هل يمكن بناء ولاء جزئي (وطن) يكون مشتقا بالكامل من ولاء كلي (عقيدة) دون أن يفقد الجزئي معناه؟
توقفنا في الجزء الأول من هذه الدراسة عند سؤال: هل يمكن بناء ولاء جزئي (وطن) يكون مشتقا بالكامل من ولاء كلي (عقيدة) دون أن يفقد الجزئي معناه؟
في هذا الجزء سنحاول الإجابة عن هذا السؤال.
تمهيد: صياغة المسألة بدقة
المسألة ليست: "هل يحسن للإنسان أن يحب وطنه"؟ بل سؤال أضيق وأدق: إذا كان حب الوطن لا يُثبت وجوده ولا يوجه ولا يُقوم إلا بحساب العقيدة أو القيم الكونية الواسعة هل يبقى "حب الوطن" ذاته معنى مستقلا أم يتحول إلى اسم جديد لمحبة العقيدة وحدها؟
وللإجابة لا بد من تفكيك طرفي المسألة: ماذا يعني "مشتق بالكامل"؟ وماذا يعني "يفقد معناه"؟ فالمسألة تنهار أو تُحل حسب نماذج الاشتقاق ومعايير فقدان المعنى أكثر مما تُحل حسب شعارات "الوطنية" و"العقيدة" المتصارعة.
أولا: نماذج "الاشتقاق الكامل" - ثلاثة نماذج مختلفة جوهرا:
الكلمة الواحدة "مشتق" تُخفي ثلاثة نماذج متمايزة:
1. نموذج الاستنباط (الاستنتاج الصوري): يكون حب الوطن "قضية استنتاجية" عن العقيدة: من مبدأ كلي مثلا: "يجب إعانة الحق" يستنتج حكم جزئي "يجب إعانة الحق في بلد فلان". هنا الجزئي لا يحمل سوى ما يحمله الكلي وصورته المنطقية: ما هو مستنبط بالضرورة من مقدمات لا يضيف محتوى جديدا عليها. هذا هو النموذج الأصلب وهو أيضا أخطرها على معنى الوطن.
2. نموذج الوسائلة الغائية (الآلي- الجسري): الوطن جسر أو أداة توصل إلى ما تطلبه العقيدة وهو: حفظ الدين في الأرض وتحقق العدل وتأمين حرية الاعتقاد. الوطن محبوب "باعتبار" أنه شرط لما تحبه العقيدة ولو خالف ذلك انتزعت منه المحبة وهذا ظاهر في رأي ابن عثيمين: "أن يكون حب الوطن بدافع الحفاظ على الدين وحبه وأما ماسوى ذلك فليس من الإيمان".
3. نموذج التخصيص والتجسيد: العقيدة الكلية لا تتحدد إلا في حالات جزئية فالعدل الذي تحمله العقيدة يكون "عدلا" في هذا السوق وهذه المحكمة وهذه الأرض. الوطن هنا ليس استنتاجا ولا أداة بل الموضع الذي يتجسد فيه الكلي أصلا والكلي بلا تجسيد شبه معدوم عمليا.
هنا الفرق حاسم: في النموذجين الأول والثاني الوطن "زائد عن الحاجة" نظريا أي أن العقيدة تستطيع نظريا أن تنجز عملها في أي وطن كان. وفي النموذج الثالث الوطن ليس زائدا لأن الكلي نفسه لا يوجد إلا مخصوصا.
ثانيا: ماذا يعني أن يفقد الجزئي معناه؟
ثلاثة معايير ممكنة:
1. معيار القابلية للاستبدال: إذا كان أي وطن بديلا عن أي وطن آخر في حساب العقيدة- لأن المعيار كله "فيه عقيدة أم لا"- فإن الممتلك يتحول إلى "منطقة مؤقتة تنتظر فيها العقيدة موطنها الحقيقي". وهنا صارت الوجهة الجزئية عالة على العقيدة لا هيئة لها.
2. معيار غياب المطالب الخاصة: الوطن الذي لا يطلب منك شيئا إلا ما كانت العقيدة تطلبه أصلا (الصدق، العدل، الإعانة) لا يضيف "مطالب خاصة" لا المطالبة بجمع تراث لغة ولا بخصوصية مشهد حضاري ولا بوفاء لأشخاص بعينهم ممن صاروا كبارا هناك. والوطن بلا مطالب خاصة ليس وطنا بل "مجال إسناد".
3. معيار الاختزال التفسيري: إذا كان كل سلوك وطني مثل: تعلم لغة الأرض وعلاج جروح تاريخية وتوقير قبور الأجداد يُفهم كليا على أنه "وسيلة لحفظ العقيدة" فقد اختُزل تفسير السلوك إلى قوة واحدة وفقد الوطن قوة تفسيرية خاصة به وهذا ما يسميه الفلاسفة التحليليون فقدان "الواقعية النقدية" للخصوصية.
التمييز اللازم: بين فقدان المعنى وفقدان الأولوية: الوطن قد يظل معناه قائما ملموس وغير قابل للاستبدال بينما أولويته النهائية ليست له وهذا غير أن يفقد معناه تماما.
ثالثا: التجارب التاريخية أربع محاولات ونتائجها:
1. التجربة الإسلامية: الوطنية بين العقيدة والرابطة:
في التراث الكلاسيكي ظهرت مشكلة الاشتقاق الكامل بحدتها في مسألة الولاء السياسي: هل يكون الولاء للإمام المسلم ولو كان ظالما - لئلا تتشتت كلمة المسلمين - أي أن الرابطة السياسية تستمد قيمتها كلها من الرابطة العقائدية ولو كان صاحبها فاسدا؟ هذا نموذج صرف للاشتقاق الكامل وكشف حدوده في التجربة السياسية: حين يكون المعيار العقائدي وحده تعجز البنية عن تمييز الظالم المخلص من الظالم المفترس.
وأما الشهادة الأشهر فهي حديث انتقال ابن تيمية في كتابه (المجموع، ج28): حين بلغه موت أهله وأحبته في سجن القلعة قيل له إنهم يحبونك فقال: "الله أكبر، ولولا أن يكون ضرك عظيم على خلقه لاستغفرت لمن قتلهم" ثم قال: "ولولاهم ما كان في هذه القلعة... ولولا هذا لأدخلوا في ديار عدوهم بالأحكام السابقة" وقيل إنه قصد بذلك اقتباس ظاهر لفظ آية سورة سبأ. هنا ذكر أهل بلاده لم يجزئه فاستلزم سببا عقائديا: أن هؤلاء هم الذين حافظوا على عقيدة صحيحة ولم يُفتنوا بها. هذا هو الاشتقاق الكامل بوضعه: العقيدة هي التي تصنع من "أهل بلد" وطنا. ثم أضاف ابن تيمية القاعدة الكبرى: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وصلوات ومعبد وجامع" وقال: "إن الأمة إذا هُزمت وأُخذت البلاد وفسد سكانها فليس للإنسان أن يقعد بمدينة أو قرية وإنما يتخلى عنهم ويترك البلاد التي بيد الكافرين ويحضر البلاد التي بيد المسلمين".
أي أن الحب نفسه يتبع مكان تحقق العقيدة (المصدر نفسه).
وهنا تنكشف كلفة النموذج بأكمله: بلاد تُهجر لا لأنها ليست وطنا بل لأنها لم تعد موطنا للعقيدة. المعيار كله أصبح "فيها عقيدة أم لا"؟ فمؤهلات "أمة كاملة" تتحول إلى منطق اختيار بين أرض وأرض على أساس العقيدة. وهذا ما فعله حديثا جماعة "التكفير والهجرة".
وهذا يكشف لنا شيئا مهما: حديث "حب الوطن من الإيمان" المتداول لا أصالة له عند التكفيريين بل هو حديث "موضوع" أو "ضعيف".
والنتيجة النقدية مهمة فكريا: حين أرادت الشعوب العربية الإسلامية أن تمنح الولاء للوطن لم تجده في التراث فاخترعته لأن بنية التراث تمنح الوطن مكانا مشتقا لا مكانا ذاتيا. وقد واصل المحدثون هذا الجدل: فمحمد رشيد رضا (في المنار) فصل بين "العقيدة الدينية" و"الرابطة القومية" و"المشاعر الوطنية" بوصفها مستويات مختلفة يتحرك الإنسان بينها لا بوصفها طبقة واحدة.
والشيخ أحمد محمد المطهي في كتابه «العقيدة والوطنية» حاول أن يجعل الوطنية مشتقة بالكامل من العقيدة. وهذا الفهم يجعل الولاء للوطن مقيدا بولاء ديني والمواطن لا يملك موطنه في الحياة السياسية إلا من خلال عقيدته. أما الأخوان المسلمين فألغوا الوطن بالكامل لصالح العقيدة. وفي الجدل المعاصر نفس الشيء: من يقول إن حب الوطن "من الإيمان" بمعنى أن دافعه النهائي هو الحفاظ على الدين حيث يُطلق الولاء الجزئي من مبدأ الكلي. ومن يرفع هذا الحد يُطلق الولاء الجزئي من مبدأ الجزئي نفسه.
2. التجربة المسيحية: أغسطينوس وتوما الأكويني ترتيب المحبة
في التقليد المسيحي الحل الكلاسيكي لمسألة التشتت بين الحب الكلي (المحبة الإلهية) والمحبة الجزئية (الأهل أو البلد) هو مفهوم "ترتيب المحبة" ليست المسألة اختيارا بين محبة شاملة ومحبة محدودة بل ترتيب محبات متعددة بحيث لا تلغي إحداها الأخرى وتؤدي كل واحدة وظيفتها في موقعها وهنا نكتشف ميزة هذا النموذج: الاشتقاق بمعنى الترتيب لا بمعنى الاستبدال. فمحبة القريب ليست نسخة مصغرة من محبة الكلي بل حالة من الكلي تُمارس بشكل لا يُمارس به الكلي في عمومه. وقد لُخصت فكرة توما الأكويني بأن ترتيب المحبة ليس تقييدا للمحبة بل "محبة صحيحة". هذا النموذج يبقي الوطن محتفظا بمعناه: لأن المحبة الجزئية ليست وسيلة نحو الكلي بل صيغة خاصة للكلي لا تستبدل بصيغته العامة.
3. رأي ماكنتاير: في مقالته الشهيرة «هل الوطنية فضيلة؟» (Is Patriotism a Virtu) الصادرة عام 1984 يطرح الفيلسوف الجماعاتي ألسدير ماكنتاير (Alasdair MacIntyre) مقاربة نقدية عميقة حول مفهوم الوطنية مجادلا بوجود تعارض جوهري بين الأخلاق الليبرالية الكونية والأخلاق القائمة على الولاء للجماعة.
طبيعة الوطنية كفضيلة: يرى ماكنتاير أن الوطنية ليست مجرد شعور عاطفي بالحب تجاه الوطن بل هي فضيلة قائمة على الولاء والممارسات الفاعلة التي تبني هوية الفرد الأخلاقية وضمن سياق مجتمعه.
ويوضح المقال أن المنظور الأخلاقي الليبرالي يتطلب من الفرد إصدار أحكام حيادية ومجردة وعالمية بينما تتطلب الوطنية ولاءً خاصا واستثنائيا لأمة بعينها مما يجعلهما غير متوافقين بنيويا.
أهمية المجتمع الأخلاقي: يجادل ماكنتاير بأن الإنسان لا يمكنه ممارسة الفضيلة الأخلاقية من فراغ بل إن الهوية الأخلاقية للفرد تُشتق وتُكتسب من خلال الروابط والتاريخ والتقاليد الخاصة بالمجتمع الذي ينتمي إليه.
على الرغم من دفاعه عن الوطنية كشرط للأخلاق الجماعاتية فإنه يحذر من أنها قد تتحول إلى خطر أخلاقي إذا ما فرضت ولاءً غير نقدي يبرر أخطاء الدولة في أوقات الصراع على الموارد أو الحروب.
هنا يضعنا ماكنتاير أمام خيارين: إما أن نتبنى أخلاق ليبرالية كونية تفكك الروابط المجتمعية أو نتبنى وطنية جماعاتية تمنح الفرد سياقه الأخلاقي ولكنها تضعه في صراع محتمل مع الآخرين. فالوطنية عنده فضيلة شرطية هي: "أكثر من مجرد تقدير للمؤسسات وثقافة بلد ما: إنها ولاء وهي ولاء يُقوَّم بحسب سلوك الأمم. ثم يطرح السؤال المركزي: "هل يستطيع الشخص المسلم أن يُخضع ولاءه لبلده بحيث يكون خاضعا لسياسته في السلم والحرب وبمعزل عما تقوله السياسة الأخلاقية العقلانية عن العدالة بين الأمم"؟
والملاحظة النقدية هنا: ماكنتاير لا يلغي المعيار العقائدي - الكوني في هذا المقطع بل يحتمي منه جزئيا: فهو يُعرف الولاء بأنه لجماعة "من أجل خيرها". أي أن الوطنية فضيلة "شرطية" على أن يكون الخير الذي تجمعه الجماعة خيرا حقيقيا. ومع ذلك فإن رأيه المعلن هو أن الوطنية فضيلة وأن موقف "المواطن الواسع" الذي يتجاوز الوطن يُضعف أخلاق الفرد لأنه لا يملك تاريخا ولا انتماءً.
النتيجة: ماكنتاير يُطلق الوطن من قيد "المعيار الكوني" جزئيا لكنه يُقيده بقيد "الخير الحقيقي للجماعة" أي أنه لا يُعفي الوطن من المعيار إطلاقا.
4. رأي الفيلسوفة الأمريكية مارثا نوسباوم: الوطنية بوصفها "تصورا ذاتيا" لا مبدأ أخلاقيا:
في ندوة (Patriotism and Cosmopolitanism» (Boston Review 1994)) بدأت بمقال لنوسباوم ثم أُجيب عنه بمشاركات من ريتشارد رورتي وآخرين تم وضع التمييز الذي نحتاجه هنا: "الكوزموبوليتانية أولا مسألة مبدأ أخلاقي والوطنية مسألة تصور الذات أو هوية أخلاقية" ونوسباوم نفسها عرفت الكوزموبوليتي بأنه "الشخص الذي أولويته للجماعة الإنسانية في العالم كله".
ورد الفيلسوف "رورتي" بأنه دعا اليسار الأمريكي إلى عدم ازدراء الوطنية وإعطائها مكانا مركزيا. وفائدة هذا التمييز أنه يفصل بين مستوى المبدأ (العقيدة-القيم الكونية) ومستوى (الهوية-الوطن)
وهما لا يتنافران بالضرورة بل يؤديان وظيفتين مختلفتين في بنية الأخلاق.
5. رأي جوزيه رويز: الولاء من أجل الولاء:
جوزيه رويز (Josiah Royce) في فلسفته عن الولاء لم يُقِم الولاء على العقيدة بل على "القضايا القائمة" ومعناها أن يكرس الفرد ذاته لقضية تعيش وتتجاوز حياته الشخصية وأن يكون الولاء للولاء نفسه. أي أن يكرس الولاء لجعل الولاء حاضرا في العالم. وفي هذا النموذج الولاء الجزئي (الوطن) ليس مشتقا من العقيدة بل هو نفسه شكل من أشكال الكلي: فالوطن "قضية قائمة" تستحق الولاء لأنها "قضية" وليس لأنها تحمل عقيدة معينة. وهنا يمكن أن تكون الولاءات المتعددة (العقيدة، الوطن، العائلة) كلها "قضايا متوازية" والمشكلة لا تكون فيما يكون مشتق منها وما يكون أصل بل في تضاربها الوظيفي.
رابعا: الدفاع عن كلا الموقفين:
1. الدفاع عن نموذج الاشتقاق الكامل وحدة المعيار الأخلاقي:
إذا كانت العقيدة هي التي تحدد ما هو خير وما هو شر فمن المنطقي أن يكون ولاء الجزئي مشتقا منها وإلا صارت لدينا معايير متعارضة. والوطنية بلا معيار عقائدي تنفتح على شكلين خطرين: القومية المغلقة تعاليم "الأمة أولا" بمعزل عن الحق أو الوطنية السطحية. كما أن نموذج (ordo amoris) "ترتيب الحب" هو مفهوم فلسفي ولاهوتي يعبر عن الترتيب الصحيح والأخلاقي للمحبة والأولويات في حياة الإنسان حيث تُوجه العواطف والمشاعر نحو الأشياء بناءً على قيمتها الحقيقية والمستحقة.
ويعود الأصل التاريخي لهذا المفهوم. (ordo amoris) "ترتيب الحب" إلى القديس أوغسطين لكن تمت إعادة صياغته وتطويره بشكل موسع في الفلسفة الحديثة على يد الفيلسوف الظاهراتي الألماني ماكس شيلر. والمفهوم نفسه لا يُخلي الوطن من المعيار: فمحبة القريب في موضعها الصحيح تعني أنها تُقوَّم بمعيار أعلى حتى في موضعها. فالاشتقاق الكامل إذا فُهم بمعنى "الترتيب" لا بمعنى "الاستبدال" قد يحفظ للوطن معناه.
2. الدفاع عن الموقف الجزئي (الاعتراض القوي):
الاعتراض الأقوى هو الذي صاغه ماكنتاير الذي يرى بأن الوطن "له تاريخ" و"انتماء" و"ملموس" بينما الولاء المستنبط من معيار كوني هو ولاء لمبدأ لا لوطن. والوطن الذي يُقبل أو يُرفض بحساب عقائدي صرف أي بصيغة "فيه عقيدة أم لا"؟ ليس وطنا بل منطقة قيد اختبار عقائدي. والوطن الحقيقي يطلب منك أشياء لا تطلبها العقيدةمثل: لغته وذاكرته وكل ما يدخل في الوجدان. والوطن الذي لا يطلب شيئا من هذا ليس وطنا بل "مجال إسناد" لا غير.
والاعتراض الثاني: الوطن القابل للاستبدال ليس وطنا. والنموذج الآلي (الوطن وسيلة لحفظ العقيدة) يجعل الوطن قابلا للاستبدال نظريا: فإذا وُجد وطن آخر أكثر تحقيقا للعقيدة انقلب المعيار إلى منطق "أفضل أرض". وهذا ما نراه عمليا في منطق "هجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام" عند بعض رجال الدين المتزمتين حيث تتحول "أمة" إلى معيار اختيار بين أراض متعددة.
والاعتراض الثالث وهو الأخطر: الاشتقاق الكامل يفرغ الجزئي من قدرته على نقد الكلي. فإذا كان الوطن مشتقا بالكامل من العقيدة فلا يستطيع أن يقول للعقيدة: "هنا أنت مخطئة". وهذا يلغي الوظيفة النقدية للوطن وعندما يسكت الوطن يتفتت.
رد وتركيب:
الاعتراض الأول والثاني يصيبان نموذجي الاستنباط والوسيلة تحديدا لا نموذج التخصيص. ففي نموذج التخصيص الوطن ليس وسيلة ولا استنتاجا بل موضع التجسيد والكلي بلا مواضع تجسيد لا يعني شيئا عمليا. وفي هذا النموذج الوطن غير قابل للاستبدال لأن تجسيد العقيدة في هذه الأرض بذاتها (بلغتها وذاكرتها وجغرافيتها) لا يتكرر. والاعتراض الثالث يُجاب بأن ماكنتاير نفسه اشترط أن يكون الولاء لجماعة "خيرها" قائما فعليا أي أن الاشتقاق عند الحاجة النقدية هو الذي ينقذ المعنى: العقيدة تُشترط في المنبع (أن تكون العقيدة كذلك) لا في كل حالة تحديد للموقف. وهنا ينتصر «الترتيب» (ordo amoris) على "الاستبدال": فمحبة الوطن ليست نسخة مصغرة من محبة الكلي بل حالة من الكلي تُمارس بشكل لا يُمارس به الكلي في عمومه.
والجواب أخيرا:
نعم يمكن بناء ولاء جزئي (وطن) مشتق بالكامل من ولاء كلي (عقيدة) دون أن يفقد معناه لكن بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون الاشتقاق "بمعنى التخصيص" لا "بمعنى الاستبدال". فالعقيدة الكلية لا تتحدد إلا في حالات جزئية والوطن هو الموضع الذي تتجسد فيه العقيدة أي في (ذاكرة ولغة وجغرافيا) لا يتكرران. وفي هذا النموذج الوطن لا يُستبدل بوطن آخر لأن ما يُستبدل ليس وطنا بل "أرضا".
الشرط الثاني: أن يكون المعيار العقائدي في المنبع (تأسيس الولاء) لا في كل حالة تحديد للموقف. فالعقيدة تُشترط عند النقد لا عند الإعطاء. أي أن العقيدة تقول لك: "لا تحب الوطن إذا كان خيره باطل" لكنها لا تقول لك: "طريقة حبك للوطن يجب أن تكون نسخة من طريقة حبك للعقيدة". وهذا ما يجعل الوطن يطلب منك أشياء لا تطلبها العقيدة: (لغته وذاكرته وما يمثل الوجدان).
وبعبارة أخيرة: المعيار العقائدي-الكوني لوحده عندما يصير هو المعيار الأوحد يفرغ الوطن من معناه ويجعله "منطقة قيد اختبار" لا وطنا.
أما المعيار العقائدي الذي يُحضر عند النقد ويُغيب عند العيش ويُستعمل "بمعنى الترتيب" لا "بمعنى الاستبدال" يُمكن أن يكون مصدرا للولاء الجزئي دون أن يفرغه من معناه. لأن الجزئي هنا ليس "استنتاجا" ولا "وسيلة" بل حالة من الكلي تُمارس بشكل لا يُمارس به الكلي في عمومه.
***
سليم جواد الفهد
.......................
المراجع:
- ماكنتير، «Is patriotism a virtue?»: النص الكامل (PDF)
- ندوة Boston Review «Patriotism and Cosmopolitanism» (1994) وردود نوسباوم ورورتي: الندوة، Patriotism for Cosmopolitans، A Defense of Communal Values
- مفهوم ترتيب المحبة (أغسطينوس وتوما الأكويني): Ordo amoris — Wikipedia، Ordo Amoris: The Order of Love
- فلسفة الولاء عند جوزيه رويز: American Interpretations of Hegel: Josiah Royce's Philosophy of Loyalty — JSTOR
- ابن تيمية وانتقاله من الجليس (المجموع ج28): ويكيبيديا العربية: ابن تيمية.
- نقد حديث «حب الوطن من الإيمان»: دراسة منشورة — قاعدة معلومات المنضمة، وفتوى ابن عثيمين فيديو.
- رشيد رضا والوحدة العربية (فصل الرابطات): دراسة أكاديمية.








