آراء
وسام حسين العبيدي: حين تكون الصحافة مبدأً ورسالة.. جولي براون مثالاً
في ملف "جيفري إبستين" الذي لم يبق أحدٌ ممن له علاقة بالسياسة وممن لا علاقة له بها من الحديث عنه، لا أريد إعادة ما قيل، لكن ما لفتني حقًّا وجود شخصية عظيمة كان لها الدور الفاعل في فتح ملفّات هذه القضية الحسّاسة المحميّة من جهات سياسية عليا في الولايات المتّحدة الأمريكية، وفي محاولة واضحة لانزعاج الرئيس الأمريكي "ترامب" من خطورة هذه الملفات على مستقبله السياسي وأنه أحد أبرز المتّهمين مع "ابستين" والمتستّرين على جرائمه، بل لا يبعد أنْ يكون مشتركًا معه في هذه الجرائم الفضيعة التي يندى لها جبين الإنسانية، جدد دعوته إلى تجاوز الجدل المثار حول قضية إبستين، مؤكدًا أن "الوثائق التي تم الكشف عنها مؤخرًا لا تتضمن ما يدينه، تثبت تعرضه لاستهداف سياسي. وخلال حديثه للصحفيين في البيت الأبيض، أوضح ترامب أنه لم يظهر في الوثائق أي دليل ضده، معتبرًا أن ما أُثير سابقًا كان جزءًا من مؤامرة حيكت ضده من قبل أطراف عدة، من بينهم إبستين. وأضاف أن الوقت حان لترك هذه القضية والتركيز على ملفات تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، مثل الرعاية الصحية وقضايا المعيشة اليومية". وهذه الشخصية العظيمة تجلّت لنا بالصحفية الاستقصائية جولي ك. براون وهي مراسلة صحيفة ميامي هيرالد، إذ لم يكن سقوط جيفري إبستين، المحاط بالمال والنفوذ والعلاقات السياسية الرفيعة، نتيجة تحرك قضائي مفاجئ أو صحوة ضمير متأخرة لدى المؤسسات، فكان لثمرة جهود عامٍ كامل من العمل الصحفي الاستقصائي المضني قادته هذه الصحفية "البطلة" أن تكشف للعالم أجمع ملفّات هذه الجرائم البشعة، فقد تحولت إلى رمز عالمي للصحافة الاستقصائية، بفتحها إحدى أكثر القضايا التي حاولت النخبة المالية والسياسية في الولايات المتحدة دفنها، وكشفت كيف انحرفت العدالة عن مسارها لصالح رجل محمي بشبكة نفوذ غير مسبوقة، رغم التهديدات غير المباشرة، ومحاولات الترهيب، تقول براون إنها لم تشعر يومًا بأنها مستهدفة مباشرة، ربما لأن محيط إبستين استهان بها، واعتبرها "مجرد صحفية من صحيفة محلية تكتب عن قصة قديمة"؛ لكن هذا "الاستخفاف" كان أحد أسباب نجاحها.
ورغم كل ما حققته، تصر براون على أن الأبطال الحقيقيين هم الضحايا؛ حيث تقول: "الفضل يعود للنساء اللواتي تجرأن على الكلام بعد سنوات من الخوف والصمت".
وحمل تحقيق براون اسم "انحراف العدالة"، ونشر بالكامل في موقع ميامي هيرالد. ولقاء عملها التحقيقي، فازت الصحفية الأمريكية عام 2018، على جائزة جورج بولك، عن فئة التقارير المتعلقة بالعدالة عام 2018، حول فضيحة إبستين ودور الدعي الفيدرالي ألكسندر أكوستا، في محاولة إخفاء جرائمه.
كما حصلت على جائزة نيل وسوزان شيهان لعام 2019، من معهد الصحافة الوطني الأمريكي، تقديرا لتحقيقها الاستقصائي في ملفات إبستين.
وحازت براون على جائزة هليمان للصحافة، من مؤسسة سيدني هيلمان، تقديرا لتحقيقها المكون من 5 أجزاء بعنوان "انحراف العدالة"، والذي نبش جرائم إبستين وأظهرها للعلن.
أصبحت جولي ك. براون أيقونة للصحافة الاستقصائية، وحصلت على جوائز مرموقة، أبرزها جائزة جورج بولك، وأصدرت كتابها "عدالة منحرفة: قصة جيفري إبستين" - "Perversion of Justice: The Jeffrey Epstein Story".
وهنا أقول: إنَّ من دواعي الإنصاف أن ننظر إلى الغرب بأنه غربان، غربٌ مُجرم يؤيّد الظلم ويرتكب المجازر البشعة بحق شعوب الأرض المستضعفة ويُملي أرادته عليها، ويستنزف خيراتها، ويحاول أنْ يجعلها خاضعةً خانعةً لإرادته محتاجةً إليه في كلِّ شيء؛ ليبقى سيِّدًا عليها، ولا يكتفي بذلك بل في مجتمعه يُمارس أقذر الجرائم تحت غطاء قانوني، وما جريمة "جيفري ابستين" إلا واحدة من هذه الجرائم الكثيرة على مرِّ تاريخه، وهنالك غربٌ آخر يقف بالضدِّ من تلك الممارسات الظالمة والاعتداءات الإجرامية بحق مجتمعه أولاً وبحقِّ الشعوب الأخرى، وليس بعيدًا عنّا ما حصل من مظاهرات عارمة في مختلف دول أوربا وفي أمريكا، واحتجاجات شعبية واسعة تدين اعتداء الكيان الغاصب على غزة، وتطالب بمحاكمة مرتكبي تلك الجرائم، فيما لم نشهد مثيلاً لتلك المظاهرات الشعبية العارمة في دولنا العربية الإسلامية، كلُّ هذا ينبغي أنْ لا نغضّ عنه الطرف، ونعمِّم بالحكم: إن الغرب كلّه مدان بالظلم والإجرام وارتكاب المحرّمات والموبقات، فهنالك شعوبٌ مظلومة تئنُّ من وقع سياط حكومات مستبدّة، وتدفع بشعوبها إلى مزيد من الاحتقان، وهذه الصحفية لو لم يكن لديها ضميرٌ حيّ، ورسالة إنسانية سامية في عملها الصحفي، لما دفعها إلى تخطّي الممنوع في كشف ملابسات قضية مسوّرة بحماية أعتى حكومة على وجه الأرض، فكان لها الفضل في تعرية الإجرام بحق الإنسانية في وقت تحاول أمريكا أنْ تظهر بوجهٍ ناعم بزعمها أنّها تدافع عن حقوق الإنسان وتحارب بالنيابة عن دول العالم لكلِّ من يقف بوجهها..!
وأخيرًا أرى لو كان لدينا في العراق، مثل هذه الصحفيّة، وكشفت ملفّات فساد مالي وإداري وغيره لدى سياسيين، أيًّا كان انتماؤهم، لكان أوّل من وقف بوجهها أبناء جلدتها، ورموها بتُهم جاهزة مثل: "الدونية"، "بنت سفارة"، "سيداو"، أو إشاعة أنها كانت "رفيقة بعثية" في سابق عهدها، أو أنّها غير شريفة.. إلخ وليس بعيدًا مثل هذه الاتّهامات التي نسمعها كل يوم لكلِّ من يختلف مع هذه الجهة أو تلك، في حين نرى الكثير من المحسوبين على الصحافة يأخذ موقف الحياد – غير المُبرر- الذي يُمارسه لأجل أنْ يحافظ على مكانته في هذه المؤسسة أو ذلك الحزب الذي ينتمي إليه آملاً بالحصول على مكاسب كثيرة، ما جعلهم أبعد ما يكونوا عن أداء مهمّتهم الصحفية التي تتمثّل بكشف الحقيقة لا غير والوقوف مع الحق أيًّا كان انتماؤه وتوجّهه، الأمر الذي أدّى إلى استفحال الظلم وتفشّيه، من دون رادعٍ يحمي الصحفيّ الذي يحمل مبادئه بيد وخشبته على رقبته ينتظر من يصلبه عليها..!
***
وسام حسين العبيدي






