آراء

سامي عبد العال: وليمةٌ من بقايا الحُروب

"طوال ثلاثين عاماً كنا نظن أنَّ القواعد الأمريكية تحمي دولنا.. ولكن تبين أننا في الحقيقة منْ يحميها "... عبارة لمسئول خليجي

كثيرةٌ هي الصراعات والحروب في المنطقة العربية حتى شكلت مشهداً تاريخياً عجيباً. وهي منطقة تتمتع بأضخم أرصدة الثروات الطبيعية والبشرية والثقافية في العالم. بدا واضحاً أنَّ نشوب الصراع بأشكاله المختلفة أقرب إلى الحدوث بخلاف احتمالات السلام. ومن وقت لآخر، تلوح في الافق أجواء مُلبدة بالاحتقان بين قوى تتسلح بمخزونها الثقافي والمادي. خلال السبعين سنة الماضية، لم يخلُو " عقدٌ واحد " من نزاع داخل البلدان العربية أو بينها وبين وسواها.

ثمة طرف معروف في حين تتغاير الأطراف الأخرى بُعداً أو قُرباً. "اسرائيل- أمريكا " هما الطرف شبه الثابت في معادلة الصراعات، بينما تتواتر دول تالية: مصر وسوريا وفلسطين ولبنان والأردن والعراق وإيران ..، أطراف تحل محل الأخرى بحسب سياق الأحداث، ولكن المشاهد مكررة والوقائع معروفة!!

إزاء كل حالةٍ، يكون مُؤشر فهمنا للاحداث خطأً، ليس من باب الجهل، ولكن نتيجة المعالجات الفكرية غير الدقيقة للصراع. لأننا نهوى عادةً تصويب الأفكار في الجهة الأخرى، على شاكلة اللاعب الذي يصوب الكرة خارج المرمى. بات "عقلنا السياسي" مثل السيارة الطائشة التي لا كوابح لها. تتحرك في كل اتجاه وتصطدم بالأشياء وتتخبط بالطرقات ظنّاً منها: أنَّ الاشياء هي التي تعترض طريقها. فلا يعنينا منْ نحن عندما نكون طرفاً في صراع ولا كيفية استثمار قوتنا قبل أنْ نتحرك في اتجاهٍ أو آخر. ولكن المهم هو إلقاء الاتهامات يميناً ويساراً، وليس بعيداً أنْ يتم دهس كل من يحاول ترشيد السرعة أو ضبط التوجهات في الطريق الصحيح.

هناك أسئلة شائعة تمثل الوعي المشوّه تجاه الصراعات: منْ يقف معنا ومنْ يقف ضدنا؟ هل أمريكا تقف بجوارنا إزاء اسرائيل أم أنها تتلاعب بمواقفنا؟ هل انجلترا تؤيد إسرائيل أم تدعم العرب؟ هل فرنسا مع الطرف الآخر أم تُقوّي أهدافنا؟ وصولاً إلى معضلة الحرب بين إيران وامريكا -اسرائيل، لنتساءل بالطريقة نفسها: لماذا تعتدي علينا إيران كلسان حال دول الخليج؟ ولماذا لا نعطي فرصة للغرب الأميريكي لحمايتنا؟ إننا ننسى كل شيء ونركز على أشياء هامشية خارج الحدث. وهذا الأمر قد يعود إلى غياب المصداقية في معالجة القضايا الأساسية منذ البداية.

فتح العرب المجال لأقدام الغرب الأمريكي في معظم الدولة العربية. قواعد أمريكية عسكرية توجد على أراض وطنية في أكثر من عشر دول: قطر، البحرين، الامارات، الكويت، السعودية، سلطنة عمان، العراق، الأردن، سوريا، جيبوتي. القواعد بمثابة "إعلان حرب معلق" على التراب الوطني. فالدول الخليجية دول جوار انثروبولوجي وجيوسياسي واقتصادي من أزمنة بعيدة. لماذا توجد بها منفردةً قواعد عسكرية؟! وعلى افتراض إذا نشبت صراعات يوماً ما في منطقة الخليج، فمن ستحارب القواعد المتواجدة على أراضهيا؟ فالقواعد تنتمي إلى الدولة الأمريكية، هل قاعدة أمريكا في قطر ستحارب قاعدة أمريكا في السعودية؟ هل قاعدة أمريكا في البحرين ستدافع أمام قاعدة أمريكا في الكويت؟ هل ستحمى قاعدة أمريكا في سورىا الدولة السورية منةقاعدة أمريكا في الأردن؟ أمر كهذا يحار فيه من يحاول تحليل المواقف السياسية. فالرابح الوحيد من الصراعات هو أمريكا وحليفتها الأولى في المنطقة (اسرائيل).

التواجد الامريكي في دولةٍ ما لا يكون تواجداً محدوداً ولا محكوماً بقوانين. أمريكا قوة عظمى مرتبطة بفكرة التوسع وتغلغل النفوذ. وهذا أمر صارخ الوضوح طبقاً لتأسيس القواعد العسكرية من جهةٍ وطبقاً لتاريخ أمريكا في المنطقة من جهةٍ أخرى. وبحكم الهيمنة، فهي تأخذ صلاحيات أكثر مما ينبغي. أي تشكل حالةً خاصةً من التواجد العسكري السياسي. ويكفي أن القواعد لا تخضع لقوانين ولا لقرارات ولا تقاليد الدولة المضيفة ( قطر أو البحرين أو الامارات أو سوريا...). هي حالة لا محل لها من الاعراب القانوني ولا التبرير السياسي. لابد أن انشاء القاعدة العسكرية يقتضي اقرار آليات دولية وسيادية تخص الدولة صاحبة القواعد. لأن المنطق يقول إنها دولة دفاع ومساندة لدولة أخرى. ولكن أين بوادر هذا المنطق في الواقع؟

القاعدة العسكرية إذن بمثابة جسم غريب في دولة أخرى. وبطبيعتها تمثل الغرابة علامة استفهام دون اجابةٍ. ما معنى أنْ تكون هناك قاعة حربية في مجتمع آخر؟! كيف يتم النظر إلى كيان حربي في أرض دولة وطنية؟! وحدُها الحروب تخص أصحاب الأرض مثل الهوية والمعتقدات والعلاقات الاجتماعية والثقافية. لا يتحمل مجتمع حروب مجتمع آخر ولا تكون ثمة حروب مستعارة. أتدري لماذا تميز الثقافة مجتمعاً عن غيرة، لأنَّ الثقافة تخص مجتمعاً معيناً من أول وهلةٍ. هل تخص القواعد العسكرية الدولة المضيفة بالأسلوب ذاته؟! هل هي من جنس الوجود الذي تتمتع به الدولة المضيفة؟!

كما لا يوجد مبرر حداثي لاحتواء " بؤرة عسكرية " لدولة أخرى. بؤرةٌ قد تفهم بشكل مغاير. من زاوية أنَّ ثمة تداخل للسيادات بين الدولة الوطنية والدول المغايرة. ولكن قد يثار هنا استفهام آخر: كيف توجد سيادة داخل سيادة أخرى؟! تحت أي عنوان تخلط السيادة بغيرها. فهي إما أن تكون خالصة لأصحابها وإما لا تكون.

إن الحماية ليست بالانابة ولن توجد. وبخاصة أنَّ قطعة من السيادة الامريكية (القاعدة) في دولة ما كفيلة باستحضار باقي السيادة بشحمها ولحمها. والسيادة الوطنية بالذات لا تخص آخرين. هي سيادتنا نحن أصحاب الوطن، ونحن ما يتحمل تبعات ذلك. ولن يفهم أحدٌ غيرنا ماذا تعني السيادة قدر ما نتمتع بها. وليست ثمة أسباب مهما تكن تستدعي استعارة سيادة أمريكية بلا ضمان. هل حين لا نريدها سترحل من غير تبعات؟

الأساس في الموضوع أنَّ هناك تكافؤاً بين الدول في الاجراءات الحربية. أي تقوم دولة بمعناها الحداثي لاتخاذ قرار الحرب، لكونها مناظرة لدولة خرى تراها معتدية. أما أن يجلب مجتمع قوى أخرى لحمايته فهذا يعيد النظر في مفاهيم الدولة والحرية والمجتمع ذاته. لماذا أطلثقات الدولة على نفسها هذا السم حداثياً ؟ لأنها تستطيع ةحماية شعبها ومقدراتها وثرواتها قبل أن يتمتع أرادها بذاك. وهذا ما نسميه في الكلمة الدلة الأمن أو السلام. ولا توجد كلمات حداثية أخرى تستبدلها.

يؤكد ميشيل فوكو " أنَّ من يمتلك قرار الحرب هو من يمتلك قرار الواقع". هل ذلك ينطبق على الدول التي تحتضن قواعد عسكرية تمتلك توقيتات الصراع والحروب. وقصدت الولايات المتحدة إلى تحديد مؤشر الصراع في حالة إيران. واختارت الانحياز الكامل لمصالح الكيان الصهيوني. وربما لو سألت أمريكا دول القواعد الأمريكية ما كانت لتوافق الأخيرة على قرار الحرب مع إيران. ببساطة لأن هذه الدول العربية كانت ستسأل: ما مصير الحماية التي ترتهن بوجود القواعد؟ وماذا لو ضُربت هذه القواعد في التراب الوطني للدول؟ هذه خلفية الاحراج السياسيى الذي ظهر في الأفق مع ولائم الحروب في المنطقة العربية. لأنَّ القواعد الامريكية نزعت الغطاء السياسي عن وجودها وكشفت إلى أي مدى كانت مصدر تهديد لا مصدر حماية. والمدهش أن أمريكا لم تعطي هذا الأمر كبير عناية ولم تبرر حتى غير بكلمات لا قيمة لها.

يقول دونالد ترامب بصدد الحرب الدائرة بين أمريكا وايران: " إن هدفي هو منع ايران، تلك الامبراطورية الشريرة، من امتلاك أسلحة نووية ومن تدمير الشرق الأوسط". لقد حشر الهدف الخاص بدولته ( الأمريكية- الصهيونية) كهدف عام في المنطقة. وتكلم ببداهة مباشرة تصل إلى درجة الصفاقة السياسية عن الأهداف. كان يجب أن يعطي المجتمعات العربية التي وثقف في دولته كل الحرية في اتخاذ الاهداف الخاصة بها، لا أنْ يسحب الأمر على المنطقة كأنه لا يوجد بشر تحت عنوان العرب. هذا نوع من " التوريط بالوكالة " أي يشن الحرب على ايران ويترك الدول العربية تواجه مصيرها عند ردود الفعل. وليس ذلك تبريراً للأفعال الايرانية ولا الأمريكية في منطقة الخليج العربي، ولكن انطلاقاً من استحقاق السيادة السياسية لدول عربية مستقلة وحرة.

وضع ترامب من ضمن أهدافه منع إيران من تدمير الشرق الأوسط كما قال. لم ير أن مهام قواعده هي الحماية الاستباقية قبل أن تفكر أية قوة في ذلك ابتداء. أي أن قوالته توجد بالمنطقة لكي تحول دون الوصوال إلى هذه المرحلة. مما يدل على أن كلام ترامب حول تدمير ايران لدول العرب تهديد للمجتمعات العربية. وكأنه يقول: ما لم تنهض الدول العربية بمحاربة ايران فسأترك الميدان لكي تلتهم ابيران المنطقة. وهو يعلم ويردد طال الوقت كلاما نهماً عن حجم الثروات الاقتصادية العربية.

الأمر الذي يعني أنه على العرب أن يدفعوا تكلفة الحرب مع ايران. وهو يمثل حماية بعيدة المدى لاسرائيل. لأنَّ تكلفة الحرب ستُدفع من جيوب عربية لا جيوب صهيونية، وأن العائد منها حماية الكيان الاسرائيلي ليس أقل. وما حدث بالضبط أن الحرب ليست حرب العرب وأن فاتورة التكلفة ليست فاتورة العرب، ومع ذلك ستكون النتائج الايجابية عائدة على غيرهم. لأن ترامب يقصد بمصطلح " الشرق الاوسط " اسرائيل. وبخاصة أنَّ ايران أعلنت أكثر من مرةٍ: أنَّ المستهدف من وراء صراعاتها في المنطقة هو خنق دولة الكيان الصهيوني. وأنها هي الدولة التي يجب أن تنتهي من الخريطة السياسية.

ما علاقة العرب بذلك الصراع العابر للحدود من الأساس؟ لماذا يُصنع من وجود العرب وليمةً لحروب لا تهدأ في المنطقة؟

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

في المثقف اليوم