قضايا

محمد الدسوقي: خيال بجناح واحد

يُعدّ الخيال من أعظم المنح التي أُعطيت للإنسان، حتى إن العالم ألبرت أينشتاين اعتبره أقوى من المعرفة ذاتها، لأن المعرفة تقودنا من نقطة إلى أخرى، بينما الخيال قادر على أن يحملنا إلى أي مكان. فالخيال ليس ترفًا ذهنيًا، بل هو المساحة الأولى التي تولد فيها الأفكار قبل أن تتحول، عبر الإبداع، إلى واقع ملموس. ولولا الخيال العلمي، لما وصل الإنسان إلى ما يشهده اليوم من تطورات مذهلة في شتى مناحي الحياة.

ورغم ذلك، يظل السؤال مطروحًا: لماذا نعيش بخيالٍ له جناح واحد؟

يسعى الإنسان، في معظم الأوقات، إلى الكمال والمثالية، ويواصل محاولاته في البحث والاكتشاف، لكنه في كل مرة يصطدم بحقيقة أن الصورة لا تكتمل. فالتاريخ البشري مليء بأحلام بدأت خيالًا محضًا، ثم تحولت إلى إنجازات واقعية، مثل حلم السفر إلى الفضاء، الذي ظل طويلًا حبيس عقول العلماء قبل أن يصبح حقيقة. ومع ذلك، ليست كل الأحلام قابلة للتحقق، فهناك أفكار لا تزال حتى اليوم أسيرة الخيال.

من أبرز هذه الأحلام، حلم السفر عبر الزمن. لم يكن هذا الحلم مجرد رغبة في العودة إلى الماضي أو القفز نحو المستقبل، بل محاولة إنسانية عميقة لكسر سلطة اللحظة، والسيطرة على الزمن الذي يمضي دون استئذان. ومع هذا الحلم ظهرت أفكار أخرى لا تقل جرأة، مثل إيقاف الزمن أو تسريعه أو إعادة لحظة بعينها، وكأن الوجود شريط يمكن التحكم في سرعته.

ويتسع الخيال ليشمل حلم الانتقال الفوري، حيث يختفي الإنسان من مكان ليظهر في آخر دون عبور المسافة، وكأن الجغرافيا مجرد وهم مؤقت. ومن هنا برزت تصورات الثقوب الدودية ومحركات أسرع من الضوء، في محاولة لطيّ الزمكان بدل الخضوع لقوانينه. وفي الخلفية، يلوح احتمال الأكوان المتوازية، لا باعتبارها مجرد فرضية علمية، بل كإمكانية للعبور بينها، ومواجهة نسخ أخرى من ذواتنا عاشت اختيارات مختلفة.

وفي قلب هذه الأحلام يقف السؤال الأخطر: العقل البشري.

هل يمكن نقل الوعي الإنساني إلى وسيط رقمي دون فقدان الذات؟

وهل يمكن قراءة الأفكار لا بوصفها إشارات عصبية فقط، بل بوصفها معنى وشعورًا وحنينًا؟

وهل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يمتلك وعيًا حقيقيًا، أم سيظل مجرد محاكاة متقنة؟

عند هذه النقطة، يتجاوز الخيال العلمي حدود التقنية، ليصبح اختبارًا حقيقيًا لمعنى الإنسانية ذاتها.

أما الجسد، ذلك السجين الزمني، فيحلم الإنسان بتجاوزه؛ بإيقاف الشيخوخة، وتجديد الأعضاء، وتغيير الشكل والقدرات بإرادة واعية، كأن الجسد لم يعد قدرًا محتومًا، بل مشروعًا قابلًا للتطوير. وفي أقصى هذا الحلم، تظهر فكرة الخلود، أو حتى إعادة إحياء الموتى بوعيهم الكامل، لا كنسخ ناقصة، بل كامتداد حقيقي للوجود.

وفوق كل ذلك، يظل الكون مفتوحًا على أسئلته الكبرى: المادة المظلمة، الطاقة المظلمة، تسخير طاقة النجوم، بل وحتى احتمال أن يكون واقعنا كله محاكاة كبرى، وأن أعظم اكتشاف علمي لم يتحقق بعد هو اكتشاف باب الخروج منها.

وهكذا يبقى الخيال العلمي مجموعة أفكار لم تتحقق بعد، خيالًا بجناح واحد، لكنه رغم ذلك يواصل التحليق في الوعي الإنساني، لا ليمنحنا إجابات جاهزة، بل ليذكّرنا بأن كل تقدّم بدأ بسؤال، وأن ما نعيشه اليوم كان يومًا ما مجرد حلم تجرأ عقلٌ ما على تخيّله.

***

بقلم: محمد أبو العباس الدسوقي

 

في المثقف اليوم