قضايا
ابتهال عبد الوهاب: التفكير المؤجل في ظل الموروث المقدس
ليس أخطر على العقل من تلك الطمأنينة الزائفة التي تمنحها العادة. فبعض الناس لا يدافعون عن الموروث لأنهم فهموه، بل لأنهم اعتادوه؛ ولا يتمسكون به لأنه ثبت لهم صدقه، بل لأنه وصلهم ممهوراً بختم الأسلاف. وهكذا يتحول التراث في أذهانهم من مادة للفهم إلى جدار يمنع الفهم، ومن تجربة إنسانية قابلة للنقد إلى يقين مغلق لا يجوز الاقتراب منه
ومن أغرب مفارقات العقل البشري أن بعض الناس يتحدثون عن الموروث بثقة عاليه، كأن مجرد الانتماء إليه يمنحهم سلطة تفسيره والدفاع عنه. يرفعونه في وجه السؤال كما ترفع الرايات في المعارك، لا ليُفهم، بل ليُحمى من الفهم. وهكذا يتحول التراث عندهم من تجربة إنسانية ثرية إلى حصن ذهنيّ مغلق، تمنع عند بواباته أسئلة العقل
غير أن التراث، في حقيقته، ليس نصا مقدسا، بل نص تاريخي كتبه بشر عاشوا ظروفا خاصه. وفكروا بأدوات عصرهم، وأجابوا عن أسئلة زمانهم. ومن الظلم للعقل أن نحوله إلى صنمٍ ذهني نطوف حوله دون أن نجرؤ على سؤاله.
إن المشكلة لا تكمن في التراث نفسه، فالتراث في جوهره ذاكرة الإنسانية وتجربة العقول التي سبقتنا. لكنه يصبح خطرا حين يختزل في صورة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها. ففي تلك اللحظة يتوقف عن كونه معرفة، ويبدأ في التحول إلى سلطة. والسلطة حين تستقر في الفكر دون مساءلة لا تنتج علما بل تنتج طاعة. وتتحول سريعا إلى نوع من الجمود المعرفي.
إن احترام التراث لا يعني السجود له، بل يعني محاورته. فالعقل الحي لا يرث الأفكار كما يرث البيوت والأراضي، بل يعيد اختبارها في ضوء التجربة والمعرفة. وما كان من الموروث حكمة راسخة سيزداد قوة بالنقد، وما كان وهما أو مبالغة فسيسقط تلقائيا تحت ضوء السؤال.
لهذا كان السؤال هو أول فعلٍ فلسفي في التاريخ. منذ أن وقف الإنسان القديم متسائلا أمام الكون، بدأ طريق المعرفة. فالعقل الذي لا يسأل لا يفكر، والعقل الذي لا يفكر لا يضيف إلى التراث شيئا، بل يكتفي بتكراره كما يكرر الصدى الصوت. ولعل المأساة الفكرية الكبرى في كثير من مجتمعاتنا ليست في وجود التراث، بل في طريقة التعامل معه. إذ يستدعى أحيانا بوصفه نهاية التفكير لا بدايته، وبوصفه جوابا نهائيا لا تجربة قابلة للفهم والنقد. وهنا يفقد التراث روحه الحقيقية. لانه نتاج اجتهادات وتأويلات سابقه
إن التراث الحي هو الذي يدخل حوارا دائما مع العقل المعاصر، لا الذي يتحول إلى منطقة محرمة. فالأفكار التي لا تحتمل النقد لا تستحق البقاء، والأفكار العميقة لا تخشى السؤال، لأنها تعلم أن الحقيقة لا يهددها التفكير، بل يهددها الجمود.
ومن هنا فإن العقل الذي يراجع ويحلل وينقد لا يهدم التراث كما يظن البعض، بل يعيد إليه حياته. فالمعرفة لا تزدهر بالحفظ وحده، بل بالبحث؛ ولا تبقى حية بالتكرار، بل بالوعي. فالتراث الذي نحبه حقا هو التراث الذي نملك الشجاعة لقراءته بعين مفتوحة، لا بعين مغمضة.
أن الفلسفة تعلمنا أن الحقيقة لا تخاف النقد، بل تنمو به. وأن الفكرة التي لا تستطيع احتمال السؤال ليست فكرة راسخة، بل بناء هش تحميه العادة أكثر مما تحميه الحجة. ولهذا كان أعظم ما قدمه العقل الإنساني للحضارة هو الشك المنهجي؛ ذلك الشك الذي لا يهدم الحقيقة بل ينقّيها، ولا يعادي المعرفة بل يحررها من الأوهام التي علقت بها عبر الزمن.
وم المفترض أن يكون التراث نصا مفتوحا على القراءة. وكل قراءة جديدة هي محاولة لإعادة فهمه في ضوء أسئلة الحاضر. أما حين يطلب منا أن نكرره كما وصلنا، دون مراجعة أو تحليل، فإننا لا نحافظ عليه في الحقيقة، بل نحوله إلى متحف فكري صامت، تعرض فيه الأفكار كما تعرض القطع الأثرية: جميلة ربما، لكنها بلا حياة. وبلا روح.
وفي وجهه نظري. الحل يبدأ أولا بإعادة الاعتبار للعقل النقدي في التربية والثقافة؛ عقلٍ يتعلم أن السؤال ليس وقاحة فكرية، بل شرط من شروط المعرفة. فبدلا من تعليم الأجيال الحفظ وحده، يجب أن نعلمهم كيف يفكرون، وكيف يميزون بين الحقيقة والرأي، وبين الحكمة التاريخية والتفسير البشري القابل للخطأ
وهنا لابد أن أقف أمام اشكاليه كبرى. لأن هذا الفهم لا ينمو من فراغ؛ فهو يجد تربته الخصبة حين تهمش الفلسفة وتغيب العلوم الإنسانية عن فضاء الوعي العام. فعندما يقصى التفكير الفلسفي من التعليم والثقافة، يفقد العقل أدواته الأساسية: الشك المنهجي، والتحليل، والقدرة على التمييز بين الفكرة وحاملها، وبين الحقيقة وتاريخها. وحين تختزل المعرفة في التلقين، ويتراجع حضور التاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، يصبح الموروث مادة محفوظة لا تجربة مفهومة. عندئذٍ لا يعود التراث موضوعا للفهم بل موضوعا للحراسة، ويتحول العقل من باحث عن المعنى إلى حارسٍ لليقين. فالفلسفة ليست ترفا ذهنيا كما يتوهم البعض، بل هي الجهاز النقدي الذي يقي المجتمعات من عبادة الأفكار، والعلوم الإنسانية ليست زينة معرفية، بل هي المرآة التي تكشف كيف تتشكل الأفكار داخل التاريخ والمجتمع. وحين تغيب هذه الأدوات، يعلو صوت التكرار ويخفت صوت الفهم، فيبدو الماضي أكثر حضورا من العقل نفسه، وتصبح الذاكرة بديلا عن التفكير.
وثمة حل آخر لا يقل أهمية، وهو نشر ثقافة الحوار بدلا من ثقافة الاتهام. فالنقد ليس عداء للتراث، كما أن الدفاع عنه ليس دليلا على الفهم
وأخيرا، علينا أن نتذكر حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن التراث نفسه كان في زمنه اجتهادا بشريا، لا نصا منزلا . لذلك لا يجب أن نحوله إلى قفص للعقل،و أن نواصل روح السؤال، وروح الاجتهاد، وروح البحث عن الحقيقة.
ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن تفعله أمة لعقول أبنائها ليس أن تثقلها بالموروث، بل أن تمنحها المفاتيح التي تمكنها من قراءته: مفاتيح الفلسفة، وأدوات العلوم الإنسانية، وروح السؤال الحر. فعندئذ فقط يتحول التراث من سلطة على العقل إلى طاقة للعقل؛ ومن عبء على الحاضر إلى جسر يعبر به نحو أفق أوسع من المعرفة والحرية.
***
ابتهال عبد الوهاب






