قضايا
عدنان عويد: المنظور الفلسفي للسطلة
السلطة في سياقها العام، هي القدرة المشروعة على فرض رأي ما أو سلوك ما واتخاذ القرار في التنفيذ من قبلنا، سواء بشكل فردي أو جماعي. أو هي قوة شرعيّة لظاهرة ما يتقبلها الناس ويستخدمونها لتحقيق أهداف معينة ماديّة كانت أو معنويّة،
أما السلطة في المنظور الفلسفي فهي برأيي ظاهرة ماديّة أو فكريّة، تفرض علينا أن نتعامل ونتفاعل معها إيجابا أو سلبا ضمن ظروف تاريخيّة تفرضها علينا الطبيعة والمجتمع معاً.
والسلطة من حيث المعطى الوجودي أو الطبيعي لها، تظل خارج إرادة الإنسان، كسلطة قوانين الطبيعة، أو ما يسمى القوانين الموضوعيّة التي تتحكم بأليّة سير الطبيعة وتشكلها، وبالتالي مدى تأثيرها علينا.
وهناك السلطة المعنويّة بكل تجلياتها العاطفيّة والغريزيّة والفكريّة، وهي سلطة يقوم الفرد والمجتمع بإنتاجها من خلال نشاطهم المادي والروحي الذي يمارسونه داخل المحيط الاجتماعي الذي يتواجدون فيه، وما يولده هذا النشاط من علاقات اجتماعيّة أو سياسيّة أو ثقافيّة أو اقتصاديّة أو عاطفيّة أو جدانيّة بشكل عام.
وبناء على ذلك فالطبيعة تفرض سلطتها عبر قوانينها التي ستجري علينا خارج إرادتنا كما بينا أعلاه.. كسلطة الدورات المناخيّةّ ممثلة في فصول السنة، أو توالي الليل والنهار في اليوم الواحد، وكذلك سلطة الزلازل والبراكين والانزياحات الطبيعية، والتصحر، والفيضانات، وغير ذلك.
أما في المجتمع فنحن كما قلت من يقوم بصناعة هذه السلطات، وبعد صناعتها تفرض علينا هيمنتها. فنحن مثلاً من الناحية الاقتصاديّة من أوجد النقود للتداول بيننا بعد تطور قوى وعلاقات الإنتاج، ولكنها راحت تمارس سلطتها علينا داخل هذه العلاقات، حتى أننا رحنا نشرى ونباع بها بهذا الشكل أو ذاك.. وهناك سلطة السوق التي تفرض علينا اختيار ما ننتجه من سلع، أي ما قمنا نحن بإنتاجه للاستهلاك وعرضه في هذه السوق وفقاً لحاجاتنا.. فالسوق الاقتصادي ومن يتحكم به من قوى بشريّة، يتحكم في اختياراتنا من حيث طبيعة المنتج وجودته، (الايزو) أو من حيث الانبلاج الذي يتمتع به، وبالتالي راح يفرض علينا سلطته في ما يقدمه لنا من منتجات وعلى كافة المستويات من الخضار والفواكه إلى الأحذية والملابس وحاجاتنا الماديّة والروحيّة بشكل عام.
أما من الناحية السياسيّة، فهناك سلطة الدولة وقوانينها التي نوجدها بأنفسنا لنخضع لها فيما بعد ونعاقب عندما نخالفها.
ومن الناحية الفنيّة والأدبيّة هناك سلطة الأدب والفن.. فنحن من نرسم ونمارس النحت، ونغني ونخلق الموسيقا ونكتب الشعر والقصة والرواية والمسرحيّة، وبالتالي تبدأ هذه المنتجات الفنيّة تفرض علينا سلطتها فرحا أو حزنا أو قوة أو ضعفا.. كم أبكتنا الأغاني عندما لامست حزننا وقهرنا وغربتنا.. وكم أفرحتنا عندما لامست مسراتنا وجعلتنا نرقص ونضحك.. وكم أدهشتنا الرسوم الجميلة في الفن التشكيلي بسبب جماليتها، وكم حققت عند النظر إليها أو التمعن في دلاتها وألوانها ومنحنيات خطوطها أو استقامتها، وحتى في قدرتها على ملامسة مكامن ذواتنا وأحاسيسنا من الدهشة والانبهار والاحساس بماهية الجمال.
وفي النحت نحن من صنع تماثيل لآلهة اخترعناها نحن في عصور ما قبل التاريخ لتعبر عن موتنا وحياتنا وما يتعلق في هذه الحياة من علاقات.. كآلهة المطر والحرب والحب والجمال والصيد والخصب.. فكانت عشتار وتموز وبعل وباخوس وديانا.. الخ.. وحتى بعد دخولنا عتبة التاريخ كان هبل واللات والعزى..
أما في اللغة والأدب، فكانت السلطة تكمن منذ البداية في الحرف الذي أوجدناه، ورحنا نتفنن في رسمه وتركيب المفردات اللغويّة منه وصياغة جمل وتعابير وصور حسيّة وتخيليّة.. ثم استطعنا من الحرف أن نصوغ معرفة، وكيف تحكمت المعرفة فيما بعد في تصرفاتنا وتشكيل مناخات روحيّة وشعوريّة ووجدانيّة، تجلت في عالمنا الروحي والوجداني والعاطفي وحتى السلوكي، لقد تجلت قدرات الحرف في كل جماليات صياغاته ودلالاتها في شعرنا وقصصنا ورواياتنا ومسرحياتنا وكل سردياتنا، وكان حضور الحرف الأكثر فاعليّة وتسلطاً وتأثيراً علينا ليس على فكرنا فحسب، بل وعلى سلوكياتنا عندما صيغت الحروف برؤى أيديولجيّة، فراحت الأيديولوجا تتحكم بنا وتدفعنا للانغلاق حول مفاهيمها المغلقة، والادعاء بأننا نحن من يمتلك الحقيقة المطلقة، وبالتالي محاربة أو اقصاء أو قتل المختلف...
وها هي السلطة قد تجلت مجتمعياً في عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا وقيمنا الروحيّة، (هكذا وجدنا أباءنا يفعلون كما تجلت في السلطة الأبويّة ممثلة في سلطة رب الأسرة وفي مفردات العشيرة والقبيلة والدين والطائفة.. وما أنا إلا من غزيّة إن غوت.. غويت وإن ترشد غزيّة أرشد.
عموما نحن نعيش عالما من السلطات التي تدخل في كل مسامات حياتنا. منها ما يفرض علينا الخضوع والطاعة لها قسراً، أو بالقوة، وهذه تتجلى في سلطة الدولة، ممثلة في قوانين القضاء، وقوانين دوائر الدولة ومؤسساتها الوزاريّة والإداريّة، فكل وزارة أو دائرة لها قوانينها التي تلزم موظفيها ومراجعيها ضرورة الالتزام بها وتطبيقها على الجميع.
وهناك سلطة الغريزة التي تفرض علينا الخضوع لها بالضرورة حتى ولو قمنا بأنسنتها وتخليصها من فوضويتها وروح الحيونة فيها. وهناك سلطة العشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب، وهي سلطات لا زال لها حضورها وفاعليتها في بنية المجتمعات وآليّة سير هذه المجتمعات والدول معاً، بل هي تصل في العديد من دول العالم الثالث إلى التحكم في آليّة البنية السياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والويل كل الويل في هذه الدول أو المجتمعات إن تفجرت هذه السلطات حروباً أهليّة، فهي ستحرق الحجر والبشر معا.
وهناك السلطة الناعمة أو اللطيفة التي يحققها الجمال الذي تقدمه لنا الطبيعة في مناظر تشكيلاتها الخلابة، إن كان في أنهارها أو بحارها أو وديانها أو شلالاتها، أو ما تضمه بحارها من عوالم غريبة في تشكيلتها السمكيّة أو كنوزها من لؤلؤ وأصداف.. أو ما تضمه غاباتها من أشجار جميلة وحيوانات وطيور خلابه في تشكيلاتها والوانها وطبيعة حياته.
أما بالنسبة للحياة الاجتماعيّة، فكم مارس المبدعون علينا سلطتهم في الفن التشكيلي من خلال رسوماتهم الجميلة التي تجلت فيها إبداعاتهم في اختيار الألوان ومزجها، وفي هندسة خطوط لوحاتهم وخلق عوالم عبرها تحقق الدهشة والمتعة وتطوير الحس الجمالي لدى المتلقي، وهذا ينطبق على فن النحت والموسيقى والغناء والأدب إن كان في القصة أو الرواية أو المسرح، فكل هذه الفنون مارست علينا سلطاتها الجماليّة وخلقت لنا عوالم من الفرح والمتعة.
ملاك القول:
نعم نحن نعيش عالماً مليئاً بالسلطات، منها ما يمارس علينا حصار الروح والجسد، ومن خلالها يأتي حصار الإنسان وغربته وتشيئه واستلابه..بل وضياعه في السلطات التي ينتجها هو ماديا ومعنويا... ومنها ما ستطاع أن يعيد تشكيل وعينا وأحاسيسنا ليرتقي بها إلى عالم الأسنة وفرح الحياة.
***
د. عدنان عويد
كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا






