي فوق الدول لأنها تُحوّل المواطن إلى كائن كوني يُسائل انتماءه نفسه. وهي فوق الإمبراطوريات لأنها تُذكّر كل إمبراطور أن سلطته مؤقتة، وأن العقل الذي يُفكّر فيها أبدي. من ناحية أخرى، تظل الفلسفة ليست مجرد شاهد على الثورات، بل هي الشرارة التي تشعلها، والنور الذي يضيء طريقها، والمحكمة التي تُحاكم نتائجها. فالثورة ليست مجرد انفجار شعبي أو انقلاب سياسي؛ إنها لحظة يُعاد فيها تشكيل الوجود الإنساني نفسه، وهذا الإعادة لا يمكن أن تحدث دون أن يسبقها سؤال فلسفي جذري: ما الذي يجعل النظام القائم غير عادل؟ وما البديل الذي يستحق التضحية بالدم والروح؟
الفلسفة هنا ليست رفيقة الثورة فحسب، بل هي أمها الروحية، لأنها تُحوّل الغضب إلى وعي، والاحتجاج إلى برنامج، والفوضى إلى مشروع تحرري كوني. منذ البداية، كانت الفلسفة ثورية في جوهرها. سقراط، في أثينا، لم يقُد جيشاً ولم يُشعل حريقاً، لكنه أشعل ثورة داخلية في عقول الشباب حينما سأل: «ما العدالة؟» و«من يستحق الحكم؟». هذا السؤال نفسه هو الذي جعل أثينا تُحاكمه وتُعدمه، لأن الديمقراطية نفسها شعرت أن الفلسفة تهدد أسسها. أفلاطون أخذ هذه الثورة السقراطية وجعلها نموذجاً في «الجمهورية»، حيث دعا إلى ثورة كاملة ضد الحكم الديمقراطي الفاسد، مطالبًا بملك فيلسوف يُقلب نظام الأشياء رأساً على عقب. هكذا أصبحت الفلسفة أول من أعلن أن الثورة ليست تغييراً سطحياً للحكام، بل تغييراً للروح الجماعية، للقيم، للأساطير التي تُبنى عليها الدول. أرسطو، بدوره، أضاف البعد العملي: الثورة عنده ليست مجرد تغيير، بل هي تصحيح للانحراف عن الدستور الطبيعي، فالفلسفة هي التي تُحدد متى تكون الثورة مشروعة ومتى تكون فوضى. لكن الثورة الحديثة الحقيقية، كما نعرفها، ولدت من رحم الفلسفة التنويرية. لوك ومونتسكيو وروسو لم يكتبوا بيانات ثورية بالمعنى الحرفي، لكنهم كتبوا الدستور الروحي للثورة الفرنسية والأمريكية. لوك أعلن أن الحكم يقوم على العقد الاجتماعي، وأن الشعب له الحق في الثورة إذا انتهك الحاكم هذا العقد – فكرة أصبحت شعار «لا ضرائب بدون تمثيل» في أمريكا. روسو ذهب أبعد: «الإنسان يولد حراً ويُوجد في كل مكان مقيداً»، فالثورة عنده ليست مجرد تغيير سياسي، بل عودة إلى الطبيعة الحرة، إلى الإرادة العامة التي تُلغي كل سلطة غير مشروعة. حينما اندلعت الثورة الفرنسية عام 1789، كان الشعب يهتف بأسماء هؤلاء الفلاسفة، وكان روبسبيير يقرأ روسو ليبرر الإرهاب الثوري نفسه. الفلسفة هنا لم تكن أداة، بل كانت الوعي الذي حوّل الجياع إلى مواطنين، والرعايا إلى أحرار. كانط، في كونيغسبرغ البعيدة، لم يشارك في الثورة الفرنسية جسدياً، لكنه أعلن أنها «حدث تاريخي لا يُنسى» لأنها أثبتت أن الإنسان قادر على أن يخرج من قصوره الذاتي. كانط رأى في الثورة تجسيداً للعقل العملي: الحرية ليست هدية، بل واجب فلسفي. هيجل أخذ هذا الإرث وجعله جدلياً: الثورة هي لحظة في صيرورة الروح، حيث ينفي الواقع نفسه ليصل إلى مرحلة أعلى. الثورة الفرنسية عنده ليست خطأً، بل ضرورة تاريخية جعلت الحرية تتحقق في الدولة الحديثة. هكذا أصبحت الفلسفة ليست فقط مُلهمة للثورة، بل مُفسِّرة لها، ومُبرِّرة لها، وناقدة لها في الوقت نفسه. ثم جاء ماركس ليُحوّل الفلسفة إلى سلاح ثوري مباشر. في «البيان الشيوعي» و«رأس المال»، لم يعد الفيلسوف يفسر العالم، بل يغيّره. ماركس أخذ من هيجل الجدل، ومن فيورباخ النقد الديني، ومن الاقتصاد السياسي الإنجليزي، ليصنع فلسفة الثورة البروليتارية: الثورة ليست مجرد تغيير سياسي، بل قلب للبنية الاقتصادية نفسها، ثورة تُنهي الاغتراب الإنساني وتُعيد الإنسان إلى ذاته. بدون هذه الفلسفة، لما كانت هناك ثورة أكتوبر 1917 في روسيا، ولا الثورات الصينية والكوبية والفيتنامية. لينين نفسه كان يقرأ هيجل في أثناء المنفى ليُعدّل الماركسية، وماو تسي تونغ كان يُطبّق الفلسفة الماركسية على الواقع الصيني كأداة ثورية. هنا تكشف الفلسفة عن وجهها الأقوى: قدرتها على أن تتحول من تأمل إلى فعل، من نظرية إلى براكسيس. في القرن العشرين، أصبحت الفلسفة شريكة في ثورات التحرر الوطني والوجودية. سارتر وكامو وفانون لم يكتبوا فقط عن الحرية، بل جعلوا الوجودية فلسفة الثورة الجزائرية والكونغولية والفلسطينية. سارتر قال: «الإنسان محكوم عليه بالحرية»، فالثورة هي التعبير الأعلى عن هذه الحرية في مواجهة الاستعمار. فرانز فانون في «معذبو الأرض» حوّل الفلسفة إلى تحليل نفسي وسياسي للعنف الثوري: العنف ليس وحشية، بل تنظيف للوعي المستعمَر. هكذا أصبحت الفلسفة ليست فقط أوروبية، بل كونية، تشعل ثورات في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. حتى في ثورات القرن الحادي والعشرين، كالربيع العربي، كانت الفلسفة حاضرة بصمت عميق. لم تكن هناك كتب فلسفية تُقرأ في الميادين، لكن الأسئلة الفلسفية كانت تُهتف: «الشعب يريد إسقاط النظام» – هذا ليس شعاراً سياسياً فحسب، بل هو صدى لروسو ولوك وماركس. الشباب العربي كان يطالب بالكرامة والحرية والعدالة، وهذه قيم فلسفية قبل أن تكون سياسية. المفكر الايراني علي شريعتي أو الفيلسوف التونسي زهير الخويلدي أو المصري حسن حنفي كانوا يُقدّمون نقداً فلسفياً للاستبداد قبل الثورة وبعدها، يُفككون أساطير الدولة الأمنية ويطالبون بفلسفة عربية جديدة تُعيد بناء الوعي الثوري. حتى في فشل بعض هذه الثورات، كانت الفلسفة هي التي تُحاكم الفشل: لماذا تحولت الثورة إلى استبداد جديد؟ هذا السؤال هو الذي يُبقي الثورة حية في الوعي الجماعي. فما الذي يجعل دور الفلسفة في الثورات بهذا العمق والاستمرار؟ إنه قدرتها على أن تكون نقدية وإبداعية في آن. الفلسفة تنقد الواقع القائم بلا رحمة (نقد الميتافيزيقا عند نيتشه، نقد الإيديولوجيا عند ماركس، نقد السلطة عند فوكو)، ثم تُقدّم رؤية بديلة (المدينة الفاضلة عند أفلاطون، الإرادة العامة عند روسو، المجتمع اللا طبقي عند ماركس، الوجود الحر عند سارتر). هي تُحوّل الثورة من رد فعل غريزي إلى مشروع عقلاني، ومن لحظة عنف إلى عملية تحرر مستمرة. بدون الفلسفة، تتحول الثورات إلى انقلابات أو فوضى أو ديكتاتوريات جديدة. أما معها، فتصبح الثورة لحظة في صيرورة الإنسان نحو الحرية الكاملة. لذلك، تظل الفلسفة في كل ثورة هي الصوت الذي لا يُسكت: صوت يُذكّر الثوار أن السلطة الجديدة قد تصبح استبداداً إذا لم تُحاكم فلسفياً، وأن الحرية ليست نهاية الطريق بل بدايته. الثورة تموت إذا مات السؤال الفلسفي في داخلها. ولهذا السبب، مهما سقطت الأنظمة ومهما انتصرت الثورات أو فشلت، فإن الفلسفة تبقى هي الثورة الدائمة، الثورة التي لا تنتهي لأنها ثورة العقل على كل ما يُقيّده. هي التي تُعلّم الإنسان أن يثور على نفسه أولاً، ثم على العالم، حتى يصبح الوجود كله ثورة مستمرة نحو ما هو أفضل، نحو ما هو إنساني أكثر. لذلك تظل الفلسفة، حتى في أحلك العصور، ذلك الملاذ الذي لا يُغلق. حينما تُحرق الكتب، يبقى السؤال الفلسفي محترقاً في الذاكرة. حينما تُسجن الأجساد، يبقى العقل حراً. حينما تسقط الإمبراطوريات، تبقى الفلسفة تكتب تاريخاً جديداً. إنها ليست اختصاصاً أكاديمياً ضيقاً، بل هي الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها الإنسان أن يعيش فوق كل ما يُبنى حوله من أصنام. ولهذا السبب، مهما تغيّرت المذاهب والفرق، ومهما سقطت الدول والإمبراطوريات، فإن الفلسفة تبقى هي الوحيدة التي لا تسقط، لأنها ليست شيئاً يُبنى، بل هي الفعل الذي يُفكّك كل بناء ويُعيد بناءه على أساس العقل الحر. هذا هو سر بقائها الأبدي، وهذا هو سر تعاليها الذي لا يُقهر: أنها ليست ملك أحد، بل هي الملكية الوحيدة التي يمتلكها كل إنسان بمجرد أن يبدأ في التفكير.
***
د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي






