قضايا
منير محقق: الثقافة الشعبية والإنسانية المشتركة.. نحو أفق جديد لتقارب الشعوب
على سبيل البداية: حين تتكلم الشعوب وتكتب سيرتها بلغتها العميقة خارج كتب التاريخ
ليست الثقافة الشعبية مجرد بقايا من الماضي أو زخارف فولكلورية تُستدعى في المناسبات، بل هي الذاكرة الحية التي تحفظ روح الإنسان عبر الزمن. إنها اللغة غير المكتوبة التي تتحدث بها الشعوب حين تصمت السياسة، والجسر الخفي الذي يربط البشر رغم اختلاف اللغات والحدود والجغرافيا.
فعلى امتداد التاريخ، شكّلت الثقافة الشعبية التعبير الأكثر صدقًا عن التجربة الإنسانية؛ ففي الحكايات المتوارثة، والأمثال المتداولة، والأغاني الجماعية، والطقوس الاجتماعية، تختزن الشعوب خبرتها في الحياة، وتعيد صياغة علاقتها بالعالم وبالآخرين. ولهذا لم تكن الثقافة الشعبية يومًا تراثًا جامدًا، بل كانت دائمًا كائنًا حيًا يتجدد مع تحولات الإنسان والمجتمع.
واليوم، في زمن العولمة والتقنيات الرقمية، لم تعد الثقافة الشعبية محصورة داخل حدودها المحلية، بل تحولت إلى فضاء إنساني مشترك تتقاطع داخله الرموز والتجارب، بما يفتح أفقًا جديدًا لتقارب الشعوب.
الثقافة الشعبية: ذاكرة تصنع الهوية
تحمل الذاكرة الشعبية وظيفة تتجاوز مجرد حفظ الماضي؛ فهي تمنح الجماعة معنى وجودها واستمراريتها. فالأمثال ليست كلمات عابرة، بل خلاصة تجارب طويلة؛ والحكايات ليست تسلية للأطفال، بل مدارس رمزية تُنشئ الوعي الأخلاقي والاجتماعي.
ومن خلال هذه الذاكرة، يشعر الإنسان بانتمائه إلى تاريخ ممتد، حيث يصبح الماضي حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية. إنها آلية خفية تضمن تماسك المجتمع في مواجهة التحولات المتسارعة، إذ يعود الناس إلى مخزونهم الرمزي كلما واجهوا الأزمات بحثًا عن المعنى والاستقرار.
وهكذا، تبدو الثقافة الشعبية كأنها خزان الهوية الجماعية، تحفظها دون أن تجمدها، وتجدّدها دون أن تقطع صلتها بالجذور.
رموز تعبر الزمن ولا تموت
اللافت في الثقافة الشعبية أنها لا تختفي، بل تتحول. فالحكاية التي كانت تُروى حول النار أصبحت فيلمًا أو مسلسلًا، والمثل الشعبي الذي كان يُتداول شفويًا صار ينتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
إن قوة الرمز الشعبي تكمن في قدرته على إعادة تشكيل نفسه بما يلائم كل عصر. فالوسائط تتغير، لكن المعاني الإنسانية تبقى: الشجاعة، الحب، العدالة، التضامن، والأمل.
ولهذا تستمر الثقافة الشعبية لأنها تعبّر عن حاجات إنسانية متكررة، تعود للظهور في صور جديدة كلما تغير الزمن.
الإنسانية المشتركة: حين تلتقي الشعوب دون موعد
تكشف الثقافة الشعبية عن حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: البشر، رغم اختلافاتهم، يعيشون التجارب ذاتها. فالحكايات الشعبية في المغرب تشبه نظيراتها في آسيا أو أوروبا من حيث صراع الخير والشر، وانتصار العدالة في النهاية.
كما تختصر الأمثال الشعبية حكمة إنسانية مشتركة؛ فالمثل المغربي «اليد الواحدة ما تصفقش» يجد نظيره في ثقافات أخرى، وكأن الإنسانية تتحدث بصوت واحد عبر لغات متعددة.
أما الأغاني الشعبية، فهي التعبير الأكثر مباشرة عن المشاعر الإنسانية؛ إذ يستطيع المستمع أن يفهم الحزن أو الفرح في لحن لا يعرف لغته. وهنا تتجلى الثقافة الشعبية كمساحة وجدانية مشتركة تتجاوز الحدود السياسية والثقافية.
الثقافة الشعبية كقوة ناعمة للتقارب الإنساني
في عالم يزداد انقسامًا، تبرز الثقافة الشعبية باعتبارها أحد أهم أدوات الحوار غير الرسمي بين الشعوب. فهي لا تفرض نفسها بالقوة، بل تنتشر عبر الإعجاب والتأثر والتبادل الرمزي.
يكفي أن نتأمل كيف انتشرت الأطعمة والموسيقى والطقوس الاجتماعية عبر العالم لنفهم أن الإنسانية تمارس حوارًا صامتًا دائمًا، تتبادل فيه الشعوب عناصر هويتها دون أن تفقد خصوصيتها.
إن الثقافة الشعبية لا تلغي الاختلاف، بل تحميه؛ فهي تحتضن التنوع وتحوّله إلى مصدر غنى إنساني، مما يجعلها أساسًا ممكنًا لبناء عالم أكثر تسامحًا وتفاهمًا.
نحو أفق إنساني جديد
إن الحديث عن تقارب الشعوب لا يمكن أن يتحقق عبر الخطابات السياسية وحدها، بل يحتاج إلى وعي ثقافي عميق يبدأ من معرفة الذات والانفتاح على الآخر في الوقت نفسه. فالحوار الحقيقي لا يقوم على تلميع الصور المتبادلة، بل على الاعتراف بالتعدد والاحتفاء به.
ومن هنا تبدو الثقافة الشعبية أحد أهم الموارد الحضارية القادرة على إعادة صياغة العلاقات الإنسانية، لأنها تنطلق من الإنسان العادي، من حياته اليومية، ومن مشاعره المشتركة التي لا تعرف الحدود.
إنها دعوة إلى أن نرى العالم لا باعتباره فسيفساء متصارعة، بل عائلة إنسانية كبرى تتقاطع داخلها القصص والأغاني والأحلام.
وفي هذا الأفق، تصبح الثقافة الشعبية أكثر من تراث؛ إنها مشروع إنساني مفتوح نحو مستقبل يقوم على الحوار والتعايش وتقارب الشعوب.
***
بقلم: د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث






