قضايا
ليلى تبّاني: "شمس المعارف الكبرى".. من العرفان الرمزي إلى هندسة المعنى الرقمي
" إن الحروف هي مفاتيح الكائنات وبها ظهر الأمر الإلهي في العالم، وإن كل موجود إنما قام على حرف أو أكثر، فمن عرف مراتب الحروف عرف مراتب الخلق، ومن جهلها بقي محجوبا عن أسرار التكوين... أن الحرف لا يعمل بذاته، بل بأخلاق حامله واستعداده.... إن الحروف لا تفتح أبوابها إلا لمن طهّر قلبه وزكّى نفسه، أما من طلب بها الغلبة أو الدنيا فإنها تنقلب عليه حجابا وظلمة، لأن الحرف نور، ولا يسكن النور قلبا ملوّثا.... إنّ الأعداد أصول المقادير، وإن الله أقام العالم على ميزان عدد معلوم، فلا زيادة ولا نقصان إلا بحكمة، وكل عدد له روح ومعنى، ومن أدرك معاني الأعداد أدرك انتظام الكون وسرّ التقدير فيه... والعدد ليس مجرد كمية رياضية، بل دلالة أخلاقية وروحية، فمن استعمل الأعداد بغير حقّها، ومن غير طهارة نية، فقد استعمل ميزان الله في غير موضعه، ومن خان الميزان فقد خان العهد، ومن خان العهد انقلب علمه وبالا عليه...الحروف أعداد ناطقة، و الأعداد حروف صامتة، و الجمع بينهما هو سرّ التأثير، لكن هذا السرّ لا يُؤتى إلا لمن جمع بين العلم والعمل، وبين المعرفة والتقوى، لأن الله لا يسلّم مفاتيح خزائنه لمن لا يؤتمن عليها....."
نصّ مقتبس من كتاب "شمس المعارف الكبرى"
يشكّل أحمد بن علي البوني المتوفى نحو سنة 622هـ أحد أكثر العقول إشكالية وعمقا في تاريخ التصوف الإسلامي الغربي، وهو ابن مدينة بونة( عنابة اليوم)، التي ستغدو لاحقا مسرحا لتقاطعات معرفية مدهشة بين التراث العرفاني والعلوم الحديثة. لم يكن البوني فقيها تقليديا ولا متكلّما عقلانيا، بل عارفا يرى أن الوجود يُقرأ لا بالعقل المجرد وحده بل بالرمز والكشف والتزكية، وأنّ اللغة القرآنية ليست أداة وصف بل بنية كونية خالقة. في هذا السياق يظهر كتابه" شمس المعارف الكبرى ولطائف العوارف" نصّا مركزيا كونه مشروع ميتافيزيقي جريء يربط بين الحرف والعدد والاسم والكون والإنسان ضمن رؤية شمولية تجعل المعرفة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قدرة تقنية. ممّا يدعو إلى ضرورة تغيير نظرة النقاد والفقهاء حول الكتاب باعتباره كتاب سحر كما شاع.
يقيم البوني تصوره للوجود على علم الحروف، حيث لا تُفهم الحروف بوصفها أصواتا لغوية بقدر ماهي كيانات وجودية فاعلة، لكل حرف موقعه في نظام الخلق وعلاقته بالعناصر والكواكب والمراتب الروحية. العالم عنده مكتوب قبل أن يكون مرئيا، والقرآن هو الخريطة الكبرى التي تتوزّع فيها الحروف كوسائط للتجلّي الإلهي. بهذا المعنى تصبح المادة أثرا لاحقا للّغة، ويغدو الكون نصّا قابلا للقراءة بالبصيرة. هذه الرؤية تضع البوني في تماس فلسفي غير مباشر مع مفاهيم معاصرة ترى العالم شبكة معلومات وأنماطا قبل أن يكون كتلة مادية، وهو ما يجعل فكره لا ينحصر في الطقوسية كما روّج له بل قابلا للتحديث . ومن الحروف ينتقل البوني إلى الأسماء الحسنى، حيث يؤكد أن الاسم ليس لفظا للترديد بل حضورا وجوديا يتحقّق بالنّية والانسجام الأخلاقي. فالاسم عنده ليس تقنية للسيطرة بل علاقة، ولا يعمل إلا بقدر ما يعمل الإنسان على تهذيب ذاته. الذكر اللّساني بلا تزكية لا يولد أثرا، والاسم بلا أخلاق يتحوّل إلى فتنة. هنا تتجلّى فلسفة دقيقة تفصل بين المعرفة كقوة والمعرفة كمسؤولية، وتربط التأثير بالاستعداد الداخلي لا بالصيغة الخارجية.
أما الأعداد والأوفاق والطلاسم، وهي أكثر أجزاء الكتاب إثارة للريبة، فيقدمها البوني ضمن نظام تحذيري صارم. العدد ليس كمية محايدة بل دلالة كونية، ونمط رياضي يعكس انتظام الوجود. لكنه يشدد على أن العبث بهذه الأنظمة دون طهارة نية يقود إلى الانحراف لا إلى الكشف. فالأوفاق ليست أدوات هيمنة بل خرائط رمزية لفهم العلاقات الخفية بين الإنسان والكون، ويظلّ البعد الأخلاقي هو الضامن الوحيد لسلامة هذا الفهم.
في قلب هذا المشروع يقف الإنسان بوصفه الكائن الوسيط، نقطة التقاء بين العالم السفلي والعالم العلوي، قادرا على الترقي أو السقوط بحسب وعيه وأخلاقه. المعرفة لا تهدف إلى تغيير العالم الخارجي بل إلى إعادة تشكيل الداخل، ولا قيمة لأي كشف لا يقود إلى التزكية. هكذا يضع البوني حدّا فاصلا بين العرفان الحقيقي والاستغلال النفعي للرمز، ويجعل الغاية القصوى للمعرفة هي الانسجام مع النظام الكوني لا السيطرة عليه.
ورغم التحريم التاريخي وسوء التلقّي الشعبي، ترك شمس المعارف أثرا عميقا في المخيال العرفاني والفلسفي، إذ رّسخ فكرة أن الكون نظام مترابط قابل للقراءة، وأن اللغة والعدد والاسم مفاتيح لفهمه، وأن المعرفة المنفصلة عن الأخلاق تتحوّل إلى خطر. هذه الأفكار، وإن وُلدت في سياق صوفي، تجد اليوم صدى غير متوقع في عصر الذكاء الاصطناعي والميتافيرس.
في العالم الرقمي المعاصر لم يعد الإنسان يتعامل مع مادة صماء بل مع رموز وبيانات وخوارزميات، أي مع عالم مكتوب بلغة جديدة. هنا يمكن إعادة قراءة شمس المعارف بوصفه نصا استباقيا، إذ تتحول الحروف والأعداد إلى عناصر تفاعلية، وتصبح البيئات الافتراضية أنظمة رمزية تستجيب لتصرّفات المستخدم. المتافيرس ليس فضاء للترفيه فقط، بل كونا قابلا للبرمجة والمعنى، حيث كل فعل رقمي يعيد تشكيل البيئة، تماما كما رأى البوني أن كل نية تعيد تشكيل الأثر.
في هذا السياق يبرز تقاطع لافت بين البوني وأحد أبناء عنابة المعاصرين، عثمان بوقطاية، المختص في علوم البيانات وData Things. فكما اشتغل البوني على أنماط الحروف والأعداد لفهم النظام الكوني والتفاعل معه أخلاقيا، يعمل بوقطاية على تحليل أنماط البيانات والتفاعلات الرقمية التي تشكل العوالم الافتراضية الحديثة. كلاهما يشتغل على القراءة العميقة للأنظمة غير المرئية، وكلاهما يدرك أن المعنى لا ينتج من الكم وحده بل من العلاقة والسياق والتأثير. الفرق أن البوني استخدم لغة الرمز الصوفي، بينما يستخدم بوقطاية لغة الخوارزمية والبيانات، لكن الجوهر واحد وهو البحث عن منطق خفي يحكم التفاعل بين الإنسان والنظام.
بهذا المعنى تصبح عنابة نقطة التقاء رمزية بين زمنين، زمن العرفان وزمن البيانات، حيث يتجسّد الانتقال من الأوفاق إلى الخوارزميات، ومن الحرف الكوني إلى الكود الرقمي، دون أن يُلغى السؤال الأخلاقي. فكما حذر البوني من المعرفة بلا تزكية، يفرض عصر الذكاء الاصطناعي السؤال ذاته: هل نملك القدرة على توجيه التقنية أخلاقيا أم سنتركها تتحوّل إلى قوة عمياء.
إن شمس المعارف الكبرى ليس كتابا عن الماضي بل مرآة للمستقبل، نصا يضعنا أمام سؤال جوهري يتجاوز التصوّف والتكنولوجيا معا، هل المعرفة سيطرة أم مسؤولية. وفي زمن الميتافيرس والتواصل الافتراضي يمكن أن يصبح هذا الكتاب خارطة فلسفية لتصميم عوالم رقمية واعية، حيث تُترجم النية إلى أثر، والرمز إلى تجربة، والتكنولوجيا إلى وعي. هكذا يظل شمس المعارف وثيقة فكرية عابرة للزمن، تصل بين التصوف الإسلامي والميتافيزيقا الرقمية، وتؤكد أن جوهر المعرفة واحد مهما تغيرت لغتها.
***
ليلى تبّاني ـ الجزائر






