قضايا

حمزة مولخنيف: الحرية في زمن البيانات الضخمة

بين السيادة على الذات والتحكم الخفي

في سياق الفكر الفلسفي كانت الحرية دوما موضوعا مركزيا، فالفلاسفة منذ أرسطو وكانط وهيغل ونيتشه، حاولوا تحديد طبيعة الإنسان الحر وما يعنيه أن يكون الفرد سيدا على ذاته. أرسطو يرى الحرية باعتبارها القدرة على اختيار الخير وفق العقل، وهي وظيفة تكاملية للفضيلة والحياة الفاضلة، بينما يضع كانط الحرية في قلب مشروع العقل العملي، معتبرا أن الفعل الحر هو الفعل الذي ينسجم مع القانون الأخلاقي الداخلي، أي أنه ليس مجرد القدرة على الفعل، بل على الفعل وفق ما يمليه الواجب. هذه المفاهيم الكلاسيكية التي بنَت الحرية على أساس سيادة الذات والاختيار الأخلاقي، تتعرض اليوم لتحدٍ جديد ومعقد في ظل الثورة الرقمية وانتشار البيانات الضخمة، إذ لم يعد الإنسان يعيش في فضاء مادي واجتماعي فقط، بل في فضاء رقمي تتحكم فيه الخوارزميات وتتجمع فيه بياناته وتتقرأ تحركاته، متجاوزة حدود وعيه المباشر.

يمكن النظر إلى البيانات الضخمة باعتبارها صورة جديدة لما كان ميشيل فوكو يسميه "تقنيات الذات" و"السلطة المراقبة"، مع فارق أساسي، فوكو ركّز على المؤسسات التقليدية مثل السجون والمستشفيات والمدارس، حيث يتم التحكم في الأفراد جزئيا عبر المراقبة والمعايير، بينما اليوم تتم هذه المراقبة بشكل أوسع وأكثر عمقا، فهي تتغلغل في تفاصيل حياتنا اليومية، من تفضيلاتنا على الشبكات الاجتماعية إلى تحركاتنا الشرائية، ومن اهتماماتنا الثقافية إلى اختياراتنا السياسية. الخوارزميات أيضا ليست مجرد أدوات تحليلية، بل هي أدوات إدارة تحكمية تحاكي قدرات العقل البشري في التنبؤ، لكنها تفعل ذلك بطريقة تتجاوز السيطرة الفردية، فتتوقع رغباتنا وتوجه اختياراتنا دون أن ندرك بشكل كامل أننا تحت تأثيرها.

الحرية، في سياقنا هذا لم تعد مجرد فعل مقاوم للتأثيرات الخارجية، بل أصبحت مسألة معرفة الذات وإدراك آليات السيطرة التي تمارس علينا عبر البيانات. كما يشير جان بودريار في كتابه "المجتمع الاستهلاكي"، نحن لا نختار الأشياء فقط، بل يتم إنتاج رغباتنا وتوجيهها بواسطة أنظمة رقمية قادرة على محاكاة دوافعنا الداخلية. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى، فالحرية التي كانت دائما مرتبطة بالوعي الذاتي والاختيار الأخلاقي، تتعرض الآن لتهديد غير محسوس، لا يأتي بالضغط المباشر، بل من خلال التحكم الذكي والخفي الذي يمارسه النظام الرقمي على سلوكنا النفسي والاجتماعي. إنها حرية تحت الرقابة الدقيقة، حرية مشروطة بتقنيات التنبؤ والمعالجة الضخمة للبيانات، والتي تعمل في كثير من الأحيان دون وعي الفرد نفسه.

إن زمن البيانات الضخمة يعيد تعريف الحرية باعتبارها ليس مجرد قدرة على الفعل، بل قدرة على الفهم الذاتي في مواجهة مؤثرات خارجة عن إرادتنا المباشرة. فلوك أنطونيو غرامشي أشار إلى مفهوم "السيطرة الثقافية" في صياغة الرغبات والمعتقدات، وهو ما أصبح في عصرنا معادلاً رقميا من خلال البيانات، ليست السيطرة القسرية بالمعنى التقليدي، بل السيطرة الذكية التي تصنع نوعا من الانقياد الطوعي دون استخدام القوة المباشرة. الإنسان في هذا النظام الرقمي يصبح أداة لنفسه وللخوارزمية في الوقت نفسه، يعتقد أنه يختار، بينما يُدار اختياره ضمن أنماط محددة سلفا.

هذا التفاعل بين الحرية والسيطرة الرقمية يعيدنا إلى جدلية قديمة بين الفعل والنية وبين الوعي والبرمجة. إذ يمكننا القول مع هيجل، أن الفرد يحقق حريته عندما يصبح واعيا لمحددات واقعه، لكن في زمن البيانات الضخمة، هذه المحددات تتغير بسرعة وبعمق، فهي خفية موزعة، ومعقدة إلى درجة تجعل وعي الفرد بها تحديا فلسفيا بحد ذاته. الحرية لم تعد مسألة مجرد مقاومة لقوى خارجية، بل مسألة قدرة على التحليل النقدي لنفسنا في شبكة من البيانات المتشابكة، وهو ما يتطلب أدوات معرفية جديدة وربما طرقا جديدة للتفكير الذاتي.

ولكي نفهم ذلك بشكل أعمق، علينا أن نفكر في الحرية ليس فقط كقيمة أخلاقية، بل كأفق معرفي وجودي. فالمفكرون الوجوديون مثل جان بول سارتر رأوا أن الحرية مطلقة، لكنها مطلوبة ومؤلمة، إذ الإنسان "محكوم بالحرية" ويجب أن يتحمل مسؤولية اختياراته. في عالم البيانات الضخمة، هذه المطلقية تتعرض لتجربة جديدة، الحرية مطلقة ولكنها مشروطة بطريقة غير مباشرة من قبل الهياكل الرقمية التي تحدد السلوك. هذا يعيدنا إلى سؤال أساسي، هل يمكن أن يكون الإنسان حرا إذا كانت معرفته بذاته وبتأثيرات البيئة الرقمية غير كاملة؟ وهل يمكن اعتبار أي اختيار حر إذا كان مشفّرا مسبقا ضمن أنماط البيانات؟ .

الإجابة على هذا السؤال تتطلب إعادة التفكير في طبيعة السيادة على الذات. السيادة لم تعد تتعلق فقط بالقرار الأخلاقي أو الفعل المستقل، بل تتعلق بالقدرة على إدارة المعلومات الشخصية، وفهم كيفية استغلالها، وإدراك الديناميكيات الرقمية التي تتحكم في سلوكياتنا. الفيلسوف لوك، الذي وضع قواعد الحرية الطبيعية والحقوق الأساسية للفرد، لم يتصور يوما أن الحرية قد تكون مهددة من قبل كود رقمي وخوارزميات تتنبأ برغباتنا قبل أن ندركها نحن. هنا يظهر الفرق الجوهري بين الحرية الكلاسيكية في سياق العلاقات الاجتماعية التقليدية، وبين الحرية الحديثة في زمن البيانات، إنها حرية معرفية نقدية واستراتيجية، تتجاوز مجرد الإرادة لتصبح مسألة وعي وتحليل وإعادة تشكيل للذات في مواجهة بيئة رقمية ضخمة ومعقدة.

البيانات الضخمة تشكل منظومة تفاعلية مع الإنسان، ليس باعتباره مجرد موضوع مراقب، بل باعتباره شريكا في خلق نمط سلوكي يُقرأ ويستثمر. هذه الثنائية بين المراقب والمراقب عليه تعكس رؤية فوكو للسلطة، لكنها أعمق وأكثر نفوذا، فهي سلطة تحاكي العقل وتتعلم منه وتتكيف معه، وهو ما يجعل فهم الحرية عملية مستمرة من الوعي والتفكير النقدي. الإنسان الحر في هذا العصر ليس فقط من يختار، بل من يعرف ويستطيع تحليل تأثيرات المعلومات على نفسه، ويعيد صياغة ذاته ضمن هذا الفضاء الرقمي المعقد.

في عالم يسيطر فيه التزايد الهائل للبيانات، لم تعد الحرية مجرد قضية شخصية أو أخلاقية، بل أصبحت موضوعا وجوديا ومجتمعيا. فالبيانات الضخمة لا تمثل مجرد معلومات جامدة، بل هي شبكة مترابطة من المعاني والدلالات التي تُصاغ وتُعاد صياغتها باستمرار، فتخلق واقعا رقميا يتجاوز الإرادة الفردية. كما يشير هربرت ماركوزه في تحليله للمجتمع الصناعي المتقدم، إن حرية الإنسان لا تتحقق فقط في مواجهة القهر المباشر، بل في مقاومة الهيمنة الخفية التي تفرضها البنى الاقتصادية والاجتماعية، وإذا انتقلنا إلى عصر البيانات الضخمة، فإن هذه الهيمنة تتحول من مادية واجتماعية إلى معرفية رقمية، بحيث يُعاد إنتاج رغباتنا وسلوكياتنا ضمن أنماط متوقعة مسبقا.

إن السيادة على الذات تصبح تحديا معرفيا أعمق، ليست مسألة اختيار ضمن مجال محدد، بل القدرة على فهم كيفية تشكل اختياراتنا عبر الخوارزميات، والقدرة على إعادة توجيه هذه الاختيارات بما يعكس وعيا ذاتيا متجذرا. هنا تتلاقى أفكار سارتر حول الحرية المطلقة مع تحليل فوكو للسلطة الموزعة، فالفرد حر من حيث أنه مسؤول عن اختياراته، ولكنه يعيش ضمن شبكة قوة غير متكافئة وذكية، تتحكم في سلوكه بطرق غير مرئية. إن الحرية في هذا العصر إذن، لم تعد مجرد مقاومة للضغط الخارجي، بل فن التعرف على القوى غير المرئية التي تُشكل وعينا وقراراتنا.

المفارقة الكبرى تكمن في أن البيانات الضخمة ليست مجرد وسيلة للرقابة، بل أيضا وسيلة لتعزيز الإمكانيات الفردية إذا ما تمت إدارتها بوعي. إذ يمكن للمعرفة الدقيقة بسلوكنا الرقمي أن تمنحنا أدوات لفهم أنفسنا بشكل أعمق، وتطوير مهارات اتخاذ القرار، وصياغة استراتيجيات للتصرف الحر ضمن شبكة معقدة من التأثيرات. وهنا يظهر البعد الأخلاقي للحرية، فالحرية لم تعد فقط فعلا، بل مسؤولية مستمرة تتطلب تحليلا نقديا للبيانات، ووعيا بالخوارزميات، وقدرة على اتخاذ خيارات متأملة. كما يشير هانز جورج غادامير في فلسفته التأويلية، فإن فهم الإنسان لذاته ولعالمه مشروط بالوسط الذي يعيش فيه، وبالمعرفة التي يمتلكها، ومن هنا فإن الحرية تتطلب وعيا متأملا بما يحيط بنا من بيانات وتأثيرات غير مرئية.

إذا انتقلنا إلى النظرية السياسية، فإن الحرية في زمن البيانات الضخمة تضع تحديات جديدة أمام مفهوم الديمقراطية. فالقرارات السياسية، التي كانت تعتمد تاريخيا على التفاعل البشري المباشر والمعرفة الواقعية، أصبحت اليوم تتأثر بشكل كبير بتحليلات رقمية تتنبأ بسلوك الناخبين، وتوجه حملات الدعاية والسياسة العامة وفق ما يُعتقد أنه "الأكثر احتمالا". هذه السيطرة الخفية كما يوضح نيكولاس كار، تؤدي إلى نوع من "التلاعب الطفيف" الذي يغير قرارات الأفراد دون وعيهم المباشر، وهو ما يعيدنا إلى السؤال الفلسفي القديم، هل يمكن للإنسان أن يكون حرا إذا كانت قراراته تتأثر بصورة دقيقة ومنهجية بقوى خارجية، وإن كانت غير محسوسة؟.

إن الحرية في زمن البيانات الضخمة تعيد صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع والوعي والاختيار، وبين المعرفة والسلطة. فالتحكم الخفي الرقمي لا يلغي الحرية بالضرورة، ولكنه يحولها إلى ممارسة متواصلة من التأمل الذاتي، وإعادة قراءة السياق الرقمي، وفهم القوى المؤثرة على اختياراتنا. الحرية هنا لا تُختزل في الإرادة، بل تتطلب معرفة دقيقة بما يحيط بنا من بيانات، وتحليلا نقديا للأنماط الرقمية، ومقاومة واعية للتوجيهات الخفية. وهي بذلك تتحول من قيمة مجردة إلى ممارسة فلسفية يومية، تتطلب الانتباه والتحليل والفهم.

إن الخطر الأكبر الذي يهدد الحرية في هذا العصر ليس الرقابة المباشرة، بل الانقياد الطوعي غير المدرك، حيث يصبح الفرد جزءا من نظام رقمي يقرأ توجهاته ويعيد توجيهها دون أن يلاحظ ذلك. هنا يأتي دور الفلسفة ليس فقط في وصف هذه الظاهرة، بل في تقديم أدوات معرفية لفهمها وتحليلها، وإعادة صياغة ممارساتنا اليومية بما يعزز السيادة الذاتية كما يشير هابرماس في نظرية الفعل التواصلي. إن القدرة على النقاش الحر والتفكير النقدي هي أساس أي حرية حقيقية، وإذا نقلنا هذا إلى العصر الرقمي، فإن القدرة على تحليل البيانات وفهم تأثيراتها، والوعي بالتوجيهات الخفية للخوارزميات تصبح شرطا لازما للحفاظ على الحرية.

بالإضافة إلى ذلك، تعيد البيانات الضخمة تحدي مفهوم الهوية الفردية، إذ لم يعد الإنسان كائنا منفصلا عن بياناته، بل هو مزيج من سلوكه الواقعي والرقمي معا. فالبيانات تصبح امتدادا للذات، ومن ثم فإن التحكم فيها أو فهمها يصبح جزءا لا يتجزأ من ممارسة الحرية. كما تشير حنة أرندت في تحليلها للحرية السياسية، فإن الحرية تتطلب مشاركة فعالة وفهما عميقا لآليات السلطة، وفي العصر الرقمي، هذا الفهم يشمل أيضا فهم الشبكات الرقمية التي تحدد اتجاهاتنا وسلوكنا. الحرية إذن، تتحول إلى ممارسة معرفية متعمقة، تتطلب إعادة التفكير في علاقتنا بالذات، وبالمجتمع، وبالتقنيات التي تشكل حياتنا.

وفي هذا الإطار، يمكننا تصور الحرية كمسار مستمر من الوعي والتأمل والتحليل النقدي، وهو مسار يتحدى الفرد ليصبح سيدا على اختياراته، حتى في عالم تتحكم فيه الخوارزميات بشكل متزايد. إن الحرية لم تعد مجرد حالة ثابتة أو قيمة أخلاقية، بل عملية مستمرة من التفاعل الواعي مع محيطنا الرقمي، واستغلال البيانات لفهم أنفسنا بشكل أفضل، وتحقيق السيادة الذاتية في مواجهة التحكم الخفي.

إن الحرية في زمن البيانات الضخمة ليست مجرد خيار، بل مسؤولية وجودية وفلسفية، تتطلب من الفرد وعيا نقديا دائما، وفهما عميقا لكيفية تأثير الخوارزميات والبيانات على حياته. الحرية هنا ليست غياب القيود فقط، بل هي القدرة على فهم القوى المؤثرة، والتفاعل معها بوعي، وصياغة حياة متكاملة تتجاوز مجرد الانقياد. إنها حرية مُعاد تعريفها لتصبح مزيجا من الوعي الذاتي والتحليل النقدي، والسيادة على الذات، في مواجهة عالم رقمي معقد ومتشابك، حيث يُعاد تشكيل رغباتنا واختياراتنا باستمرار.

انطلاقا من هذا المعنى، يمكننا النظر إلى الحرية كفعل فلسفي حي، يمارس عبر كل لحظة من حياتنا اليومية، عبر كل تفاعل رقمي، وعبر كل قرار يتأثر بالبيانات والتحليل الرقمي. إنها حرية تتجاوز حدود التقليد الكلاسيكي، لتصبح ممارسة معرفية واستراتيجية، تتطلب من الإنسان ليس فقط أن يكون واعيا بما يحيط به، بل أن يكون قادرا على إعادة تشكيل ذاته وفهم ذاته ضمن شبكة متشابكة من المعلومات والتأثيرات الخفية.

تتحقق الحرية في زمن البيانات الضخمة عبر مزيج من الوعي الذاتي والتحليل النقدي، والمقاومة الاستراتيجية للسيطرة الخفية، لتصبح ممارسة فلسفية يومية، تتجاوز مجرد الإرادة إلى ممارسة عقلية معرفية عميقة، تُعيد تأكيد السيادة على الذات في عالم تحكمه البيانات والتقنيات الرقمية.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم