قضايا
منير محقق: حضور المرأة في الحكاية الشعبية
على سبيل البدء: تحتل الحكاية الشعبية موقعا أساسيا في خضم السرود العربية، فهي تشكل بؤرتها وهي حاضرة في ثناياها بكل الأشكال الممكنة. فالحكاية الشعبية بالرغم من كونها صوت الشعوب والتعبير التلقائي الفطري عن همومها وأفراحها، فهي رافد من روافد كل الآداب التي يمكن للمبدعين على اختلاف مشاربهم الفكرية والفنية أن يقوموا بعملية إنشائها. يمكن الإشارة هنا على سبيل المثال وليس الحصر أن الحكاية الشعبية المغربية حاضرة بالقوة وبالفعل في ثنايا الروايات المغربية، مثل رواية "بدر زمانه" للكاتب مبارك ربيع ورواية "رائحة الجنة" للكاتب شعيب حليفي ورواية "بريد الدار البيضاء للكاتب نور الدين محقق، وغيرهم من الروائيين المغاربة المعروفين.
من هنا، ونظرا لانشغالاتنا الأكاديمية بدراسة المتن الحكائي المغربي ارتأينا أن نتوقف هنا عند حكاية شعبية مغربية معروفة هي حكاية "هاينة والغول".
بنية العنوان ودلالته
يأخذ العنوان وظيفة تعبيرية دالة بحيث أنه يقدم لنا صورة عن أهم شخصيات هذه الحكاية الشعبية، والتي تتمثل في شخصية "هاينة" أولا وشخصية "الغول" ثانيا. ومنذ البداية تمت عملية تبئير شخصية "هاينة" ولفت نظر القارئ النبيه إليها لأنها احتلت مركز الصدارة في العنوان. وهي شخصية نسائية، في عملية إيحاء دلالي عميق إلى مكانة المرأة وأهميتها في عوالم هذه الحكاية الشعبية وبالتالي داخل بنية المجتمع المغربي برمته. ثم بعد ذلك جاءت الإشارة إلى شخصية "الغول" باعتباره حيوانا عدوانيا مليئا بمختلف الشرور. ومن خلال بنية هذا التقابل الحكائي الشعبي بين كل من شخصية "هاينة" وشخصية "الغول" تتضح لنا معالم الصراع التي يمكن أن تحدث بين هاتين الشخصيتين التي ترمز كل واحدة منهما إلى عالم مختلف عن الآخر، فشخصية "هاينة" ترمز إلى عالم الخير بكل مستوياته، وشخصية "الغول" ترمز إلى عالم الشر بكل مستوياته هو أيضا. والصراع بين كل من شخصية "هاينة" وشخصية "الغول" هو ما يولد الصراع الدرامي في هذه الحكاية ويفتحه على مختلف الآفاق الممكنة.
2- بنية الصراع الدرامي
يأخذ الصراع الدرامي أفقا متصاعدا في حكاية "هاينة والغول"، بحيث يتطور تبعا للآليات السردية المتحكمة فيه، وهي آليات سردية تجعل من الأحداث السردية ترتبط بالأسباب والعلل، فكل سبب حكائي في هذه الحكاية الشعبية يؤدي حتما إلى بروز سبب حكائي جديد، وهو أمر يجعل من عملية توالي الأسباب عوامل أساسية في انبثاق أحداث جديدة. على سبيل المثال نرى أن "هاينة" كانت تعيش مع أخيها بشكل طبيعي، لكن ظهور "الغول" في حياتها وفي حياة أخيها تولد عنه حبس كل واحد منها، وهو ما أدى إلى أكل الغول لأخيها، في حين ونظرا لتميزها برجاحة العقل وبالذكاء الألمعي استطاعت أن تقضي على الغول وأن تجعل منه عبرة لكل من اعتبر. وبينت من خلال هذه الانتصار قدرة المرأة المغربية على التغلب على كل الظروف التي قد تحيط وأن تخرج منها منتصرة أيما انتصار.
3- رمزية الحكاية
يتضح لنا من خلال هذه الحكاية الشعبية المغربية أن صورة المرأة فيها إيجابية جدا في مقابل بعض الحكايات الشعبية المغربية الأخرى المغايرة لها، فالمرأة المغربية في هذه الحكاية الشعبية تتسم بالصبر وبالذكاء وبالقدرة على حسن التصرف وفق الظروف المحيطة بها.
وهو ما جعلنا بالتحديد نقف عنده ونقوم بالكتابة عنها ونوضح من خلالها صورة المرأة المغربية التي تتجلى واضحة بقوة فيها
على سبيل الختام
يذهب الباحث الأكاديمي المغربي نور الدين محقق في كتابه "الرواية العربية والأفق الكوني" إلى كون السرد العربي يشكل في مجمله صورة حية للمجتمع العربي وللمتخيل الشعبي السائد فيه ، وانطلاقا من هنا يمكن اعتبار أن الحكاية الشعبية باعتبارها تنتمي إلى دائرة السرد ، تشكل هي الأخرى صورة قوية لما جرى ويجري داخل بينة المجتمع الذي تنتمي إليه ، وهو ما يجعل من حكاية "هاينة والغول" حكاية معبرة عن المحيط الذي تواجدت فيه، وبالتالي حكاية جديرة بالقراءة والدراسة واستمرارية الحضور.
***
د. منير محقق







