عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

بسمة الشوالي: فقر دم المعنى

نتسكّع معا تحت شمس الظّهيرة، وروح كلّ منّا تلوذ بالظّل. ثمّة زيتونة صمت عريقة تضرب بجذورها في تربة الذّات العميقة وترخي غصونها على الجراحات الدّفينة. تحت فيئها دائم الخضرة تختبئ كلّ منّا عن خوفها المتوحّش من نفسها والآخر بصوره المتعدّدة، وترسل حمامة الأمل بعيدا بحثا عن جبل جديد للمعنى يرسو عليه فُلك الأمنيات الأخيرة.

نجوب بخطى منسجمة أرجاء المدينة شارعا فنهجا فمنعطفا. ندخل المحلاّت الكبرى والصّغرى. نجلس إلى طاولة مقهى ونغادر قبل أن يعود النّادل بالقهوة. نقزقز بذور عبّاد الشّمس بعصبيّة، ونلفظ قشورها بانفعال حماسيّ كما لو كنّا نرمي نفايات صدورنا على وجه العالم المُرائي.

وحده الخوف المتصوّف يبني بين أضلعنا زاوية محميّة لا تدركها الموعظة الورعة ولا فضول الكلام، تتعبّد فيها الأحزان الشّخصيّة المتكتّمة، منكفئة على خصوصيّتها الحادّة وعزلتها العدائيّة أحيانا..

خلف كواليس المشهد المرئيّ تجوس كلّ منّا في الأزقّة الدّاخليّة المعتمة أو شبه المضاءة من نفسها، مخبّئة عن صاحبتها أسرارها المخجلة الصّغيرة ورغباتها المنحرفة المكبوتة. على مسرح الحياة تحجب النظّارات الشمسيّة شروق المواجع على ضفاف الحدقة وتهرّب السريرة صوتها المُكمّم في الألوان. يضحك وجه النّهار في ورد ثيابها الجوريّ. ويضيء الأصفر هيأتي فيضلّل العابرين عن فوّهة الثقب الأسود المفتوحة خلف سور اللحم والعظام، ويشحن السؤال القلق بطاقة المرح، "كيف حالك حمْرا حمْراء؟" فتردّ ببسمة في لون قميصي، "تفلّق طلْع الوحدة فخرجت أتحرّش بالذّئاب، وأنت، صديقةَ الروح، كيف حالك؟" وتطبق كلتانا الباب على بيتها الدّاخليّ.

لا تسألني، كعادتها، عن آخر محطّة نضاليّة بلغها زوجي في "مناهضة العنف ضدّ المرأة وحقوق الإنسان"، مكتفيا بمنح اسمه لبناته الثلاث، تاركا لي كلّ الباقي من شؤونهنّ الكبيرة والصّغيرة، متباهيا بنجاحهنّ الذي ساهم فيه بكلّ جيناته الوراثيّة، مجال تدخّله الأكثر فاعليّة في تربيتهنّ..

ولا أسألها لمَ ألحّت اليوم على لقائي. هي لم تبادر بفتح أيّ شبّاك على فناء الموضوع المتروك خلف باب السّكوت الخشبيّ المخرّم، وأنا لم أتلصّص عليها من ثقوب اللغة.

عادت دندنة الصّمت الخاشع تضبط تراتيل الوحدة المعتكفة في زاوية الصّدر، فاتّزن إيقاع سيرنا كأنّا جسد وصورته يتمشّيان جنبا إلى جنب. كلّما تجاوزتني بخطوة اختلّ توازنها فتهدّئ من تطرّف الحزن على قدر خافقي المتعب، وكلّما خرج بي الشّرود عن سكّتها عدّلتُه بالتفاتة نحوها تطمئنها أنّي ما أزال هاهنا، وسأظلّ، إلى جانبك فميلي عليّ إذا أتعبتك الاستقامة، واطردي بيدي وحوش الوحدة.

لم أخبرها أنّها حبل العَشَقة1 التقطني من وادي القنوط. خجلت أن أبدو أمامها النملةَ الغرقى تجرّأت على التيّار بلا طوق ذاتيّ للنجاة. لو تأخّرت قليلا لصرت مجرّد خبر في جملة الحياة المنسوخة بـ "كان". قبل ساعة، فرغ رأسي من كلّ الشؤون اليوميّة وأثاث الدّنيا وصار غرفة خاوية مقفلة. غصن بشريّ خشَعت رقبته فتدلّىمن سقف الفراغ المربّع. على الأرضيّة كرسيّ مقلوب.. بعد جدال داخليّ حامٍ لم يجد سيناريست اليأس شخصيّة جديرة بتجسيد دور الغصن الخاشع غير أنا/ بقيّة امرأة أكلتْها القناعة السّاذجة وشربها الرّضا الخبيث فغدت شبحا ناشفا لا يراه زوجها.. رأيتني أتدلّى.. يثبّت المصوّر عين الكاميرا عليّ ملتقطا مشهدي الصّامت الأخير، ويغيّر زاوية التّصوير باستمرار لالتقاط مشاهد زوجي نائحا يعانق طرفيَّ الباردين، معرّضا نفسه بإلحاح أمام الشّاشة..

أظنّ أنّ الحدث، لو حدث فعلا، لكان فاجعة صادمة له. وأنّ حزنه، حينئذ، صادق في حدوده المرئيّة على الأقلّ. الوجه لا يكذب، أو كذا أظنّ. كنت قد استحسنت الخطّة الانتقاميّة ولم يبق إلاّ أن أنقّل الأنشوطة من سقف الخيال إلى سقف الغرفة لكنّ رنين هاتفها قطع استرسال اللقطة السينمائيّة الذّهنيّة وصوّب عيني على الواقع. ستتأذّى بناتي وقد يدمّر المشهد حياتهنّ، ولن يعلم أحد أنّي ضبطته قبل أيّام يستجدي في هوان مخجل، عبر الهاتف، امرأة أخرى أن تتزوّج به عُرفيّا..

لن يعلم أحد أنّي عرفت من هي، حتى أنت صديقي القارئ. وما قد يخطر بظنّك مستقبلا فهو ظنّك.

أمشي بتوْه محبّب تخلخله مشاعر مختلطة غير مستقرّة، تعلو بي إلى ذرى الفرح المجانيّ ثمّ تهوي فجأة إلى الحضيض الكدِر، وتقفز هي على فجوة الحاضر عوْدا على سفر ابنها الوحيد قبل شهرين. تعيد سرد أحداث عرسه بإسهاب يختلط فيه الواقعيّ بالمتخيّل، الذّاتيّ المطعَّم بهلوسة اضطراب نفسيّ صامت بالموضوعيّ المحايد كسطح جليديّ. تخوض متأخّرة معارك لم تخضها حينها، وتستوطن في التفاصيل الصغيرة كأنّما يوم فقط قد مرّ أو يومان. لا أعدّل ساعة ذاكرتها المضطربة، وأعدّ لها حضني متّكأ لحظة تتعثّر في خيبة قديمة أو تنحرف إلى زقاق الاكتئاب ثانية.

- ليس لديّ عشاء لهذه الليلة ولم أتبضّع منذ أسبوع..تعالي..

تنعطف فجأة إلى محلّ تجاريّ. أتبعها. لا ترى غير سكريّات الكربوهيرات فيما تقتني. تلقي علكة في جوف الفم فتطقطق العجينة بين النواذج المنفعلة وتتكوّر على طرف اللسان الشبق دوائرَ مائعة  تنفجر في وجوه العابرين.. يتناثر اللعاب وتترقرق نُقط صغيرة على سطح الورنيش الملتمع لحذاء سيّدة عبرت حذوها..

هل تنشب الحرب أيضا في حذاء نسائيّ أهانته امرأة.. !؟

ساحة عراك شرس صغيرة مكتظّة نشطت في رواق المحلّ، وفي براكين الأحقاد الدّاخليّة الخامدة.. على طرف احتشد جيش متنمّر فضوليّ دفاعا عن كرامة الحذاء، وعلى الآخر نحن: هي المتروكة كبقايا السنابل في الحصيد، متحفّزة لقذف مدافع الشرّ من جوفها المتوقّد أو سلخ وجه أحدهم لحظة اشتباك الأظافر الشرسة، وأنا صديقتها الناجية صدفة من فكرة الانتحار وقد استفقت مؤخّرا وبغتة على كمّ الرايات البيض التي رفعتُ لأنتصر في حروب خشيت خوضها. ذعرت لمّا نزعت نظّاراتها عن عينين متجمّدتين، تحوّل بياضهما إلى سعير يتلظّى تحت جفنين ورِما من فرط البكاء حدّ اليأس المصفّح.. صاحبة الحذاء كذلك ارتعبت وخيّم ظلّ أدكن على وجهها فتراجعت وتفرّق الحشد دهشا مبهوتا.. أنكرتُها. لم تكن تشبه نفسها في شيء. بعثت اللحظة الشّرسة لاميا من جديد فأحيت الحرب النائمة تحت جلد الصّبر، في خلايا الأمومة المغدورة.. الجميلة المتوحّشة تنهض من نومها فيّ أنا أيضا.. خفت منّي عليّ.. ضغطت مرتاعة مفجوعة على ذراعها فانتفضت متوتّرة كمن استفاقت من حالة مسّ غيّبت وعيها. لبست النظّارات. تركت سلّة المقتنيات على جانب من عون الاستخلاص وسحبتني خارجا.

شهقت شربة نهمة من الهواء. نشّط الأكسجين بقايا الحياة في دمها ودمي وشرع غرفنا الدّاخليّة على العالم خارجنا. انتعشت قسماتها قليلا. سألتني هازئة:

- ما اسمها تلك الأفعى؟

- لامِيا.

- ماذا كانت تفعل لامِيا لتحرّر نظرها المتجمّد على مشهد قتل أبنائها المتكرّر أمامها باستمرار لانهائيّ؟

- تقلع عينيها. تتخلّص في العمى من لعنة العوْد الأبديّ للحظة الفقد القاسية.. لكنّها تتحوّل حينها إلى أفعى ضارية..

بعد برهة شاردة، فرقع من فمها الضّحك عاليا صاخبا يثير انتباه المارّة. انكتمت بغتة. حشرجت الكلمات بين أسنانها كأوراق جافّة تهرسها الأقدام فهسهس صوتها حرشا خفيضا لو أنّها تحدّث نفسها أو أنّي نفسها تلك..

- شخص واحد سيحملني يوما أن أقلع عينيّ. سيكون من حسن حظّه ألاّ يعترضني ذات صدفة، أخشى أن يستفزّ الذّئب السّاكن فيه الأفعى السّاكنة فيّ فتغرز سمّها في عموده الفقري..

- من هو؟

- منزلي فارغ ترجّع جدرانه تأوّهات الضجر. الثلّاجة فارغة تصفّر فيها الريح. روحي الأبرد من غرفة تبريد فارغة لم تعد تجد فرقا بين لَفوح وبَليل، منذ شهرين وهي ترتجف في عُلبي العظميّة ولا شيء يدفئها. الخريف فصل سقوط الخفيف من الكيان وانفتاح كلّ أفواه الجوع في بطونه الغائرة.. لكن، لا تجزعي، سأتماسك حتى الصيف القادم، وعدني حبّة القلب أن يزورني، سأحافظ على لياقتي النفسيّة والبدنيّة لأجله.. أستطيع ذلك طالما أنت إلى جانبي..

تعبّر عن جوع المعنى بأكثر من صيغة قوليّة. تترك سؤالي معلّقا إلى مشجب الحيرة، وتمضي بي حيث تشاء.

أقلّب معها البضائع الجديدة والمستعملة في المحلاّت وعلى الأرصفة. نناقش الأسعار والموديلات المعروضة بجديّة. تجرّب أكثر من حذاء بكعب عال وحقيبة يد فاخرة، تقيس عدّة فساتين خاصّة بالسّهرات الباذخة، تطلب رأيي المهمّ في رأيها بإلحاح ولا تعيره اهتماما. لم تكن تريد اقتناء شيء بعينه. كانت تبحث عن وصفة وجوديّة ناجعة تسكت سغب الروّح، وتنشّط المستقبلات العصبيّة للسيروتونين لعلّها تخفّف من تأوّهات فكرة الوحدة المتورّمة في دماغ اللّيل.

لكن منذ متى لم تكن وحيدة؟

مدى عقدين وخمس سنين وهي تنظر في اتجاه واحد، وتدبّ هوْنا في خطوط مستقيمة بحذاء واطئ الكعب، حذرا بخطى منضبطة حتى لا توقظ موسيقى كعبها نوْمة أنثى الجسد المُخدّرة.. تمشي في الظلّ، وتغيّر أقفال سكنها كلّما تسلّقت إلى نافذته عريشة عشق، أو طرق بابه سائل غرام. تعدّل فقر الدّم بحبوب الحديد وسكّر الأيّام بحقن الأنسولين، ولا تعالج الأرق بأيّ مهدّئ.. كانت تخشى لو نامت اُتّهمت في أمومتها بالتّقصير.

كانت في العشرين لمّا انقطعت عن الدراسة لأنّ عصفورا في اليد أفضل من عشرة على الشّجرة. ما على الشّجرة كانت الأحلام نائمة في خدور الورق لم تتبرعم بعد. ما باليد زوج وسيم ميسور، تحوّل بسرعة إلى ضلفة تين شوكيّ ناضجة الأذى، ممتلئة عنفا وبذاءة، ولم تنج منه حتى قبض منها غرامة ماليّة مجزية تعويضا عن ضرر معنويّ لحق كرامته بالطلاق إنشاء. اِستلفت منّي مبلغ الغرامة وأجرة المحامي. ولمّا تمكّنت من العمل عون تنظيف بمؤسّسة خاصّة، بدأت بتقسيط الدّين على دفعات صغيرة، ولم تنته من ذلك حتى اليوم.

أعرف أنّها تتعمّد التأخير في السّداد وتمعن في تقسيطه حتى لا ينتهي شغف النضال الحياتيّ قبل أن تُبلّغ طفلها الوحيد منزلة النجاة. في سريرتي التي نشأت توأما لسيرتها الذّاتيّة رجوت دوما أن يطول قيد الدّين خوف أن تقطع صلتها بي يوم تنقطع عن سداده. وتعرف أنّي أعرف، وأنّي أخشى أن أفقد في فقدها المعنى المؤنّث لوجودي، فتزداد تعلّقا بي كآخر المطاف الآمن في هذه الدنيا.

 لكن، منذ متى لم أكن مثلها وحيدة..؟

- بيد أنّي أنا لم أكن كذلك على هذا النّحو الصّارم..

كأنّما استمعت إلى هذر النميمة بين جنبيّ. كلامها وابل حاصب يرشقني ووجهها ينصرف عنّي مُغضبا.

- كان العالم ممتلئا به، مكتظّا حدّ الازدحام بمشاغله. وكان للشّقاء معنى محبّبا وخفيفا.. ساعات اليوم الأربع والعشرين قليلة، وأقلّ منها أيام الأسبوع وأشهر السنة.. كان رجل حياتي، كيانا صغيرا يختزل معاني الرّجولة المنشودة، كلّ ما تحتاجه امرأة من الحبّ لتكون..ثمّ.. لم يعد هنا. لم أقف من قبل وجها إلى وجهي كما الآن، لم أرني منعكسة على مرآتي من سنين عديدة.. وجهه ما ينعكس عليها، جماله وشبابه وخفّة العمر المبحر في مراكبه الجامحة.. وجوده ما يحثّني أن أتقدّم في العمر واثقة الخطى والقلب معه ولأجله. أرعبتني صورتي حين تعثّرت بها قبل أيّام.. لقد تُركت عجوزا وحيدة في منزل الخمسين يا صديقتي..

هل حقّا تزوّج حبيبي الوحيد وسافر بعيدا عنّي؟

هل عليّ إذن أن أكتفي بلقاء افتراضيّ عبر شاشة تبتلع تفاصيل اليوميّ على وجهه وفي نفسه المختبئة خلف وميض الضّوء..؟ أن أرى حفيدي من وراء الظلال وأسمع كركرة ضحكاته العابثة مسجّلة، محسّنة؟ أن أظلّ هنا بانتظار أن تعنّ له زيارتي ذات صيف لأنهك نفسي في إنعاش الأيام التي كسدت من بعده، لأحبّه بإسراف وأخدم أسرته بلا حسبان ثمّ سريعا ما يرحلون عنّي من جديد..!؟

لم أجب. كان الإثبات يَمِض عند منابت الشّعر المصبوغ، في عصبيّة الحركات، في الظلال الحزينة بين القسمات.. توجعني نظرتها المنطفئة. أبتلع غصّتي. أغيّر زاوية النّظر إلى أفق مختلف. لا أقول إنّه هرّب سعادته الشّخصيّة عن قبضة حنانها المتطرّف، وإنّها لم تحتمل أن يسكن رجلها الوحيد إلى امرأة غيرها فلم تستطع أن تكون حماة بأمومة رصينة معتدلة لا تتحسّس منه متغلغلة في التفاصيل الدقيقة لشؤونه اليوميّة والليليّة، مندسّة إلى أسراره العميقة من الفجوات الصغيرة بين كلمات، والحركات، وفي رفيف الجفن من فرح أو ترح..

أشفق على روحي السّاكنة بين جنبيها، على روحها التي تهب حياتي شربة أمل كلّ ما جفّت الينابيع في نفسي واكتسحني العطش.

- لا تحزني إلى هذا الحدّ حبيبتي. يقف بي الوقت عند حافّة اليأس إذا رأيتك تحزنين. تلك سنّة الحياة. ما يزال في العمر بقيّة إذن ما تزالين شابّة. آن الأوان ليعيش كلّ منكما مستقلا عن الآخر. اليوم، له حياته ولك ما تبقّى من الحياة. لعلّها اللّحظة المناسبة لتنتبهي إلى نفسك وقد أهملتها كثيرا، لأن تمسحي عن مرآتك كلّ طبقات الوجوه المتراكمة على صورتك فتصاحبينها من جديد وتهبينها نصيبا من الحبّ والرّعاية. نحتاج في هذه المرحلة من العمر أن نكون أمّهات أنفسنا نرفق بها ونحنو عليها ونضمّها إلى صدورنا كطفلة مرتعبة، نحتاج أن نغيّر أثاث القلق في بيتنا الرّوحي ونجدّد ستائره ونباتات الزينة في أصصه.. تعالي نتعلّم معا كيف نحبّ أنفسنا وننتمي إليها.. لنتدرّب على انتظارها انتظار المحبّين ونلتقيها إذا جاءت بشوق، بحنين..

أنتِ..

أوقفت سيري التّائه مندفعة نحوي بكلّ عاطفتها المصطخبة، منسحبة منّي كما لو كانت تتهيّأ للتلاشي الفجئيّ من مجالي الحياتيّ برمّته..

- أنا بخير. أستفيق مثلك، ألمّع مرآتي الدّاخلية يوميّا، وأفتح شباك العمر الباقي على وجهة نظر جديدة. اِطمئنّي. أنا بخير. كلّ ما في الأمر أنّ حبيبتك تتعلّم متأخّرة بخمسة عقود كيف تتقن فنّ الموت الحرّ والمرِح كأن تفضّل مثلا أن تظلّ بومة تعشّش وحيدة على شجرة اللّيل الجرداء تترصّد الفئران الغافلة على أن..

- على أن ماذا..؟ ما الذي تخفينه عنّي؟

جرفت غرغرة الدّمع حمولة كلام مثقل بالحنق. وضعت كفّها على فمي تمنع عنّي مزيدا من المخاتلة.

كان النّهار يغادر مدرج اليوم وكان لا بدّ لهذا الهذر العاطفيّ المخادع أن يعود إلى مخدعه. لم تنفصل، فقط، عن جنبي حين انتصبت واقفة قبالتي. خرجت منّي. غرُبت عنّي. برْق غير مرئيّ شطر زيتونة العمر التي ظلّلتنا معا إلى مسارين متوازيين، ولونين أوّليّين ناريّين يتواجهان في صراع خفيّ على احتكار الأفق المشترك.. ذهبت عنّي. عادت إليّ. كتفت ذراعيها تضمّ روحها إلى صدرها، وأهملت روحي إلى صقيع الوحدة. سمّرت نظرها عليّ برهة ثمّ فكّت اشتباك ذراعيها فخفقت عصفورة من فتحة الضّمّة وحطّت على كتف الغد..

هل هذا أوان سداد القسط الأخير من الدّين؟

- لا أعرف أيّ عاصفة يتكتّم عليها الفراغ السّاكن بين جنبيّ. الغابة تشرع لي حضنها، أسمع نداءات أشباحها وقصصها تحرّضني على المسير. قد تنخلع رقبتي ذات التفاتة عشق عنيفة إلى الأمس فتُشلّ حركتي أو أضيّع اتّجاه خطاي القادمة. قد أصير استفاقة مشوّهة بداء الاكتئاب لأسطورة لاميا النّائمة فيّ، أقتل أطفال الفرح في قلوب النّساء، وأبني بيت قلقي الجديد على أنقاض بيوتهنّ. قد أعثر لي هناك على شجرة القصة الأسطوريّة فأتّخذها معتزلا للتعبّد.. لا أعرف ما قد أكون، سوى أنْ لا ذئب في الغابة يستطيع ابتلاعنا معا في بطن واحد..

***

بسمة الشوالي

...............

 1- نبتة أُطلق عليها اسم عشقة كنارية وهي نبتة دائمة الخضرة، زاحفة، تنمو كغطاء أرضيّ خلاب لاسيما في قاع الوديان. تُنشر بذورها بواسطة الطيور، ولها القدرة على التسلّق من خلال جذورها الّتي تتشبث بالركيزة. تُعد من النباتات الناجية من غابة الغار في أوروبا الّتي اختفت منذ حوالي عشرة آلاف عام.

 

في نصوص اليوم