قضايا
مراد غريبي: ما بعد مالك بن نبي.. الاندهاش العقيم؟! (3)
مفتتح: لا يزال مشروع المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973) يعاني من "نكسة دهشة" يتعكس أزمة بنيوية في آليات استقبال الأفكار داخل الفضاء العربي الإسلامي. فالمفكر الذي جاء ليتجاوز "الذرية الفكرية" و"الأصنام الجديدة" التي صارت تعبد في جغرافية "طنجة-مسقط"، ظل هو نفسه ضحية تلك الأصنام، محاصرا بين تصنيفات إيديولوجية جاهزة تختزل منظومته الشاملة إلى "علمانية" عند السلفيين، و"إسلاموية" عند العلمانيين، و"تجديدية" عند الإصلاحيين.[1]
الإفلاس الحضاري كمأزق ثقافي:
تنطلق منظومة بن نبي الفكرية من قراءة معمقة تؤكد بأن "الإسلام من حيث الوحي والنبوة جاء للعالمين"، مما يجعل رسالته حضارية إنسانية بالضرورة، متجاوزة كل جغرافية عرقية أو ثقافية مغلقة.[2] غير أن "الإنسان مابعد الموحدين" -وهو المصطلح لمالك بن نبي لما أصاب المسلمين من تحول في البنية الذهنية- بات كيانا مناهضا للنقد والحرية والتجديد بفعل الانحطاط السياسي واغتيال العقل المبرر "دينيا"[3]، هنا يطفو على السطح الجدل المركزي: اذ تقدم النهضات العربية والإسلامية السابقة الإصلاح السياسي أو التجديد الديني كمدخل و أساس استراتيجي، يذهب بن نبي إلى "التأسيس للإنسان الجديد" عبر منظومة أخلاقية وجمالية ومنطقية وتقنية متكاملة، تستهدف "تثوير الفكرة-المحرك" ( (l'idée-motrice بلغة أرسطو، أي إعادة بناء "الإنسان" كفاعل حضاري قبل كل شيء[4]. لهذا كان مشروعه يطالب بتحقيق "ثنائية التنوير والتحرير" التي تشكل صلب منظومته الفكرية، حيث يرى أن التحرر الحقيقي لا يتحقق بالاستقلال السياسي وحده، بل بإعادة بناء "الذات الحضارية" عبر معادلة الحضارة الشهيرة: الحضارة = الإنسان + التربة + الزمن، حيث تلعب "الفكرة الدينية" دور المحفز الحاسم (Catalyseur) في هذه المعادلة[5]. فإذا تم تهميش أحد عناصر هذه المعادلة -وخاصة "الإنسان" ككيان مبدع- أفلس مشروع الحضارة ذاتها، مهما تكدست المكتسبات المادية.
محنة فهم خطاب بن نبي:
إحدى أعقد العقبات في "بنية الخطاب" عند بن نبي، أنه لم يكتب كفيلسوف أو عالم اجتماع بالمعنى التخصصي الضيق، بل كصاحب "مشروع تأسيسي" يريد إنشاء "أنساق ومناهج جديدة"[6]. هذه البنية تختلف جذريا عن أشكال التراثيين والنهضويين، مما أدى إلى "إعجاب من دون فهم"، حيث فهم المتلقون أفكاره حسب "مدركاتهم" المعرفية السابقة لا حسب "تصورات" المؤلف[7] أي الدهشة غلبت التشاور.
تتفاقم المحنة مع أنه كتب معظم أعماله -وعددها يتجاوز الخمسة والعشرين كتابا- بالفرنسية، فتعرضت عند الترجمة إلى العربية إما للتشويه أو التبسيط أو "التكييف" مع ثقافة المترجمين وما لا "يتعارض" مع المعتمد فكريا"؛ النتيجة: فهم مشوه يصور بن نبي "علمانياً" عند السلفيين، و"إسلاموياً" عند العلمانيين، و"مجدداً" عند الإصلاحيين[8]، بينما جاء فكره ليتجاوز هذه "الأصنام الجديدة" التي صارت تعبد في جغرافية "طنجة-مسقط" [9]. فالرجل الذي كتب الظاهرة القرٱنية ( بالفرنسية سنة 1946) شروط النهضة (الجزائر، 1949)[10]و وجهة العالم الاسلامي (1954 بالفرنسية، 1956مترجم العربية) وفكرة كومنولث إسلامي (الجزائر، 1959)[11] الصراع الفكري في البلاد المستعمرة (صدر الكتاب عام 1960، وهو أول كتاب كتبه بن نبي بالعربية مباشرة دون ترجمة، ويُعد الجزء الأول من سلسلة "مشكلات الحضارة") والمسلم في عالم الاقتصاد (الجزائر، 1964)[12] ومذكرات شاهد القرن (الجزائر، 1965-1973)[13]، لم يكن يبحث عن أدلجة لمشروعه، بل عن "منظومة فكرية" تستجيب لتحديات "القابلية للاستعمار"colonisabilité
(ظهر هذا المصطلح لأول مرة في كتابه "Les conditions de la renaissance" (شروط النهضة) الذي نُشر عام 1949 باللغة الفرنسية. وقد لاقى هذا المفهوم قبولاً واسعاً وانتقادات شديدة في آن واحد، حيث اعتبره البعض تبريراً للاستعمار بينما رآه بن نبي تشخيصاً للمشكلة الحضارية التي يعاني منها المجتمع العربي الإسلامي[14].
أي منظومة تكتشف مالك بن نبي؟
تتسم غالبية الدراسات بـ"الشرح الممل" بدلا من "النقد و الابداع التجديدي"، مما أنتج عددا هائلا من صور "مالك بن نبي" دون بناء جديد[15]. "فالتأسيس يحتاج للنقد والثورة على الأنساق"، لا "إعادة الإنتاج والتعليب الجديد"[16]. إن الانتقال من "الاندهاش العقيم" إلى "الاستيعاب الخلاق" يتطلب قراءة منظومية تفهمه بمنظومته ولغته وأنساقه، كما هو الشأن مع ابن عربي أو جلال الدين الرومي أو كانط أو نيتشه ، بعيدا عن "الاستغراق الرجعي" الذي يخرج منظومته الفكرية عن مدارها التنويري[17]. فمشروع بن نبي ليس مجرد مجموعة أفكار مبعثرة، بل "رؤية ثقافية متكاملة" تتجسد في القضية الانسانية: "الحضارة"، وتحلل عبر مفاهيم مثل "أزمة الأفكار" و"تكديس الأشياء" و"الشيئية" التي تصف الميل المرضي لمعاملة الأفكار كأشياء مادية[18]. إن الاكتشاف الحقيقي هو غير الاندهاش العقيم (الذي يوصف كونه مجرد قراءة نصوص)، بينما اكتشاف بن نبي الحقيقي يعني إعادة بناء ذاتية تستجيب لتحديات العصر بمسؤولية حضارية تتجاوز كل مركزية أو شوفينية، وتسهم في "الحضارة الإنسانية" بروح عربية إسلامية أصيلة[19].
***
مراد غريبي
.........................
[1] محمد العاصمي، "مالك بن نبي: قراءة في المشروع الفكري"، في: مجلة الفكر المعاصر، العدد 45 (2015)، ص112
[2] Malek Bennabi, Vocation de l'Islam (Paris: Éditions du Seuil, 1954),P23
[3] محمد لزرق، "مرحلة ما بعد الموحدين عند مالك بن نبي"، في: الفكر العربي المعاصر، العدد 12 (2018)، ص45
[4] Malek Bennabi, Les Conditions de la renaissance (Alger : Entreprise nationale du livre, 1949), P78.
[5] Alwi Alatas, "Malik Bennabi on Civilization", Hoggar Institute (2010), P3 et Z. H. Subhani, "Bennabi's Thoughts on Civilization", Journal of Arabic Studies 4 (2020), P112.
[6] فضيل بومالة، "هكذا أفكر! لماذا لم نكتشف مالك بن نبي بعد؟"، موقع عبد الحميد بن باديس، 01/11/2015
[7] محمد حبش، "إشكالية اللغة في فكر مالك بن نبي"، في: مجلة كلية الآداب، جامعة دمشق، العدد 32 (2016)، ص201
[8] محمد العربي، "مشكلات الترجمة في فكر مالك بن نبي"، في: مجلة الفلسفة واللغة، العدد 18 (2017)، ص89
[9] انظر: بومالة، المرجع السابق
[10] Malek Bennabi, Les Conditions de la renaissance (Alger : Entreprise nationale du livre, 1949), P45.
[11] Bennabi, Idée du Commonwealth islamique (Alger: Entreprise nationale du livre, 1959) , P112.
[12] Malek Bennabi, Le Musulman dans le monde de l'économie (Alger : Entreprise nationale du livre, 1964), P67.
[13] Malek Bennabi, Mémoires d'un témoin du siècle، (Alger : Entreprise nationale du livre 1965), P45.
[14] Malek Bennabi, Le problème des idées dans le monde musulman (Alger: Office des publications universitaires, 1970), P201.
[15] انظر: بومالة، المرجع السابق.
[16] محمد لطفي، "من التكرار إلى التجاوز: قراءة نقدية في الدراسات البنابية"، في: مجلة الفكر الإسلامي، العدد 41 (2019)، ص167.
[17] انظر: محمد العاصمي، المرجع السابق.
[18] Malek Bennabi, Le problème des idées dans le monde musulman,P215et encore Malek Bennabi, Naissance d'une société (Alger: Entreprise nationale du livre, 1960)، P78.
[19] Malek Bennabi, Mémoires d'un témoin du siècle, Tome 1 P 67.







