آراء

بهيج حسن مسعود: التحصّن الهوياتي.. الوجه المعاصر للقبلية في عصر الديمقراطية

البحث عن الأمان في أقفاص الهوية

في عصر يرفع شعارات الحرية والتعددية، تشهد مجتمعاتنا تحولاً خطيراً نحو الانكفاء داخل جماعات هوياتية مغلقة، سواء أكانت عرقية أم طائفية أم سياسية أم ثقافية. يُقدَّم هذا السلوك على أنه ممارسة شرعية للحرية والدفاع عن الذات، بينما يؤدي في الواقع إلى إضعاف النقد الذاتي وتعطيل الحوار البناء. النتيجة ليست سوى ديمقراطية انتقائية، تُرفع فيها الشعارات البراقة بينما يُعاد إنتاج الانقسام بأساليب أكثر تهذيباً وأقل وضوحاً.

التحول اللغوي والأخلاقي: من "العصبية" إلى "الهوية"

لم تعد الغرائز القبلية تُسمى عصبيات يُدان حاملها أخلاقياً، بل صارت تُعرف باسم "الهويات" و"الانتماءات". هذا الانزياح اللغوي ليس بريئاً؛ فهو يُغير الحكم الأخلاقي على السلوكيات الإقصائية، ويحوّلها من خطيئة اجتماعية إلى حق مشروع في التعبير عن الذات. فكلمة "هوية" تحمل في طياتها شرعية وجودية، تجعل من الدفاع عنها – حتى بأساليب انعزالية – عملاً مبرراً. وهكذا، تُلبس النزعات الانفصالية ثوب الحداثة، وتُقدّم بوصفها إعادة اكتشاف للذات الجمعية.

الظاهرة الشاملة: جميع الأطراف تمتلك قاموسها الأخلاقي

لم تعد هذه الظاهرة حكراً على طرف ضد آخر. فكل جماعة – أغلبية كانت أم أقلية – باتت تمتلك قاموسها الخاص لتبرير موقفها، مستندة إلى تاريخها وآلامها الخاصة لصنع "درع أخلاقي" يحميها من النقد. الأكثرية تتحدث عن الحفاظ على الهوية والتراث، بينما تتحدث الأقلية عن الحق في الاختلاف والحماية من التهميش. الجميع يمتلك سرديته، وجميعهم يرفعون راية الدفاع المشروع، مما يُنتج حالة من الحوار بين صم، لا يسمع فيها أحدٌ الآخر.

تأثير التحصن على الفرد والمجتمع: فقدان الاستقلالية الفكرية

داخل الجماعة الهوياتية، يفقد الفرد جزءاً كبيراً من استقلاليته الفكرية. فالسؤال الداخلي يُعتبر خيانة، والنقد الخارجي يوصف عدواناً. يجد الفرد نفسه مرغماً على تبني المواقف الجاهزة، والانصياع للخطاب الجماعي الموحد. هذه "التبعية المريحة" تمنح الفرد شعوراً زائفاً بالقوة والانتماء، بينما تعفيه من مواجهة الأسئلة الصعبة بمفرده، وتحميه من عبء المساءلة الفردية.

الديمقراطية الانتقائية: خطاب بلا حوار

لا تُلغى الديمقراطية في هذا السياق، بل تُستخدم بانتقائية واضحة. تُستدعى عندما تخدم مصالح الجماعة، وتُهمش عندما تهدد تماسكها الداخلي. وهكذا يُنتج فضاء عاماً مليئاً بالخطاب، لكنه فقير في الحوار الحقيقي. تُرفع شعارات الحرية والتعددية، لكن ضمن حدود لا تتجاوز أسوار الجماعة. تُمارس الديمقراطية كطقس شكلي، بينما يتم تعطيل جوهرها القائم على التسامح مع الاختلاف والاعتراف بالآخر.

النتيجة: المجتمع الرمادي والمسؤولية المشتتة

النتيجة النهائية ليست نظاماً استبدادياً واضح المعالم، بل حالة مجتمعية مراوغة وغامضة. مجتمع "رمادي" تذوب فيه المسؤوليات، ويتوزع الذنب على نطاق واسع، فلا يشعر أحد بأنه المخطئ الوحيد أو المسؤول الرئيس. هذه التشظي في المسؤولية يلغي أي حافز للمراجعة والمحاسبة، ويجعل من الصعب تحديد نقطة الخلل، فالأخطاء تُرتكب جماعياً، وتُغفر جماعياً.

المواطنة الفاعلة: الخروج من القطيع

في مواجهة هذا التحصن الهوياتي، تبرز المواطنة الفاعلة كبديل جذري وحيد. ليست المواطنة مجرد شعار أو وثيقة قانونية، بل هي ممارسة عملية تعيد توزيع الحقوق والواجبات خارج منطق العصبية والانتماءات الضيقة. المواطنة الحقيقية تتطلب شجاعة الخروج من القطيع، والتحلي بمسؤولية المشاركة الفردية في الشأن العام. هي الخيار الأصعب، لأنها تفرض على الفرد أن يواجه الأسئلة الشائكة بمفرده، وأن يتحمل عبء المساءلة الشخصية.

المواطنة هي الإطار الجامع الوحيد القادر على كسر دائرة التحصن، لأنها تتعامل مع الأفراد ككائنات عاقلة وحرة، وليس كأعضاء في جماعة مغلقة. هي العقد الاجتماعي الذي يسمح بالاختلاف ضمن إطار الوحدة، ويحول التنوع من مصدر تهديد إلى مصدر ثراء.

خاتمة: نحو شجاعة الفردانية المسؤولة

إن الخطر الأكبر في التحصن الهوياتي ليس في انقسام المجتمع فحسب، بل في تحويل الأفراد إلى كائنات تابعة، تفقد القدرة على التفكير النقدي المستقل. المواطنة الفاعلة تمثل تحدياً أمام هذه الموجة العاتية من الجماعاتية الحديثة، فهي تدعو إلى استعادة الفرد كفاعل أخلاقي وعاقل. إنها دعوة إلى شجاعة جديدة: شجاعة الوقوف بمفردك، والتفكير بمفردك، وتحمل المسؤولية بمفردك – ليس من أجل الانعزال، بل من أجل المشاركة الحقيقية في بناء مجتمع حر يتسع للجميع.

***

بهيج حسن مسعود

 

في المثقف اليوم