قضايا
ابتهال عبد الوهاب: الخوف من الجمال.. قراءة فلسفية في بنية المجتمعات المنغلقة
هناك مدن لا تخاف الحرب ولا المجاعة بقدر ما تخاف الجمال. مدن ترتاب من الموسيقى، وتخشى الألوان الطبيعية كما لو كانت تهديدا لنظامها الرمادي الصارم. في تلك الأمكنة يصبح الفرح حدثا مشبوها، ويغدو الغناء نوعا من التمرد الصامت. كأن المدينة قررت، منذ زمن بعيد، أن الحياة ينبغي أن تعاش بلا دهشة، وبلا ضوء.
ترتفع أسوار البيوت فيها شاهقة، لا لتمنع اللصوص، بل لتمنع القلوب من الاقتراب. النوافذ مؤصدة بإحكام، وكأن الضوء نفسه صار متهما يحتاج إلى إذن للدخول. والناس يمشون في الشوارع متجاورين، لكن أرواحهم متباعدة ككواكب باردة لا تلتقي.
لقد فهم ألبير كامو هذه الحالة حين تحدث عن الإنسان الذي يعيش في عالم يفقد معناه، فقال إن أخطر ما يواجهه الإنسان هو الإحساس العميق بالعبث. لكن العبث هنا لا يأتي من الكون، بل من المجتمع نفسه حين يفقد صدقه الداخلي.
ففي هذه المدن الإسمنتية لا يعيش الناس بقدر ما يتوجسون. كل إنسان يراقب الآخر بصمت، وكأن المجتمع قد تحول إلى شبكة خفية من الشك المتبادل. وهنا تتحقق ملاحظة الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز حين قال عبارته الشهيرة إن الإنسان قد يصبح «ذئبا لأخيه الإنسان» عندما يغيب الشعور بالأمان والثقة.
والأغرب أن هذه المجتمعات نفسها لا تتوقف عن الحديث عن الفضيلة. إنها تفيض بالخطب عن مكارم الأخلاق، وتفاخر بأنها الأكثر تمسكا بالقيم. لكنها في حياتها اليومية تبدو عاجزة حتى عن تنظيم الشارع أو الحفاظ على نظافة المكان العام. هنا تتحول الأخلاق إلى شعار اجتماعي لا إلى ممارسة حقيقية.
وقد تنبه الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه إلى هذه الظاهرة حين كتب أن أخطر أنواع الأخلاق هي تلك التي تتحول إلى قناع، لأن القناع يسمح للإنسان أن يبدو فاضلا دون أن يكون كذلك. ولهذا يزدهر في مثل هذه البيئات شيء آخر أكثر خفاء: ثقافة التلصص والسخرية والتهكم.
حين يخاف الناس من التعبير الصريح عن ذواتهم، يلجؤون إلى مراقبة الآخرين والتهكم عليهم. يصبح الضحك سلاحا دفاعيا، والسخرية قناعا يخفي القلق الداخلي.
أما الحب، ذلك الكائن الهش، فإنه لا يستطيع العيش طويلا في مثل هذه الأجواء. فالحب يحتاج إلى الثقة، والثقة تحتاج إلى انفتاح القلب لا إلى إغلاق النوافذ. ولذلك قال الفيلسوف كيركغور إن أخطر أشكال اليأس هو أن يعيش الإنسان بين الناس دون أن يستطيع أن يكون صادقا معهم.
وهكذا تتحول المدينة إلى مسرح كبير للأقنعة. الكلمات تقول شيئا، والواقع يقول شيئا آخر. الشعارات تتحدث عن التسامح، لكن أبسط خلاف مع جار قد يتحول إلى خصومة طويلة. الجميع يتحدث عن السلام، لكن التوتر يسكن القلوب في صمت.
وفي مثل هذه اللحظة يصبح السؤال الفلسفي ملحا: كيف يمكن لمجتمع أن يزعم امتلاك الفضيلة بينما يعجز عن العيش بسلام مع ذاته؟
ربما كان الجواب ما لمح إليه ميشيل فوكو حين أشار إلى أن المجتمعات لا تخفي الحقيقة فقط، بل تنتج أنظمة كاملة من الخطاب تجعل الوهم يبدو حقيقة.
وهكذا تمتلئ المدينة بالأصوات، لكنها تفتقر إلى الصدق. تمتلئ بالمباني، لكنها تفتقر إلى الدفء الإنساني. تمتلئ بالشعارات، لكنها تفتقر إلى الشجاعة الأخلاقية. وحين يحدث ذلك، لا تحتاج الحياة إلى إعلان رسمي كي تغادر المكان. إنها تنسحب بهدوء، كما ينسحب الضوء من غرفة أغلقت نوافذها منذ زمن طويل
ومع ذلك، فليس قدر المدن أن تبقى سجينة هذا الرماد إلى الأبد. فالتاريخ الإنساني كله يشهد بأن أكثر المجتمعات انغلاقا يمكن أن تستعيد قدرتها على التنفس حين تستعيد شجاعتها في طرح الأسئلة.
إن بداية الخلاص لا تبدأ من تغيير العمارة ولا من إعادة طلاء الجدران، بل من إعادة بناء الإنسان نفسه. فالمدينة في حقيقتها ليست حجارة ولا طرقا، بل شبكة معقدة من العلاقات الإنسانية، من الثقة والاعتراف المتبادل. وقد فهم الفيلسوف الألماني هابرماس هذه الحقيقة حين تحدث عن "الفضاء العمومي"، ذلك المجال الذي يلتقي فيه الناس لا كخصوم بل كمواطنين قادرين على الحوار العقلاني. فحين يغيب الحوار، يحل محله الشك، وحين يسود الشك يتحول المجتمع كله إلى سجن غير مرئي.
ولهذا فإن أول خطوة نحو شفاء هذه المدن هي إعادة الاعتبار للكلمة الحرة. ليس بوصفها رفاهية ثقافية، بل بوصفها ضرورة وجودية. فالكلمة الصادقة هي التي تعيد للإنسان إحساسه بأنه مرئي ومسموع. وعندما يشعر الإنسان أن صوته مسموع، يقل خوفه من الآخر، ويتراجع ميله إلى التلصص والسخرية
ثم إن المجتمعات التي تخاف الجمال تحتاج إلى أن تتصالح معه من جديد. فالجمال ليس ترفا، بل ضرورة روحية
الإنسان لا يصبح حرا حقا إلا عندما يتعلم أن يرى العالم بعين الجمال. فالفن، والموسيقى، والألوان ، ليست كماليات، بل هي الوسيلة التي يتعلم بها الإنسان كيف يشعر بالآخرين وكيف يتذوق إنسانيتهم..
الإصلاح لا يكتمل بالجمال وحده، بل يحتاج أيضا إلى شجاعة أخلاقية. فالمجتمعات التي اعتادت الأقنعة تحتاج إلى لحظة صدق جماعية. لحظة يعترف فيها الناس بأن الفضيلة لا تقاس بعدد الخطب، بل بقدرة الإنسان على احترام الآخر في الحياة اليومية: في الشارع، وفي العمل، وفي أبسط تفاصيل العيش المشترك.. إصلاح المدن يبدأ بإعادة الاعتراف بالإنسان.
الاعتراف بحقه في الاختلاف، وفي الفرح، وفي الخطأ أيضا.
ولعل أخطر ما تحتاجه هذه المدن هو استعادة الثقة البسيطة بين الناس.
الثقة التي تبدأ من أشياء صغيرة:
من ابتسامة صادقة في الطريق،
من احترام الآخر ،
من نظافة الشارع،
من القدرة على الاعتذار.
فالأخلاق الحقيقية لا تعيش في الكتب، بل في التفاصيل اليومية للحياة المشتركة.
وحين تتغير هذه التفاصيل، يتغير وجه المدينة
***
ابتهال عبد الوهاب






