قضايا

زهير الخويلدي: نباهة المفكر الرسالي علي شريعتي والثورة الثقافية

على الاستعمار والاستحمار والاستبداد.. مقاربة حضارية ما بعد كولونيالية

"مشكلتنا... لا تكمن في عدم تطبيقنا الإسلام، بل في أننا لم نفهمهُ بعد"

مقدمة: في سياق الدراسات الحضارية ما بعد الكولونيالية، يبرز علي شريعتي 1933-1977 كمفكر رسالي نابغة، يجسد في فكره ومنهجه نموذجاً للثورة الثقافية التي تتحدى الاستعمار والاستحمار والاستبداد كأشكال مترابطة من الهيمنة الإمبريالية والداخلية. نباهة شريعتي لا تكمن فقط في قدرته على دمج التراث الإسلامي مع الأفكار الثورية الحديثة، بل في رؤيته الحضارية التي تتجاوز الإطار السياسي المباشر لتصبح مشروعاً لإعادة بناء الهوية الإنسانية في مواجهة الاغتراب الحديث. هذه الدراسة تتناول هذه النباهة من خلال مقاربة حضارية ما بعد كولونيالية، تركز على كيفية تحول الثورة الثقافية عنده إلى أداة للتحرر من الثالوث الشرير: الاستعمار الخارجي، الاستحمار الثقافي، والاستبداد الداخلي، دون الاقتصار على التحليل التاريخي، بل بتوسيع النظر إلى الدلالات الحضارية الأعمق. فمن هو على شريعتي؟ أين تمدرس؟ وبمن تأثر؟ وماهو دوره في الثورة الايرانية؟ وكيف ظل ارثه الثوري معين لا ينضب للأجيال المتعاقبة المتعطشة للتحرر والعدالة والمساواة؟ وماذا يمكن أن يقدم لنا الآن من دروس تنويرية؟

مفكر رسالي حضاري مابعد كولونيالي

"لا فرق بين الاستعمار والاستحمار سوى أن الأول يأتي من الخارج والثاني يأتي من الداخل".

يبدأ فهم نباهة شريعتي من موقعه كمفكر رسالي، أي صاحب رسالة تتجاوز الفكر النظري إلى الفعل الثوري. ولد شريعتي في إيران عام 1933، في عصر يشهد صراعاً بين الحداثة الغربية المفروضة والتراث الإسلامي المكبوت، وتأثر بتجارب الاستعمار البريطاني والأمريكي في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى حركات التحرر في العالم الثالث. نباهته تكمن في إعادة تفسير الإسلام ليس كدين جامد، بل كقوة ثورية حية قادرة على مواجهة الاغتراب الذي يفرضه الاستعمار. في رؤيته، الإسلام ليس مجرد عقيدة روحية، بل هو "دين الثورة" الذي يجمع بين التوحيد الاجتماعي والعدالة الإنسانية، مستلهماً من الشيعة الإمامية مفهوم الانتظار الثوري للإمام المهدي كرمز للقيام ضد الظلم. هذه النباهة تظهر في قدرته على نقد الحداثة الغربية كمشروع استعماري يهدف إلى تفتيت الهويات الثقافية، وفي الوقت نفسه، استلهام عناصر منها مثل الفكر الوجودي والماركسي ليدمجها في إطار إسلامي، مما يجعله رائداً في المقاربة الحضارية ما بعد الكولونيالية التي ترى في التراث المحلي مصدراً للتحرر.

الثورة الثقافية عند شريعتي هي الجوهر الذي يربط بين نباهته ومقاومة الاستعمار. يرى شريعتي أن الاستعمار ليس مجرد احتلال عسكري أو اقتصادي، بل هو عملية حضارية تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الجماعي للشعوب المستعمرة، محولاً إياها إلى كائنات خاضعة تفقد إرادتها الذاتية. في هذا السياق، يقدم شريعتي مفهوماً حضارياً ما بعد كولونيالياً يؤكد أن الثورة الحقيقية تبدأ من الثقافة، لأنها المجال الذي يسيطر فيه الاستعمار على العقول قبل الأجساد. نباهته تتجلى في تشخيصه للاستعمار كعملية "استلاب" حضاري، حيث يفرض الغرب نموذجه الحضاري كمعيار عالمي، محتقراً الحضارات الأخرى كمتخلفة أو بربرية. لمواجهة ذلك، يدعو شريعتي إلى ثورة ثقافية تعيد اكتشاف الذات الحضارية الإسلامية، مستلهماً من فرانز فانون فكرة التحرر النفسي، لكنه يضيف البعد الروحي الإسلامي كأداة لاستعادة الكرامة. هذه الثورة ليست عنيفة فقط، بل هي تحول داخلي يبدأ بإعادة تفسير النصوص الدينية لتكون أداة للتحرير، كما في كتاباته عن "التوحيد الاجتماعي" الذي يرى فيه رفضاً للطبقية والاستغلال الاستعماري، مما يجعل مقاربته حضارية تتجاوز الدولة القومية إلى بناء حضارة إسلامية بديلة.

أما الاستحمار، فهو أحد أبرز ابتكارات شريعتي الفكرية، ويعكس نباهته في كشف الآليات الخفية للهيمنة. يعرف شريعتي الاستحمار كعملية تجهيل مقصودة تجعل الشعوب المستعمرة تفقد قدرتها على التفكير النقدي، محولة إياها إلى كائنات سلبية تتقبل الظلم كقدر محتوم. في مقاربته ما بعد الكولونيالية، يرى أن الاستحمار هو الوجه الثقافي للاستعمار، حيث يستخدم الغرب التعليم والإعلام والثقافة المستوردة لزرع الشعور بالدونية، مما يجعل الشعوب تقلد الغرب دون إدراك أن ذلك يعزز سيطرته. نباهة شريعتي تظهر في ربطه الاستحمار بالاستبداد الداخلي، إذ يصبح الحكام المحليون أدوات للاستحمار عبر ترويج ثقافة الخضوع والجهل. لمواجهة ذلك، يقترح ثورة ثقافية تعتمد على "الوعي الثوري"، مستلهماً من الشيعة مفهوم الشهادة كفعل تنويري يوقظ الجماهير. هذه الثورة حضارية بامتياز، إذ تهدف إلى بناء إنسان جديد يتجاوز الاغتراب الاستعماري، من خلال إعادة بناء التعليم والفنون والأدب كأدوات للتحرر، مما يجعل فكره يتجاوز السياسي إلى الوجودي، حيث يصبح الإنسان المستحمَر موضوعاً للتحرير الحضاري.

في مواجهة الاستبداد، تتجلى نباهة شريعتي في نقده للديكتاتورية كامتداد داخلي للاستعمار. يرى أن الاستبداد ليس مجرد نظام سياسي، بل هو حالة حضارية تكرس الاستحمار والاستعمار، حيث يتحالف الحكام المستبدون مع القوى الاستعمارية للحفاظ على سلطتهم. في مقاربته ما بعد الكولونيالية، ينتقد شريعتي الاستبداد كشكل من أشكال "الحداثة المزيفة" التي تقلد الغرب في السيطرة دون تبني قيمه الديمقراطية، مما يؤدي إلى اغتراب الشعب عن تراثه. نباهته تكمن في اقتراحه لـ"الإمامة الثورية" كبديل، مستلهماً من الشيعة فكرة القيادة الروحية التي تكون مسؤولة أمام الجماهير، لا فوقها، مما يجعل الثورة الثقافية أداة لإسقاط الاستبداد من خلال بناء وعي جماعي يرفض الخضوع. هذه الرؤية تحول الثورة من حدث سياسي إلى تحول حضاري، حيث يصبح الإسلام أداة للديمقراطية الشعبية، متجاوزاً الديكتاتورية الشرقية والاستبداد الغربي المقنع.

من منظور حضاري ما بعد كولونيالي، تكتمل نباهة شريعتي في ربطه الثورة الثقافية بالثالوث الشرير ككل. يرى أن الاستعمار والاستحمار والاستبداد مترابطة في نظام عالمي يهدف إلى تدمير الحضارات غير الغربية، وأن التحرر يتطلب ثورة حضارية تعيد بناء العالم من منظور إسلامي. نباهته تظهر في تجاوزه للثنائيات الغربية مثل الدين مقابل العلمانية، أو الثورة مقابل الإصلاح، ليبني نموذجاً هجيناً يدمج التراث مع الحداثة النقدية. هذه المقاربة تجعل فكره ذا صلة مستمرة، إذ يقدم بديلاً حضارياً للعولمة الاستعمارية، حيث تصبح الثورة الثقافية مشروعاً لإعادة صياغة الإنسانية على أسس العدالة والروحانية.

مفهوم الإمامة الثورية

"لا تقل للباطل نعم مهما كانت المصلحة"

فكرة الإمامة الثورية عند علي شريعتي تمثل إحدى أبرز الابتكارات الفكرية في سياق رؤيته للإسلام كأيديولوجيا تحررية وثورية، حيث يعيد تفسير مفهوم الإمامة الشيعي التقليدي ليصبح أداة سياسية واجتماعية لمواجهة الاستبداد والاستعمار والاغتراب الحديث. هذه الفكرة ليست مجرد إعادة صياغة للعقيدة الشيعية الكلاسيكية، بل هي تحول جذري يجعل الإمامة نموذجاً للقيادة الثورية المسؤولة أمام الأمة، لا فوقها، مستلهماً من التراث الإسلامي مع دمج تأثيرات حديثة من الفكر الوجودي واليساري والتحرري. في هذه الدراسة، سنتناول مفهوم الإمامة الثورية بشكل موسع ومعمق، مسترسلاً في أبعاده النظرية والتطبيقية ضمن إطار حضاري ما بعد كولونيالي يربط بين الروحانية والثورة الاجتماعية.

ينطلق الشهيد شريعتي من نقد الإمامة التقليدية التي تحولت، في رأيه، إلى شكل من أشكال الاستبداد الديني أو الصفوي، حيث أصبحت الإمامة رمزاً للسلطة الهرمية المقدسة التي تفصل بين القيادة والجماهير، محولة الدين إلى أداة لتبرير الظلم الطبقي والسياسي. في كتابه الشهير "الأمة والإمامة"، يعيد شريعتي تعريف الإمامة كقيادة اجتماعية ثورية ترتبط ارتباطاً عضوياً بالأمة، لا كسلطة وراثية أو روحية منفصلة. الإمام، في هذا السياق، ليس مجرد وريث نبوي ينتظر الطاعة العمياء، بل هو قائد يقود الأمة نحو تحقيق التوحيد الاجتماعي والعدالة، مستمداً شرعيته من وعي الجماهير ومسؤوليته أمامها. هذا التفسير يجعل الإمامة امتداداً للرسالة النبوية في مواجهة الشرك الاجتماعي، حيث يصبح الإمام رمزاً للثورة المستمرة ضد كل أشكال الاستعباد، سواء كان استعمارياً خارجياً أو استبدادياً داخلياً.

من الناحية الفلسفية، تكمن نباهة شريعتي في ربط الإمامة الثورية بمفهوم الانتظار الشيعي، الذي يحوله من حالة سلبية (انتظار المهدي كغيبة) إلى حالة نشطة ثورية. الانتظار عنده ليس جلوساً سلبياً، بل جهاد مستمر لإعداد الأرضية لظهور الإمام المنتظر، من خلال بناء مجتمع توحيدي خالٍ من الطبقية والظلم. هنا، يصبح الإمام الثوري نموذجاً للقيادة التي ترفض السلطة المطلقة، وتدعو إلى ديمقراطية إسلامية شعبية، حيث تكون القيادة مسؤولة أمام الأمة ومستمدة من إرادتها الجماعية. هذا التحول يتجاوز الثنائية التقليدية بين الإمامة والخلافة، إذ يرى شريعتي أن الفصل بينهما انعكاس للفكر الغربي الانتقائي، بينما في الإسلام الحقيقي لا فصل بين الدين والسياسة، فالإمامة هي أداء الرسالة الاجتماعية للنبي في تكوين الأمة ككيان موحد يسير نحو هدف مشترك وقبلة واحدة.

من الجانب الاجتماعي، تمثل الإمامة الثورية رفضاً للاستحمار والاستبداد معاً. شريعتي يرى أن الإمامة التقليدية ساهمت في تشويه الشيعة بفعل التأثيرات الصفوية، التي حولتها إلى دين سلطة يبرر الطبقية والقمع. أما الإمامة الثورية فهي عودة إلى "الشيعة العلوية" أو "الشيعة الحمراء"، التي تمثل الثورة والمقاومة والعدالة الاجتماعية، مقابل "الشيعة السوداء" أو "الشيعة الصفوية" التي تمثل الرجعية والخضوع. هذا التمييز يجعل الإمامة أداة للتحرر الطبقي، حيث يصبح الإمام قائداً يقود الشعب ضد الاستغلال، مستلهماً من كربلاء كرمز للثورة ضد الظلم، لا كمجرد حداد سنوي. في هذا الإطار، تتحول الإمامة إلى مشروع حضاري يبني إنساناً جديداً واعياً، مسؤولاً، ثورياً، يندمج في الجماعة دون أن يذوب فيها، ويحمل مسؤولية مواجهة الظلم بوعي وإرادة.

من منظور ما بعد كولونيالي، تكتمل فكرة الإمامة الثورية كبديل حضاري للحداثة الغربية والاستبداد الشرقي. شريعتي ينتقد النماذج الغربية للديمقراطية التي تخفي الاستعمار والطبقية، وينتقد كذلك الأنظمة الاستبدادية المحلية التي تقلد الغرب في القمع. الإمامة الثورية تقدم نموذجاً إسلامياً يجمع بين الروحانية والعدالة الاجتماعية، حيث تصبح القيادة امتداداً للأمة، لا عليها، وتكون مسؤولة أمام الله والشعب معاً. هذا يجعلها أداة للتحرر النفسي والاجتماعي، مستلهماً من فرانز فانون في نقد الاستعمار، لكنه يضيف البعد الإسلامي الذي يجعل الثورة ليست مادية فقط، بل روحية تحقق التوحيد في الواقع الاجتماعي.

أما في التطبيق، فإن شريعتي يرى أن الإمامة الثورية تتحقق من خلال الوعي الجماعي والثورة الثقافية، لا من خلال سلطة هرمية. الشباب والمثقفون هم الذين يحملون هذه الإمامة في مرحلة الغيبة، من خلال الجهاد الفكري والعملي لإعداد الأمة للعدالة الكاملة. هذا يجعل الفكرة ديناميكية، قابلة للتجدد في كل عصر، حيث يصبح كل فرد مسؤولاً عن تحقيق جزء من الإمامة الثورية في مواجهة الظلم المعاصر.

فكرة التوحيد الاجتماعي

"الحرب بين المسلمين ليست حرباً بين التشيع والتسنن ، ولا من أجل العقيدة ، بل هي معركة بين مصالح دول ضحيتها العوام من السنة والشيعة"

في سياق الفكر الإسلامي الثوري، يمثل مفهوم التوحيد الاجتماعي عند علي شريعتي قمة النباهة الفلسفية والاجتماعية، حيث يتجاوز التوحيد كونه عقيدة دينية مجردة ليصبح أساساً لنظام حضاري يحرر الإنسان من كل أشكال الشرك الاجتماعي والسياسي. هذا المفهوم، الذي طوره شريعتي في سياق مواجهة الاستعمار والاستبداد، يعكس رؤية حضارية ما بعد كولونيالية تربط بين الوحدة الإلهية والوحدة الإنسانية، محولاً التوحيد إلى أداة للثورة الاجتماعية التي تهدف إلى بناء مجتمع عادل خالٍ من الطبقية والاستغلال. في هذه الدراسة، سنتوسع في أفكار التوحيد الاجتماعي من خلال استكشاف أبعاده النظرية والتطبيقية، مع التركيز على كيفية تحويله من مبدأ روحي إلى مشروع تحرري يواجه الاغتراب الحديث، مستلهماً من التراث الإسلامي ومدمجاً مع النقد الاجتماعي المعاصر.

يبدأ توسع شريعتي في فكرة التوحيد الاجتماعي من إعادة تفسير التوحيد الإسلامي كديالكتيك حضاري يجمع بين الجانب الروحي والاجتماعي. في رؤيته، التوحيد ليس مجرد إعلان وحدة الله، بل هو رفض لكل أشكال الشرك، سواء كان شركاً دينياً أو اجتماعياً. هنا، يقدم شريعتي مفهوماً معمقاً يرى في التوحيد "التوحيد الاجتماعي" كتجسيد للوحدة الإنسانية، حيث يصبح المجتمع الموحد في المساواة والعدالة مرآة للوحدة الإلهية. هذا التوسع يعتمد على ديالكتيك يربط بين الإثبات الإلهي والنفي الاجتماعي: إثبات وحدة الله يعني نفي كل قوى بشرية تفرض سلطتها على الإنسان، سواء كانت طبقات حاكمة أو قوى استعمارية. في هذا السياق، يصبح التوحيد الاجتماعي أساساً لنقد الرأسمالية والاشتراكية المادية، إذ يرى شريعتي أن كل نظام يقسم المجتمع إلى طبقات هو شكل من أشكال الشرك، حيث يعبد الإنسان قوى أخرى غير الله، مثل المال أو السلطة. هذا التوسع يجعل التوحيد ليس عقيدة فردية، بل مشروعاً جماعياً يدعو إلى بناء مجتمع يعكس الوحدة الكونية، مستلهماً من قصة قابيل وهابيل كرمز للصراع الأبدي بين التوحيد (العدالة) والشرك (الاستغلال)، حيث يمثل قابيل الطبقة المالكة التي تقتل الإنسانية، وهابيل الشعب المضطهد الذي يقاوم.

من الناحية الفلسفية، يعمق شريعتي أفكار التوحيد الاجتماعي بجعله ركيزة للتحرر الإنساني من الاغتراب الحديث. في مواجهة الحداثة الغربية، التي يراها شريعتي كمشروع استعماري يفرض نموذجاً إنسانياً مشوهاً يقوم على الإلحاد أو الشرك المقنع، يقدم التوحيد الاجتماعي كبديل حضاري يعيد الإنسان إلى مركزه كخليفة الله على الأرض. هذا التوسع يتجاوز الديني ليشمل النقد الوجودي، حيث يرى أن الإنسان في عالم التوحيد يخاف قوة واحدة فقط ويجيب أمام قاضٍ واحد، مما يحرره من الخضوع للسلطات البشرية. هنا، يدمج شريعتي تأثيرات من الفكر الوجودي مثل سارتر وهيدغر مع التراث الشيعي، حيث يصبح الانتظار للإمام المهدي شكلاً من الانتظار الثوري الذي يحول التوحيد إلى فعل اجتماعي. التوحيد الاجتماعي، في هذا السياق، هو لاهوت تحرير يربط بين الروحانية والمادية، حيث يصبح الإيمان بالله دافعاً للثورة ضد الظلم، ويصبح المجتمع المثالي مجتمعاً توحيدياً يقوم على المساواة، لا على التنافس أو الاستغلال. هذا العمق يجعل التوحيد ليس مجرد عقيدة، بل نموذجاً حضارياً ينتقد الإنسانية الحديثة كشكل من أشكال الشرك الذي يقدس التقنية والاقتصاد على حساب الروح الإنسانية.

أما من الجانب السياسي، فيتوسع شريعتي في أفكار التوحيد الاجتماعي ليجعله أساساً للثورة ضد الاستبداد والاستعمار. في رؤيته، الاستبداد الداخلي هو امتداد للشرك الاجتماعي، حيث يصبح الحاكم إلهاً مزيفاً يفرض سلطته على الشعب، محولاً المجتمع إلى عبيد. هنا، يصبح التوحيد الاجتماعي دعوة للتمرد، حيث يرمز إلى تحرر الإنسانية من أي قوة اجتماعية غير الله، مما يجعل الثورة واجباً دينياً. هذا التوسع يربط بين التوحيد والعدالة، إذ يرى أن المجتمع التوحيدي هو مجتمع خالٍ من الطبقات، حيث يصبح الجميع متساوين أمام الله، وبالتالي أمام بعضهم البعض. شريعتي يعمق هذه الفكرة بجعلها جزءاً من الثورة الثقافية، حيث يجب على الشعوب المستعمرة أن تعيد اكتشاف توحيدها الاجتماعي لتقاوم الاستحمار الثقافي الذي يزرع الشعور بالدونية. في هذا السياق، يصبح التوحيد أداة للتحرير الشامل، مستلهماً من حركات التحرر في العالم الثالث، لكنه يضيف البعد الروحي الذي يجعل الثورة ليست مادية فقط، بل حضارية تستهدف بناء عالم جديد يعكس الوحدة الإلهية في الوجود الاجتماعي.

كذلك، يمتد التوسع في أفكار التوحيد الاجتماعي إلى البعد الثقافي والتربوي، حيث يرى شريعتي أن التعليم والثقافة هما المجالان الرئيسيان لزرع بذور التوحيد. في مواجهة الاستحمار، الذي يجعل الشعوب تفقد قدرتها على التفكير النقدي، يقترح شريعتي ثورة ثقافية تعتمد على التوحيد الاجتماعي كأساس للوعي الجماعي. هذا التوسع يعمق الفكرة بجعل التوحيد أداة لإعادة بناء الهوية الثقافية، حيث يصبح الإنسان الموحد اجتماعياً إنساناً حرّاً يرفض التقليد الأعمى للغرب، ويبني حضارته على أسس إسلامية متجددة. هنا، يصبح التوحيد نموذجاً للتحرر النفسي، مستلهماً من فرانز فانون، لكنه يضيف الجانب الديني الذي يجعل التحرر ليس فردياً بل جماعياً، يؤدي إلى مجتمع يعيش الوحدة في كل جوانب الحياة، من الاقتصاد إلى السياسة. هذا العمق يجعل التوحيد الاجتماعي مشروعاً حضارياً يتجاوز الإصلاح المؤقت إلى التحول الجذري، حيث يصبح كل فرد مسؤولاً عن تحقيق الوحدة الاجتماعية كامتداد للوحدة الإلهية.

خاتمة

"إذا لم يكن الناس على وعي وثقافة قبل الثورة، فلا يلوموا أحداً حينما تُسرق ثورتهم ."

في نهاية المطاف، يمثل توسع علي شريعتي في أفكار التوحيد الاجتماعي نقلة نوعية في الفكر الإسلامي، حيث يحول التوحيد من عقيدة روحية إلى أساس حضاري للثورة والتحرر. هذا التوسع، الذي يربط بين الديالكتيك الروحي والاجتماعي، يقدم نموذجاً لمواجهة الاغتراب الحديث، مؤكداً أن التوحيد الاجتماعي هو الطريق لبناء مجتمع عادل يعكس الوحدة الكونية، وأن الثورة الحقيقية تبدأ من إعادة اكتشاف هذه الوحدة في مواجهة كل أشكال الشرك والظلم. هذه الأفكار ليست نظرية مجردة، بل رسالة حية تدعو إلى فعل يغير الواقع الاجتماعي نحو عالم أفضل، مستمداً قوته من جذور الإسلام الثوري.

كما، تمثل فكرة الإمامة الثورية عند علي شريعتي نقلة نوعية في الفكر الإسلامي المعاصر، تحول الإمامة من عقيدة روحية إلى مشروع ثوري حضاري يواجه الاستعمار والاستبداد والاستحمار. هي دعوة لقيادة اجتماعية مسؤولة، مرتبطة بالأمة، تهدف إلى بناء مجتمع توحيدي عادل، يعكس الرسالة النبوية في عصرنا. هذه الفكرة ليست نظرية مجردة، بل رسالة حية ألهمت أجيالاً في مواجهة الظلم، مؤكدة أن الإمامة الحقيقية هي الثورة المستمرة نحو العدل والحرية، مستمدة قوتها من التراث الإسلامي الثوري ومن الوعي الإنساني المعاصر.

ربما، نباهة علي شريعتي كمفكر رسالي تكمن في تحول الثورة الثقافية إلى سلاح حضاري ضد الاستعمار والاستحمار والاستبداد، من خلال مقاربة ما بعد كولونيالية ترى في الإسلام مصدراً للتحرر العالمي. هذه النباهة ليست نظرية مجردة، بل رسالة حية تدعو إلى بناء حضارة جديدة تتجاوز الاغتراب الحديث، مؤكدة أن الثورة الحقيقية تبدأ من الوعي الثقافي وتنتهي بإعادة تشكيل العالم على أسس التوحيد والعدالة. فالي أي مدى تسير الأحداث الجارية في المنطقة الإسلمية وفق ما تنبأ به هذا المفكر الرسالي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في المثقف اليوم