عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

رزكار عقراوي: التجديد التنظيمي لليسار في العصر الرقمي

روزا لوكسمبورغ: "الحرية هي دائما وحصرا حرية من يفكر على نحو مختلف".

كيف ندير الحزب اليوم يعكس كيف سندير المجتمع غدا

أنطلق في هذا النص من قناعة بأن الحزب اليساري صورة مصغرة للمجتمع الذي يسعى إلى بنائه وإدارته، وأن نظامه الداخلي يعكس بصورة مبكرة شكل الإدارة التي سيقدمها إذا تولى القيادة في الدولة. فالطريقة التي تتخذ بها القرارات داخل الحزب، وموقع القاعدة فيها، وحدود صلاحيات القيادة وشكل انتخابها، ومدى احترام الرأي المختلف، كلها تقدم للجماهير إجابة عملية عن سؤال جوهري: هل تكون السلطة في المجتمع الذي ننشده بيد الجماهير نفسها وتحت رقابتها المستمرة، أم تتركز في يد هيئات محدودة مهما حسنت نواياها؟ وعلى سبيل المثال، فإن الحزب الذي تنتخب قاعدته قيادته وتحاسبها، وتتداول فيه المواقع، ويصان فيه حق الأقلية في التعبير بشكل علني، يقدم صورة عملية لدولة ينتخب فيها الشعب من يحكمه ويحاسبه، وتتداول فيها السلطة، وتصان فيها حقوق المعارضة. ومن هنا تأتي أهمية أن يجسد النظام الداخلي منذ اليوم قيم الديمقراطية والمشاركة والشفافية والتداول التي نعد بها المجتمع غدا.

أكتب هذا النص بمناسبة طرح الحزب الشيوعي العراقي مسودة نظامه الداخلي للنقاش ضمن وثائق مؤتمره الوطني الثاني عشر، وما أطرحه فيه رأي في التنظيم اليساري عموما، يتصل بأحزاب اليسار وتنظيماته كافة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في العالم العربي وبلدان الجنوب العالمي، حيث ما زال كثير من تنظيمات اليسار يعيد إنتاج آليات تنظيمية صيغت في ظروف العمل السري والمطاردة تحت الأنظمة الديكتاتورية. وقد خدمت تلك الآليات قوى اليسار في زمنها، وقد تبقى بعض عناصرها ضرورية حيث ما زال القمع قائما، غير أن كثيرا منها أصبح متقادما وعاجزا عن مواكبة عصره. وفي المقابل تجدد الرأسمالية آليات عملها على مدار الدقيقة، وقد يكون من الصعب أن نواجهها ببنى تنظيمية لم تتطور بالشكل المناسب منذ عقود.

ويقوم التجديد الذي أدعو إليه على أربعة مرتكزات:

1. الأفكار والتجارب الاشتراكية المختلفة، السابقة منها والحالية، عبر قراءة نقدية منفتحة لها، تستفيد من إيجابياتها وإنجازاتها وتتعلم من نواقصها وإخفاقاتها، على الصعيدين الفكري والتنظيمي معا.

2. المعرفة، التي صارت متاحة ومفتوحة ولم تعد حكرا على مجموعة معينة تحتكر تفسير الواقع.

3. الوعي الحقوقي، الذي تقدم كثيرا في مسائل حرية التعبير والمساواة الكاملة للمرأة وحقوق الإنسان والأقليات والبيئة والحريات الشخصية.

4. الثورة الرقمية، التي أعادت تشكيل طريقة تواصل الناس وتنظيمهم وتعبيرهم عن آرائهم.

ويستند النص إلى مفاهيم اليسار الرقمي التي أعني بها تطوير اليسار فكريا وتجديد آلياته التنظيمية على أساس هذه المرتكزات. وأبدأ بتقدير مبادرة طرح الوثائق الحزبية للحوار الجماهيري العلني، وهي ممارسة ديمقراطية إيجابية أتمنى أن تصبح منهجا لكل أحزاب اليسار في المنطقة. وتقتصر قراءتي على الجانب التنظيمي، ولا تتناول السياسات والبرامج الحزبية، التي يمكن أن نتفق أو نختلف معها في هذه النقطة أو تلك، فالظرف المعقد الذي تمر به بلداننا يفسح المجال لاجتهادات يسارية متعددة.

وأعتقد أن كثيرا من القواعد الموروثة عن النموذج التنظيمي الذي تشكل في أعقاب ثورة أكتوبر الاشتراكية، وساد إلى حد كبير في القرن العشرين، بحاجة اليوم إلى تطوير من داخلها من دون قطيعة معها. وقد نبهت روزا لوكسمبورغ مبكرا، في كتابها "الثورة الروسية" عام 1918، إلى أن الحياة في المؤسسات تخبو حين تغيب الانتخابات الحرة والصراع الحر بين الآراء، وأن "الحرية هي دائما وحصرا حرية من يفكر على نحو مختلف".

القاعدة الحزبية مصدرا للسلطات

كما ينادي اليسار بأن الشعب مصدر السلطات في المجتمع، ينبغي أن تكون القاعدة الحزبية المصدر الأساسي للسلطات داخل تنظيماته. غير أن أدوات المبادرة الأساسية، من الاستفتاء إلى المؤتمر الاستثنائي إلى التحالفات وغيرها، تبقى في كثير من تنظيمات اليسار بيد الهيئات القيادية. ولذلك أرى أن من حق نسبة محددة من الأعضاء والعضوات، عشرة بالمائة مثلا، أو ثلث المنظمات المحلية، الدعوة إلى مؤتمر استثنائي أو استفتاء داخلي ملزم. ولهذا المبدأ نظائر في تجارب يسارية معاصرة، فحزب اليسار الألماني يتيح للتنظيمات المحلية الدعوة إلى استفتاء عام للأعضاء تكون نتيجته في مرتبة قرار المؤتمر.

عضوية مرنة وتعدد المنابر وحرية التعبير

أرى أن العضوية تكسب كثيرا حين تنفتح من مفهوم الانتماء الصارم نحو مفهوم تحالفي، عبر أشكال متدرجة تستوعب تنوع ظروف الناس، منها العضوية الفاعلة والمؤازرة والوقتية والجزئية والإلكترونية، انطلاقا من أن كل عضو وعضوة كنز للتنظيم. وتقدم الجبهة العريضة في الأوروغواي نموذجا لافتا، إذ جمعت أحزابا متعددة وأفرادا مستقلين في إطار مرن استمر أكثر من خمسة عقود ووصل إلى الحكم.

وأعتقد أن الاعتراف المنظم بتعدد المنابر والاتجاهات الفكرية من أقوى ضمانات الوحدة، لأن الرأي الذي يجد قناة شرعية داخل البيت يبقى في البيت، وهو حق أصبح طبيعيا في أحزاب يسارية عديدة، منها حزب العمال البرازيلي وحزب اليسار الألماني. كما أن حصر حق التعبير بالمنابر الحزبية كان منطقيا حين كانت الجريدة الحزبية المنبر الوحيد، أما اليوم فلكل عضو وعضوة صفحات عدة في شبكات التواصل الاجتماعي تصل إلى آلاف القراء، والأجدى أن تعترف الأنظمة الداخلية لتنظيمات اليسار بهذا الواقع وتنظمه، شرط تقديم الآراء بوصفها شخصية ومن دون إفشاء ما هو داخلي بطبيعته. فالحوار العلني البناء يترك انطباعا إيجابيا لدى الجماهير، ويشركها في تطوير سياسات اليسار من خلال التفاعل والتغذية الراجعة.

عدالة داخلية وإصلاح بدل العقاب

تكسب العدالة التي ينادي بها اليسار مصداقية مضاعفة حين تجد انعكاسها داخل التنظيم. ولذلك يحتاج التنظيم اليساري في تقديري إلى هيئة قضائية منتخبة ومستقلة عن القيادة، تنشر قراراتها وأسبابها، وتكون قراراتها ملزمة لكافة الهيئات بما فيها القيادية، ولها درجة استئناف مستقلة. ويقدم حزب اليسار الألماني تجربة مفيدة هنا، إذ يملك نظام تحكيم داخلي مستقلا تماما عن قيادته، وينشر قراراته بصيغة علنية تحفظ في الوقت نفسه خصوصية الأشخاص.

وأرى أن الغاية من أي نظام عقوبات هي إصلاح السلوك والحفاظ على الأعضاء داخل التنظيم، وخاصة في مرحلة يواجه فيها اليسار تراجعا في حضوره، تستدعي أن تكون تنظيماته جاذبة للأعضاء والعضوات. ولذلك أدعو إلى أدوات وسيطة كالحوار والوساطة الرفاقية، وضمانات إجرائية كحق الدفاع وقرينة البراءة، وإعادة النظر في عقوبة الفصل التي أراها نوعا من الإعدام السياسي والتنظيمي، ومراجعة قرارات الفصل السابقة التي ارتبطت بخلافات فكرية أو سياسية.

القيادة الجماعية وتداول المواقع

أعتقد أن مبدأ التجديد القيادي يتحقق بسقف لا يتجاوز دورتين انتخابيتين لأي موقع قيادي، وبالاتجاه التدريجي نحو القيادة الجماعية بمنسقين ومنسقات لكل مجال تخصصي. وتجربة حزب القائمة الموحدة اليساري الدنماركي مثال عملي هنا، فهو يدار بهيئة قيادية جماعية من دون رئيس أو أمين عام، وله ناطق باسمه فقط، ويطبق مبدأ التناوب في مواقعه، وقد رافقت هذه القواعد فترة من أفضل نتائجه الانتخابية.

وفي المؤتمرات الحزبية، أرى أن تسمية القيادة المنتهية ولايتها نسبة من أعضاء المؤتمر ممارسة تستحق المراجعة من الناحيتين الديمقراطية والحقوقية، وأنها تتعارض مع مبدأ المساواة في الحقوق بين الأعضاء والعضوات، وأن الأنسب أن يحضر أعضاء القيادة الذين لم تنتخبهم منظماتهم مندوبين بصفة ضيوف يقدمون تقييمهم للمرحلة السابقة.

المرأة والشباب، من المبدأ إلى النسبة

تتطلب المساواة داخل التنظيم اليساري في رأيي نسبة لا تقل عن أربعين بالمائة لكل من الجنسين في الهيئات القيادية كافة الآن، تتصاعد نحو المناصفة، وقيادة مشتركة لكل هيئة من منسق ومنسقة. ومن الضروري كذلك تخصيص كوتا عمرية للشباب في الهيئات القيادية، فالجيل الجديد أكثر مرونة في التعامل مع التطورات المتسارعة وأقرب إلى أدوات العصر، ويمكن لكبار العمر وذوي الخبرة الطويلة أن يسهموا بصفة مستشارين له، بما يحقق التواصل بين الأجيال. وضمانا لأن يتحول الحضور العددي إلى دور حقيقي في صنع القرار، ينبغي أن ترافق الكوتا خطة تمكين وبناء قدرات واضحة ومستمرة، تشمل برامج التأهيل القيادي والمرافقة الميدانية وإسناد المهام بصورة متدرجة.

النزاهة المالية

يقاس اليسار عادة بمعيار أشد صرامة من غيره، وهذا في تقديري امتياز يعلي من مكانته. ولذلك تقتضي النزاهة، حسب إمكانيات العلنية ومستوى الديمقراطية والنشاط السياسي في كل بلد، نشر تقرير مالي سنوي مدقق، وإقرار ذمة مالية لمن يتولى المواقع القيادية والتمثيلية، واقتطاع نسبة من دخل الوظائف العامة المستحصلة باسم الحزب لصالح ماليته، على غرار حزب القائمة الموحدة اليساري الدنماركي الذي يتقاضى نوابه ما يعادل متوسط أجر عامل الصناعة، والنص على أن العمل الحزبي تطوعي في الأساس، تقتصر فيه الرواتب على حالات الضرورة والتفرغ التام.

التحالفات

قرارات التحالف والمشاركة في السلطة من أشد القرارات حساسية داخل أحزاب اليسار وأكثرها أثرا في علاقتها بجمهورها، وكثيرا ما كانت مصدر تراجع وانقسامات عميقة دفع اليسار ثمنها من رصيده الجماهيري، ولدينا تجارب كثيرة في العراق وعموم المنطقة. ولذلك فالأسلم أن تطرح هذه القرارات للحوار التنظيمي والعلني، ثم لاستفتاء داخلي عام، بما يمنحها شرعية أوسع، ويحمي الحزب من الاستقطاب حولها، ويخفف العبء عن القيادة نفسها. ومن الضروري أن ينص النظام الداخلي على عدم التحالف مع قوى استبدادية أو فاسدة أو لها دور مباشر في انتهاكات حقوق الإنسان، حرصا على استقلالية الحزب ونزاهته وثقة الجماهير الكادحة به، وعلى أولوية التحالف والعمل المشترك مع القوى اليسارية والتقدمية.

الرقمنة والمؤتمر الدائم

يستحق نظام داخلي يكتب في عصر الثورة الرقمية بابا مستقلا للعمل الرقمي، ينظم الاجتماعات عن بعد والتصويت الإلكتروني بضمانات السرية والنزاهة، ويحمي بيانات الأعضاء والعضوات في بيئة تنشط فيها أجهزة استخبارات وشركات مراقبة، ويعتمد البرمجيات الحرة قدر الإمكان تجنبا للارتهان للشركات الاحتكارية. وتتيح الرقمنة ومجموعات التواصل الاجتماعي كذلك أن تتحول المسافة بين مؤتمرين من فراغ إلى حالة أشبه بمؤتمر دائم، تطرح فيه السياسات والوثائق للحوار الجماعي في كافة المستويات الحزبية قبل إقرارها، فيبقى العقل الجماعي للتنظيم نشطا ومشاركا في صنع القرار على مدار العام بدلا من أن يحصر في هيئات محددة أو أشخاص محددين.

خلاصة

لا يخفى أن اليسار في المنطقة شهد تراجعا في السنوات الأخيرة، ولهذا التراجع أسباب كثيرة موضوعية وذاتية، غير أن للبناء التنظيمي وأشكال العمل والقيادة أثرا كبيرا فيه. ومن هنا أرى أن المرحلة تتطلب تحولا تدريجيا من البناء الهرمي إلى بناء أفقي، يكون فيه للقاعدة والأجيال الجديدة الدور الأكبر في رسم السياسات واختيار القيادات، وتكون القيادة فيه مؤازرة للقاعدة وداعمة لها ومنسقة لعملها.

وتبقى التجارب التي استندت إليها، من دول مختلفة، مفيدة ومضيئة، غير أنها تعمل في بيئات قد تختلف عن واقع مجتمعاتنا، ولذلك تحتاج الاستفادة منها إلى تكييف مدروس يراعي خصوصية واقعنا وظروفه المعقدة، بعيدا عن النقل المباشر. ومع ذلك تبقى قوى اليسار في أي مجتمع انعكاسا لمستوى تطوره المعرفي والحقوقي والديمقراطي، ويفترض بها أن تكون في طليعة هذا التطور ومحركا له، وهو ما يجعل تجديد آلياتها التنظيمية ضرورة ملحة في مجتمعاتنا أيضا.

وأختم بما بدأت به: الحزب الذي يمارس الديمقراطية والعدالة والشفافية داخل بنيته يقدم لشغيلة وشغيلات اليد والفكر دليلا عمليا على قدرته على ممارستها في إدارة الدولة والمجتمع.

***

رزكار عقراوي

في المثقف اليوم