قضايا
نوال طه ياسين: مهارات الكتابة الابداعية
يعد التفكير أرقى سمة في الانسان وهو مظهر سلوكي يُشكل أعقد نوع من أنواع النشاط الانساني، ولكن اذا اقترن التفكير بالإبداع اتسم بعدم النمطية وانتج أفكارًا جديدة، اما عن طريق صب عناصرًا عدة في قالب جديد، او التوصل الى نتائج جديدة لم تكن معروفة سابقًا، مع الأخذ بنظر الاعتبار ان التفكير سواءً أكان إبداعيًا أم لم يكن كذلك لا يتجلى الا بممارسات لغوية مختلفة منها الكلام والقراءة والكتابة.
ومن هنا فان عملية الكتابة حتى تكون ابداعية وتتسم بالجدة والأصالة ينبغي الا تهدف الى قراءة ما هو مقروء وحسب، بل يجب أن تتوافر فيها مجموعة من المهارات لاستثمار كل الطاقات الذاتية استثمارًا ابداعيًا وخلاقًا الى أقصى الحدود.
رغم أن المقال يدور حول الكتابة الا أنه يتقصى أيضًا وجهات النظر الفلسفية التي ناهضتها، والتي مفادها ان اللغة المكتوبة هي لغة ضعيفة تفتقر الى القوة التعبيرية التي تتحلى بها اللغة المنطوقة، ففي محاورة فيدروس يٌطرح السؤال التالي "ماذا عن الكتابة اللوغوغرافيا؟ فالمواطنين الأكثر وقارًا وقوة، والرجال الأكثر تحررًا ليشعرون بالخزي من كتابة الخطابات وان يخلفوا وراءهم علامة مكتوبة، انهم يخشون من حكم الاجيال القادمة وان يعدوا سفسطائيين".
اما اللسانيات فقد وضعت الكتابة في مرتبة ثانوية، اذ جعلت وظيفتها ترجمة كلام البشر. فسوسير اتبع افلاطون وارسطو وروسو وهوسرل بطرد الكتابة من حقل اللسانيات، بوصفها ظاهرة تمثيل خارجية، وغير نافعة. ذلك أن الموضوع اللساني لا يتركب من الكلمة المكتوبة والكلمة الشفوية، لان الأخيرة لوحدها تشكل هذا الموضوع، من منطلق أن الكتابة غريبة عن النسق الداخلي للسان، فضلًا عن أن العلاقة بين الكتابة واللسان علاقة سطحية واصطناعية، وقد احتلت الكتابة الدور الرئيس محل الكلام "اللسان" بعد أن انتشرت ظاهرة النسخ وظاهرة أخرى حديثة الطباعة، وجعل عصرنا الملول من القراءة الصامتة "الكتابة" فضيلة، تلك التي كان ينبغي ان تظل مجرد صورة للسان. ويبرر الفلاسفة موقفهم من أن لقوة الكلمة المنطوقة أهمية، فالنصوص كتبت لكي تقرأ قراءة جهرية لا قراءة صامتة.
لكن في الخطاب الشفهي يموت الكلام حالما يلفظ به، بينما النص المكتوب يصمد امام الزمن، وفي ذلك أية على أن الغرض من الكتابة تحويل الخطاب الذهني والشفهي الى خطاب مكتوب وفائدته تتمثل بتسجيل الأفكار لحفظها من النسيان، ونسيانها يفرض مجهودًا جديدًا لاستذكارها، هكذا يتضح الهدف من الكتابة تدوين الأفكار اسعافًا للذاكرة. فالي اليوم نقرأ اعمال مرت عليها أزمان.
وهو ما دفع دريدا الى نقل اهتمام اللغة من الكلام الى الكتابة، اذ يعرض علم الكتابه «الغراماتولوجيا» كعلم وضعي للكتابة «اللوغوغرافيا» وفي مكان اخر كعلم للنصية. فالتفكيكية تموضع نفسها في الاماكن التي تتموضع فيها الكتابة التي لا يمكن ان تختزل الى التقابل القائم بين الكلام والكتابة، فنحن عندما نكتب نشعر بضغط اللغة ومن أسرها في الوقت نفسه. ومن هنا تظهر خاصية الابداع في الكتابة والتي تتطلب مجموعة من المهارات وهي:
1- مهارة القراءة: القراءة والكتابة ثنائيان يفترض أحدهما الآخر كالثنائية القائمة بين "الدال والمدلول" بل هناك وحدة فعلية بينهما، من منطلق ان "القراءة كتابة"، وفي ذلك أية على انهما في حركة مستمرة ويسيران يدًا بيد. فالقراءة عملية ادراك للعلامات، وفهم لمعنى الجمل الذي لا يكون للكلمة المكتوبة أهمية بدونها، ومن يقوم بهذا النشاط هو القارئ المبدع الذي يعمل على اعادة قراءة النص، ويرصف طرقًا جديدة للكشف عما هو غير مرئي فيه ويكتب ما لم يكتب، والكتابة هنا لا تكون الا دلالة عليه عن طريق تشخيص التناقضات والأخطاء وتفسير التحولات في المواقف والأفكار فيتولد عن ذلك نصًا مختلفًا دلاليًا عن النص الأصلي، والقارئ هنا لم يتناول مدلولات النص بوصفها مدلولات متاحة للعيان لأنه لا توجد لغة بريئة –على حد تعبير دريدا-، بل على أنها تختفي تحت السطح الظاهر لما هو مكتوب. فيعمل على فك مرموزات النص، والكشف عن المعاني ومواضع الإبداع فيه.
هكذا تبدو الكتابة بوصفها "قراءة صامتة" تواصلًا مؤجلًا بالمقارنة مع الكلام بوصفه "قراءة جهرية"، فالمؤلف والقارئ ينتميان الى مكانين وزمانين مختلفين في أغلب الأحيان، ولكل منهما متخيله الثقافي الخاص، ولهذا فالعلاقة بينهما من خلال القراءة غير متماثلة. ومن هنا تتضح أهمية الخاصية التأجيلية اذ ينفتح النص على قراءات عدة، فلكل قارئ جديد تجربته وثقافته وقيم عصره وحسب تعبير ريكور "المعنى يتجاوز الحدث" في العمل المكتوب. وفي هذه اللحظة علينا الاعتراف بوجود سلطتين هما سلطة المؤلف وسلطة القارئ المبدع الا انهما في النهاية يستسلمان لسلطة الكتابة.
ومن هذا المنطلق فان القراءة بوصفها كتابة تتجاوز القراءة المنفعلة، باقتراحها لطرق تحليل النص ولتقنيات انتاج المعنى، بما هي اليات ضرورية يصبح الفهم بموجبها أكثر دقة. وفي هذا النشاط القرائي متعة، بالنظر الى اللذة التي تجلبها المراوغة بين "الدال بوصفه المرئي من النص والمدلول بوصفه اللامرئي من النص". وفي هذه اللحظة تنهض عملية بناء المعنى فتبدو القراءة نشاطا انتاجيا، لان القارئ هنا لا يستخلص معنى ماثلًا في النص، بل يعمل على بعث الحياة في النص بوساطة خلق معنًى حيًا جديدًا له .
ومن الضرورة بمكان الاشارة الى نقطة في غاية الأهمية ألا وهي صحيح أن هناك آلية لقراءة النصوص لكن ليس بالإمكان تطبيقها على كل نص، فتطبيقها بصورة عشوائية ستجعل من النصوص سواء. بل حتى النص الذي بالإمكان تقديمه بقراءات عدة، ينبغي ألا يستسلم لأية قراءة كيفما اتفق وهو أمر يعتمد على اتساقه الداخلي، وبناء على ما تقدم هناك مجموعة من القواعد بالإمكان وصفها بأنها تمثل أخلاقيات الكتابة الابداعية وأخلاقيات القراءة في الوقت نفسه، وهي عدم نسب مدلولات قبلية سابقة للتحليل للنص. حتى وان كانت غاية الكاتب الانتباه الى "الصمت" أي الى ما لم تفصح عنه اللغة لمد جسور الدلالة على بياضات الصمت في النص-على حد تعبير امبرتو ايكو- لكن دون أن يؤدي ذلك الى تقويل المؤلف ما لم يقله.
2- مهارة المعرفة: من الضروري اغناء الرصيد المعرفي للكاتب، من خلال الاطلاع على العلوم والمعارف الساندة للموضوع، وجمع المعلومات اللازمة لفهم النص. فضلًا عن استدعاء موسوعة القارئ وما يملكه من معارف لها ارتباط وثيق بالنص المدروس لاستثمار رصيده المعرفي من خلال النبش في ذاكرة الكاتب، ان اهمية توسيع دائرة القراءات تتجلى في الاضافة التي تقدمها الى للكتاب، وملئها للبياضات التي تنطوي عليها النصوص، وفي ترسيخ مبدأ نسبية الاحكام، واستحالة الركون الى فهم واحد للنص. مع الأخذ بنظر الاعتبار ان كل موضوع يحتاج الى علوما ساندة مغايرة عن الأخر كما وينبغي التمييز بين المعارف المساعدة تلك التي على كل كاتب تحصيلها، وبين التي يجب ان يعرف اين توجد للرجوع اليها عند الحاجة، وبين تلك التي يجب ان تكون ملكة راسخة فيه، وبين تلك التي ينبغي أن تكون على هيئة معلومات يتزود بها كلما اراد.
3- مهارة اللغة: ان الكثير من الدارسين لا يعرفون من لغة النصوص الا القشور، ولكنهم يستبيحون لأنفسهم تفسير النصوص التي لا يدركون معناها، وما اكثر الاخطاء التي ترجع الى سوء فهم النصوص للجهل باللغة وبمعانيها الدقيقة.
يتضح ممّا تقدّم أن الكتابة الإبداعية ليست مجرد مهارة تقنية، ولا فعلًا آليًا لإنتاج نصوص، بل هي عملية فكرية وجمالية مركّبة، تتداخل فيها القراءة الواعية والمعرفة العميقة والتمكّن اللغوي، لتتحول جميعها إلى فعل خلقٍ لمعنى جديد. فالكاتب المبدع لا يكرر ما هو سائد، ولا يكتفي بإعادة تدوين الأفكار، بل يمارس فعل إعادة النظر والسؤال والكشف عمّا هو مسكوت عنه في النصوص والعالم معًا. ومن هنا تغدو الكتابة الإبداعية طريقًا لصقل الوعي وتوسيع الأفق وإغناء التجربة الإنسانية، لأنها تفتح النص على قراءات لا تنتهي وتمنح اللغة قدرتها على الدلالة والتجدد. وبذلك تكون الكتابة الإبداعية فعل حرية ومسؤولية في الوقت نفسه: حرية الخيال، ومسؤولية إنتاج معنى أصيل يضيف إلى المعرفة ولا يكررها.
***
أ. د. نوال طه ياسين - أستاذ الفلسفة المعاصرة
جامعة البصرة-كلية الآداب-قسم الفلسفة






