قضايا

محسن الأكرمين: من نحن؟ وما نريد؟.. أسئلة للفهم وأجوبة للتحليل

سلطة التفكير التي نمارسها قطعا وبمرات عديدة على الذوات، نستوثق من خلالها الكشف عن السلطة الديكتاتورية التحكمية الفوقية، حتى أننا قد نبيت نحمل أسفارا من المعلومات المعرفية المتنوعة، والوظيفية المتراكمة، وقد لا نستطيع قط حتى ترتيبها في تناسقية أفكارنا المبعثرة، وكيل التطفيف بالحسرة حين نفقد النسقية التكاملية.

من السهل (الممل) وضع رأس ممحاة طيعة ونُفعل من سلطتها سياسة الحذف لكل عُقد وإكراهات حياتنا، وبمقاضاة البحث عن متوالية ادفع نحو التخلص من أداء وأثر الماضي (الذكريات)، وكذا حتى إشكاليات الحاضر (الحلم) الموقعة بإجحاف من لحظات غير بادبة آتية حتما من المستقبل الغابر. ورغم ذلك، فإننا قد نسقط لزاما في صناعة لعبة الفراغات (الغميضة) والبياضات (الفارغة) في دواخل الذات (الأنا)، ولن نقدر حتما على ترميم تلك الفجوات ذات الفتحات المؤلمة بالوجع والألم ونكسات الحلم، ولما لا البحث عن صيغة مداومة بناء سلم سعادة الحياة نقطة نقطة.

من الإشكالات العويصة بانتظام، ضمان البحث عن أجوبة سليمة لسؤال متعدد الصياغات ومتنوع التطلعات: ماذا نريد؟ أو نريد ماذا؟ وفيه هذا (التقديم والتأخير) يلزمنا هذا السؤال (الصعب والسهل) بالضرورة على إعادة الصياغة بالتأني وبالترتيب أو التسبيق (من أنا؟ وماذا نريد؟)، وكأننا نبحث عن حل لإشكالية قديمة لا حل لها بتاتا بسلطة المنطق والعقل: من سبق (الفكر أم اللغة؟) وبتعبير اللغة والتفكير الشعبي: من سبق (البيضة أم الدجاجة؟)

عقم الإجابة الطيعة طبعا لهذه الإشكالية التي حيرت أجيالا سبقت من المفكرين والفلاسفة، لم ترحهم، ولن تريحنا حتى نحن لا بالعقل ولا باستيفاء علل النقل. من تم يبقى البحث عمَّا نريد؟ يتطلب منَّا أولا: الاعتراف بمحدودية التكهنات والتخمينات في ذات الغيب، وكذا ثانيا: عدم ثقتنا في المستقبل الخفي (الغائر بتفكير ودراسة جدوى المتاعب)، فما دمنا نؤمن بسلامة رأي (أخدمْ يا صغري لِكُبْري) وكأننا نبيع التعاسة والشقاق للصغر والشباب، لإراحتنا من همِّ الحياة ونحن كبار السن وفي دور الرعاية الاجتماعية، وبعدها قد نملأ الدنيا بالتحسر عمَّا ضاع منَّا من زمن سليم لصناعة جودة وسعادة الحياة.

كثير منَّا وقد نُجمع القول بالتأكيد، أن جلنا لن يقدر على الإجابة عن سؤال: ماذا نريد؟ إن نحن لم نضع سؤالا آخر ثانيا أكثر مكرا من الأول: من أنا؟ بالموازاة: من نحن؟ إنها لعبة مضحكة لفكر (الحداثة البعدية) الذي لم يحسم في تلك الاستعراضات النهائية.

نعم، ماذا نريد؟ أو نريد ماذا؟  تسيطر علينا الأنانية المفرطة، ونطلق عنان لسان الثرثرة في الإنفاق والتمني (أنا أستهلك...أنا موجود/ الحداثة البعدية)، ونحن نغفل قسما ساميا في حياتيا، ويتمثل في طلب الصحة أولا وأخيرا (العبرة مثلا في تواجد المال وغياب الصحة)، فقد صدق الشاب مامي غناء حين قال:" يا الصحة يا الصحة يا عدوة مولاها ... وإذا غابت الصحة وِينْ رَايَحْ نلقاها..."

الأهم بالضرورة، أن تعريف الذات (الأنا) لن يكون حتما إلا بالموازاة مع تفكير تواجد (الآخر) الذي يصنع المتغير والتحدي والوعي والسجال (عبد الله العروي الإيديولوجية العربية المعاصرة/ التفكير بادئ ذي بدء التفكير بالآخر، هذه القضية الصحيحة او الخاطئة نستوثق من صحتها (صدقها)  في حياتنا الجماعية، وبها بالضبط ينبغي البدء من هو الآخر؟  و ما هو التحدي للذات ؟/ بتصرف).

وبالتأكيد الحزين، قد نفسد بعض من ملذات حياتنا (غياب جودة سعادة الحياة)، في البحث الطويل عن قسط من الإجابات الشافية لهذين السؤالين (بصيغة النكرة/ وأجوبة الاستنكارية)، ونحن نزيد من الإفراط في رهان مضاعفات كمي من الأجوبة المتباينة والمتناثرة هنا وهنالك، في حين لن نقدر بتاتا على استيفاء ولو قسط بسيط من الحقيقة التي تتمثل في الأمانة التي حملها الانسان جهلا وظلما لذاته وعشيرته ونسل خلفه.

من السهل الاشتغال على لغة (الكوتشينغ) المفرطة في التمني وصناعة الحلم، ونحدد نقاط الانطلاق من الذات وبالمرور الآمن بنقاط الخط المستقيم بالترتيب وبدون قفز مفزع نحو حلم ما نريد؟ لكن يبقى التنظير المعياري، يصطدم بالطبع مع الحياة اليومية الاجتماعية والوضعيات الفئوية المتباينة بالتشكل، ويبقى توجيه التشوير يجري في وادي ( جزيرة الوقواق) والحقيقة البينة تكمن في اصطدامات المنعرجات المميتة للمجتمعات.  

حتما نختلف في التنشئة الاجتماعية، وفي كل مستلزمات الإدراك العقلاني، وفي حتى السندات الأصيلة من النقل العقائدي وتزكية الروح بالمنشطات السليمة بالقول والفعل والأعمال الرزينة، لكنا نتحد حلولا في البحث عن بدال الطريق السيار الآمن للذات (الأنا) العاقلة في متاهات إعادة صياغة الأسئلة: ماذا نريد نحن؟ ومن نحن؟.

***

محسن الأكرمين

في المثقف اليوم