قضايا

عبد الأمير كاظم زاهد: قراءه في اراء فؤاد زكريا

فؤاد زكريا اكاديمي مصري ولد في بور سعيد ودخل كلية الآداب بجامعة القاهرة – قسم الفلسفة وتتلمذ على يد الأستاذ المشهور زكي نجيب محمود، وتخرج منها بالبكالوريوس عام 1949، فعين معبدا في الكلية ونال الماجستير عام 1952 من جامعة عين شمس وقد كتب رسالته عن الفيلسوف الألماني (نيتشه) المتوفى 1900 الفيلسوف العدمي المتمرد على القيم السائدة عام 1952 ونال الدكتوراه منها عام 1956 فعمل أستاذا في قسم الفلسفة جامعة عين شمس ثم عمل بالكويت خلفا لزكي نجيب محمود، و عمل مستشارا لليونسكو، وخبيرا ومشرفا على سلسله عالم المعرفة

 لقد كتب فؤاد زكريا ستة عشر كتابا منها (الصحوة الإسلامية في ميزان القوى) وكتاب (التفكير العلمي) و(خطاب الى العقل العربي) وكتاب (الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية) و(اراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة) وكتب أخرى ويعد فؤاد زكريا من المشتغلين المهمين في الحقل الفلسفي واشتهر بنصرته للعلمانية الراديكالية، والعقلانية النقدية . ومن خلال التقصي في كتبة التي ذكرناها يمكننا استقاء اهم إرائه الفلسفية والفكرية ولا سيما ماله صلة بالنهضة والانبعاث الحضاري في العالم العربي ومن اهم تلك الآراء

1- مفهومه عن التخلف: يرى زكريا ان التخلف ناتج عن منظومة (عوامل) تبدأ من تردي وعدم فاعلية الأسس الفكرية والمباني الأساسية لبناء الانسان فلسفة التنشئة الاجتماعية، وتخلف الفهم العام للأفكار والقضايا وتردي الفهم التخصصي، وتراجع الأدوات البحثية، وافتقاد البحث عن الجدوى، ومعالجة التخلف باتجاه الفعل الحضاري للتنمية والانبعاث يحتاج تفكيك هذه المنظومة ومعالجة مكوناتها ضمن مساريين، الأول معالجة كل عامل على حده ثم معالجه تضافر العوامل كمنظومه منتجه للتخلف لكن الذي يرد على زكريا ما فلسفة الفهم وما فلسفة المعالجة؟

2- ويعتقد ان الثقافة المجتمعية العامة فرع عن النظام التعليمي المنتج للنظام المعرفي، فيرى ان النظام التعليمي مقدمة أساسية للنظام الثقافي العام وعلى راس ذلك النظام (مهارات التفكير) ونظام البرهنة وتماميه الاستدلال وغير ذلك من عوامل التفكير المنتج، فالنظام التعليمي يؤثر في عموم النظام الثقافي ليشكل البيئة (النهضوية) وعلية فان نمط التعليم عامل مؤثر جدا في عموم الثقافة سواء على مستوى النخبة او الثقافة العمومية ومزايا التفكير والتأمل والحوار، فحينما نفتقد لنظام التعليم ممتاز فاننا سنقع في عجز البنية الثقافية، ويتسبب عنها افتقاد الناس لنمط تفكير صحيح، وجاد

3- وبناء على ما تقدم فانه يعتقد ان النظام المعرفي والثقافي الذي تردى من القرن الثامن الهجري أدى الى تخلف الأسس الفكرية للمجتمع المعاصر وكما ادى الى التراجع الحضاري سابقا فقد صار تراجعا مزمنا وانتج ذلك التراجع الى خصومة (غير مبرره) مع الفكر الفلسفي وتسبب باهدار القيمة العلمية للمنطق ومسالك الاستدلال، وتدخلت الدولة في إيقاف العقل عن ممارسة الاجتهاد، واستمر هذا التراجع متراكما حتى القرن الرابع عشر الهجري فتكونت فجوه (معرفية\ وادواتيه) بين نهايات عصر الإنجازات العلمية في الحضارة العربية الاسلامية وزمن (الاصطدام) بالحضارة الغربية اواخر القرن التاسع عشر، بحيث لم يعد بالإمكان ردم هذه الفجوة الزمنية وصارت الدعوة الى احياء التراث دعوة تعوزها مقدمة مهمة وهي ضرورة (ردم الفجوة الحضارية) فلم يعد التراث قاعدة فكرية جاهزة ليكون (نظرية للنهضة) فاختار جمع من الناس مسلك الخروج من دائرة التراث الى (استيراد المعرفة ووتبني الادواتية الغربية وتسبب هذا في رد فعل فقام من تمسك بالتراث واعلن مقولة الاسلام هو الحل فاعلن قبالته فؤاد زكريا (العلمانية هي الحل) وهنا يلاحظ على فؤاد زكريا انه لم يفكر (برؤيه) تقوم على فرز التراث وتنقيته واستخلاص الأفكار الإحصائية منه، ونقد العناصر المميتة فيه كطريق ثالث وكما تطرف التراثيون تطرف العلمانيون كما وضح ذلك عند فؤاد زكريا

4- وكان من صور فشل التنمية الشاملة (للإنسان والموارد) ان دولنا اعتمدت على الاقتصاد الربعي (الذي لا تعتمد فيه الدولة على الإنتاج المتعدد واقتصاديات المعرفة، اذ ركزت على اقتصاد يعنى ببيع ثروات البلدان الطبيعية من دون مراعاة لتأثير الزمان على نمط خلق تدابير عصرية للعيش المتوازن الآمن وبذلك صارت الدولة مؤسسة لإدارة البطالة المقنعة وصار الافراد غير منتجين يتقاضون رواتبهم من الدولة وماتت قدراتهم على التفكير والابداع واختفت الرؤى عند حصول مشكلات فقدان الامن الغذائي

5- ويشخص فؤاد زكريا انه تبعا لتردي النظام الثقافي الجاد صارت القناعات والأفكار رؤى سطحية وقناعات موهومة وصار (كل يعتقد انه يملك كامل الحقيقة)، ويفضي به هذا الحل - في الغالب- الى التطرف المؤدي في الغالب الى العنف وبذلك: مهدت هذه الحالة الى ظهور سلفيات متنوعة مثل السلفية الماركسية، والسلفية العلمانية والسلفية الدينية وسيادة المعاير المستفادة من فكر فلسفي، عند ذلك الغي الاهتمام بالحاضر (ناهيك عن المستقبل وغاب النقد والاستدلال المنتج، والمقارنات الكاشفة عنه في مجهودات تكامل النظريات

و في هذه الأجواء ينمو الاستبداد بأنواعه السياسي والديني وويتصاعد الفهم السلبي للدين، ويكون التضليل السياسي هو السائد وكل ما تقدم فكر يشجع وتأثر النزعات الأصولية وتمهيد الأرضية للإرهاب والتعصب والطائفية والفساد والعنصرية العرقية وعند ذلك يصعب ان تقوم دولة المواطنة والحداثة والحريات وتستبدل بدولة (المكونات) وتغيب سياسات العدالة الاجتماعية وعوامل السلم الأهلي

الامر الذي يعد محل مناقشة ونظر في اراء فؤاد زكريا اعتقاده بوصفه مفكرا عقلانيا نقديا اراء راديكالية منها ان العلمانية ضرورة حضارية وتاريخية، وهي عابرة للازمان والجغرافيا

ويستشعر النزعة الاستبدادية في النظام السياسي للخلافة في بلاد المسلمين، فيرى ان التاريخ والتراث الإسلامي هو تاريخ الاستبداد ويرتب عليه قوله (ان مشروع تطبيق الحقوق في الشريعة في عصورنا هو استعادة الأوضاع القرونية الوسطى،

 ويعتقد أيضا ان الكلاسيكية الإسلامية عصية على التعاطي مع الحداثة، ومع حقوق الانسان ويضرب لذلك مثلا فتوى ابن تيمية في اهل ماردين الذي افتى بقتلهم جميعا،

 وأشار ان هذا الموقف لانبغي ان يثير المشاعر لان الفكر الكلاسيكي يرسخ (الدوغمائية) لأنه يعتقد انه يمتلك الحقيقة النهائية، ويدافع زكريا عن العلمانية، فيرى انها لا ترفض الدين انما تتبح الفرصة للناس ان يمارسوا التدين بحرية ولكن بطريقة إيجابية، ترفض توظيف الدين توظيفا سياسيا فيكون حينئذ عقبه امام التقدم

ويقرر زكريا: ان العلم والفلسفة هما اللذان يقودان الحياة وان زمن التراجع الحضاري اهملهما لصالح الخلافات العقائدية، ويركز على شكل الدين دون مضمون واهمية الفلسفة -عنده- تنبع من كونه روح الفلسفة والباعث على التحولات المدنية، لأن النقد هو نقطه الابتداء فلا بد من إزالة أي وصاية على العقل . فاذا اردنا بناء مشروع حضاري تنموي فلا بد من الفلسفة والعلم

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

 

في المثقف اليوم