ثمة وهمٌ شائع في فهم الاستقلال، يقوم على الاعتقاد بأن خروج المستعمر من الأرض يعني، بالضرورة، خروج الاستعمار من حياة الناس. كأن الاستعمار جندي يحمل بندقيته، فإذا غادر الجندي انصرف الاستعمار معه، وانتهى الأمر. غير أن قراءة عميقة لتجارب الشعوب التي تحررت من الاستعمار تكشف أن المسألة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير؛ فالمستعمر قد يغادر الأرض، لكن البنية التي أقامها، والثقافة التي أنتجها، وطريقة توزيع القوة والثروة التي رسّخها، قد تبقى حاضرة بأشكال أخرى، وربما يعاد إنتاجها بأيدي أبناء البلد أنفسهم.
وهنا تكمن أهمية قراءة فرانتز فانون في (المعذّبون في الأرض). فالرجل لم يكن منشغلاً فقط بسؤال: كيف نطرد المستعمر؟ وإنما كان مشغولاً، على نحو أكثر عمقاً، بالسؤال الذي يأتي بعد ذلك: ماذا سنفعل بالبلد بعد أن يرحل المستعمر؟ وهل ستكون القوى التي ورثت السلطة قادرة على تحويل الاستقلال السياسي إلى تحرر حقيقي، أم أنها ستكتفي بوراثة موقع المستعمر والاستمتاع بمغانم السلطة التي كانت في يده؟ فالاستعمار لا يترك وراءه فراغاً سياسياً فحسب، وإنما يترك مجتمعاً أعيد تشكيله وفق علاقة غير متكافئة بين حاكم ومحكوم، ومركز وهامش، وأقلية تمتلك القرار والثروة وأغلبية يجري التعامل معها بوصفها موضوعاً للحكم لا شريكاً فيه. وحين ترحل القوة الاستعمارية، لا تختفي هذه العلاقات تلقائياً. وقد يحدث الأسوأ: أن تستولي نخبة وطنية على الجهاز الذي تركه المستعمر، لكنها لا تهدم منطقه، وإنما تستبدل الوجوه بالوجوه، والأسماء بالأسماء، ويبقى جوهر العلاقة على حاله. وهنا يصبح الاستقلال السياسي شيئاً، والتحرر شيئاً آخر.
وقد يرفع الشعب علمه الوطني، ويستعيد نشيده، ويعلن سيادته، وتجلس في مكاتب الدولة وجوه وطنية تتحدث باسم الثورة والتحرر، لكن المواطن البسيط قد لا يجد في حياته اليومية ما يخبره بأن شيئاً جوهرياً قد تغير. فالسلطة ما زالت بعيدة عنه، والثروة ما زالت محصورة في أيدي قلة، والفرص العامة يجري توزيعها وفق الولاء والانتماء، والمؤسسات تتحول إلى أدوات لخدمة أصحاب النفوذ، والدولة التي كان يفترض أن تكون ملكاً للمجتمع تصبح ملكاً لمن تمكنوا من الوصول إليها. وفي هذه اللحظة يبدأ السؤال الأكثر إيلاماً: ماذا لو كان الذين جاءوا بعد المستعمر أسوأ من حيث استئثارهم بمغانم الدولة من المستعمر نفسه؟ وهذا لا يعني أن المستعمر يصبح عادلاً بأثر رجعي، ولا أن الاستعمار يتحول إلى تجربة مرغوبة؛ فالاستعمار في جوهره علاقة هيمنة واستغلال. لكن التاريخ الاجتماعي يعلمنا أن الإنسان لا يقارن دائماً بين الخير والشر في صورتهما المجردة، وإنما يقارن بين تجربتين عاشهما. فإذا خرج من استعمار كان فيه القهر واضحاً، ثم وجد نفسه تحت سلطة وطنية تستولي على الدولة، وتحتكر ثرواتها، وتغلق أبوابها أمام أبناء الشعب، وتنهب المال العام باسم الوطنية أو غيرها من شعارات فئوية ضيقة مثل المناداة بالمكوّن المذهبي أو الديني أو القومي، فقد يبدأ بعض الناس في استعادة الماضي بصورة انتقائية، لا حباً بالمستعمر، وإنما لأن الحاضر جعلهم يفقدون ثقتهم في البديل الوطني. وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات قسوة في تاريخ ما بعد الاستعمار، وذلك حين يفقد الشعب حماسه للاستقلال لا لأن الاستعمار كان جميلاً، وإنما لأن الذين ورثوا الاستقلال جعلوا الوطن أقل عدلاً من الوعود التي أطلقت باسمه.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله النخبة الوطنية ليس فقط أن تسرق المال العام، وإنما أن تسرق المعنى الأخلاقي للاستقلال. فعندما تتحول الوطنية إلى امتياز، والثورة إلى وظيفة، والسلطة إلى غنيمة، يصبح المواطن أمام طبقة جديدة لا تختلف في علاقتها بالسلطة عن الطبقة التي ثار عليها، سوى أن الأولى ترتدي هذه المرة ثياباً وطنية. ولذلك فإن التحرر الحقيقي لا ينبغي أن يُقاس فقط برحيل المحتل، وإنما بما يحدث بعد رحيله، وذلك حين يصبح المواطن أكثر حرية؟ وهل ستكون الدولة أكثر عدلاً في توزيعها العادل للثروات لكل أبناء المجتمع؟ بحيث تصبح السلطة خادمة للناس وليس العكس. وهل ستتحول مؤسسات الدولة إلى فضاء مشترك، أم إلى غنائم تتقاسمها النخب المنتصرة؟ مثل هذه الأسئلة هي التي تجعل فرانتز فانون راهناً إلى اليوم. فهو لا يدعونا إلى الحنين إلى المستعمر، وإنما يحذرنا من إنتاج مستعمر داخلي بملامح وطنية. فالمشكلة ليست في لون بشرة من يحكم، ولا في اللغة التي يتحدث بها، ولا في الشعارات التي يرفعها؛ المشكلة في طبيعة العلاقة التي يقيمها مع الشعب. فإذا كان الحاكم الوطني يتعامل مع الدولة باعتبارها ملكاً لجماعته، ومع الثروة العامة باعتبارها غنيمة، ومع المواطنين باعتبارهم تابعين، فإنه يعيد إنتاج جانب أساسي من المنطق الذي قامت عليه العلاقة الاستعمارية، حتى لو كان هو نفسه من أبناء البلد.
ولعل أخطر ما في هذا كله أن الشعب قد يصل، بعد سنوات من الخيبة، إلى مرحلة لا يعود فيها يسأل: هل تحررنا من الاستعمار؟ وإنما يسأل سؤالاً أكثر مرارة: هل كان الذين جاؤوا بعده أفضل منه؟ وحين يصل المجتمع إلى هذه النقطة، تكون الكارثة قد تجاوزت فساد السلطة إلى فساد المعنى؛ إذ يصبح الاستقلال نفسه موضع شك، والوطنية موضع ريبة، والشعارات التي كانت ذات يوم باعثة على الأمل مثاراً للسخرية. وعندها لا يعود الحنين إلى الماضي حنيناً إلى المستعمر بقدر ما يصبح احتجاجاً على حاضر عجز عن إثبات أنه أفضل.
وهنا لا يكون الاستقلال لحظةً عابرةً يخرج فيها المستعمر من الباب، وإنما مسار طويل تتحرر فيه الدولة والمجتمع والإنسان من كل أشكال الهيمنة. وقد يكون أصعب أشكال الهيمنة ذلك الذي يأتي من الداخل؛ لأنه لا يدخل البلاد بجندي أجنبي، وإنما يدخلها بشعار وطني أو ديني، ويتحدث بلسان أهلها، ويطلب من الناس أن يصمتوا بحجة الدفاع عن الوطن أو عن المذهب..!
***
د. وسام حسين العبيدي








