قضايا
ابتهال عبد الوهاب: كيف نستقبل العام الجديد؟
لا يأتي العام الجديد كضيف احتفالي عابر، بل كفكرة ثقيلة عن الزمن، إنه ليس رقما يضاف إلى التقويم، بل سؤال مفتوح:
ماذا فعل بنا الوقت؟.. وماذا فعلنا نحن به؟. ماذا أخذ مني العام الماضي، وماذا منحني؟. أي اللحظات كانت حقيقية، وأيها كانت مجرد تمثيل؟. ما الذي استهلك طاقتي، وما الذي أنقذ روحي؟. هل أنا أكثر صدقا مع نفسي مما كنت عليه قبل عام؟
أي خوف سيستمر معي، وأي شجاعة سأسمح لها أن تنمو؟
ما الذي يجب أن أتركه خلفي كي أعيش حرة؟
ما الذي يستحق أن أقاتل من أجله، وما الذي لا يستحق اهتمامي؟
كيف سأقيس وقتي هذا العام… بالساعات أم بالوعي؟
ما معنى أن أكون أنا، بلا تقليد أو نسخة مستهلكة من الآخرين؟
نستقبل الأعوام عادة بالضجيج والاحتفالات، كأن الصخب قادر على طرد القلق القديم.
لكن الفلسفة تقترح استقبالا آخر: أن نقف لحظة، كما وقف الإنسان الأول أمام الزمن، مرتبكا، متسائلا، واعيا بهشاشته.
فحسب هيراقليطس، نحن لا نعبر النهر نفسه مرتين؛ لأننا نحن أنفسنا قد تغيرنا. العام الجديد ليس صفحة بيضاء تماما، بل صفحة كتبت حوافها بالفعل، وما بين السطور متروك لنا.
يرى نيتشه أن الزمن ليس خطا مستقيما يسير بنا نحو الخلاص، بل دائرة تعيد علينا الأسئلة ذاتها، بصيغ مختلفة. لذلك، فإن استقبال العام الجديد لا يكون بوهم القطيعة مع الماضي، بل بالشجاعة على مواجهته. ليس المطلوب أن ننسى ما كنا عليه، بل أن نسأل: هل نملك الشجاعة لأن نكون نسخة أصدق من أنفسنا؟
أما برغسون، فيحدثنا عن الزمن بوصفه “مدة داخلية” لا تقاس بالساعات، بل بما نعيشه فعلا. من هنا، لا قيمة لعام جديد إن ظل مجرد امتداد ميكانيكي لأعوام مستهلكة. الجديد الحقيقي لا يسكن التقويم، بل يسكن الوعي في طريقة نظرنا للأشياء، في قدرتنا على التوقف، على الإصغاء، على إعادة ترتيب علاقتنا بالحياة.
ويذهب هايدغر إلى أبعد من ذلك حين يربط الزمن بالوجود ذاته. فالإنسان كائن يعيش وهو يعرف أنه عابر. لذلك، فإن استقبال عام جديد هو في جوهره تمرين على الوعي بالفناء، لا بوصفه تهديدا، بل بوصفه دافعا للصدق. أن نعيش أقل زيفا، أقل استعجالا، أقل خضوعا لما لا يشبهنا.
ربما علينا أن نستقبل العام الجديد لا بالوعود الصاخبة، بل بأسئلة أكثر تواضعا:
ما الذي أرهقني؟ ما الذي أنقذني؟ ما الذي لم يعد يشبهني؟
فالتحرر، كما يقول سارتر، يبدأ حين نعترف بأننا مسؤولون عن اختياراتنا، حتى تلك التي ظننا أننا أُجبرنا عليها.
العام الجديد ليس بداية سحرية، بل فرصة إنسانية نادرة: أن نعيد التفاوض مع الزمن، لا كخصم، بل كشريك قاس لكنه عادل. أن نتصالح مع فكرة أننا لا نملك السيطرة الكاملة، لكننا نملك المعنى، نملك الموقف، نملك أن نقول “لا” لما استنزفنا، و”نعم” لما يمنحنا حياة أكثر عمقا وجمالا.
هكذا فقط يستقبل العام الجديد:
لا بالأمنيات، بل بالوعي
لا بالضجيج، بل بالصدق
لا بالهروب من الماضي، بل بفهمه… كي لا نعيد حياه بلا معنى
لهذا، حين أستقبل عاما جديدا، لا أتعامل معه كمنقذ، ولا أعلق عليه ما فشلت في احتماله سابقا
أستقبله وأنا أكثر شكا في الشعارات، وأكثر حذرا من الوعود السهلة
حين عامي، لا أرى فيه وعدا بالسعادة، ولا فرصة للهرب من نفسي أو من أخطائي السابقة.
أراه كمرآة قاسية تعيد إليّ كل ما حاولت أن أخفيه، وتكشف ما لم أرغب في مواجهته.
أنا مسؤولة عن اختياراتي، عن لحظاتي الضائعة، عن كل ما تركته يمر بلا وعي.
لا أطلب من الزمن عدلا، ولا من الحياة إنصافا؛ أطلب فقط وضوحا… أن أرى الأشياء كما هي، بلا تزييف.
العام الجديد عندي ليس إعلان نوايا، بل مراجعة قاسية للذات
أن أتحرر من النسخ التي استهلكت مني لإرضاء الآخرين،
أن أتخلى عن الأدوار التي عشتها خوفا لا قناعة،
أن أعيش بعمق. في التفاصيل الصغيره حياه أقل ضجيجا، وأكثر صدقا
وان لان نسمح بأن تسرق أعمارنا مرة أخرى.
هكذا فقط أستقبل العام الجديد:
واقفه في منتصف المسافة بين ما كنته وما أريد أن أكونه،
لا أعد نفسي بالخلاص،
لكن أعدها بأن اكون أكثر. رفقا.. تسامحا. انصافا. محبه ان اكون أكثر إنسانية…
.لن أتعهد بأن أكون مثالية، لكنني أتعهد بأن أكون حقيقية.
هذا كل ما أملكه… وهذا كل ما سأستقبله في العام الجديد:
حريتي، ووضوحي مع نفسي، وشجاعتي في أن أعيش كما أريد، بلا أي قناع.
***
ابتهال عبد الوهاب






