من عينه قفزت دمعة إلى فنجان الْقهوة الْموضوع أمامه على جذع زيتونة متفحّم وسط الرّكام.
امتدّت يده لتخترق الْبخار الْمتصاعد من الْفنجان، تسمّرت عيناه في الْمدى، وامتطى صهوة النّغم…
ورقة غار سمراء رآها تطير من فنجانه ملتفّة ببخار الْقهوة وقد استقرّت دمعته على حوافها الْمنكمشة.
تدفّقت إلى مسمعه وشوشات تتزاحم في شرفات الْبخار الْمتصاعد بين يديه:
- قد حالَ وجهك الْمُغبرّ بيني و بين الْبُنّ، قالت، فأيُّ قَدَرٍ أنتِ؟
- أنا الْعُصارة الْمنكّهة بطعم عرقه، ردّت السّمراء، و ما نسيت ضجيج الطُّرق ولا أصغيْت لغير الْأُفق.
ولا أزال وإنْ هشّ كفّي أحفظ رائحة يديه مذ سرَتْ في التّربة الّتي ضمّت بذرة أمّي الْأولى في أعلى الْهضبة.
ولا أزال أقرأ بصماته على مدارج الْقمر، وما نسيت ومضات عينيه حين كان يتطلّع إلى وجهي الْغضّ مسندا ظهره إلى جذع أمّي.
أنا قَدَرُ قهوته، وقد وهبت الْبنّ عهدي بئلاّ يُدركَه لهيب ملحك مهما جفّ وجهي وهشّ كفّي.
- فإلى أين تمضين بي أيّتها السّمراء؟
- إلى الْأفق الْمخضرّ حيث الْمذاقاتُ الْأُخَرُ، لعلّك…
أطبق جفنيه يستلهم نفحةً من طيب ما فارقت
نبضه.
عادت به الذّكرى إلى حديث أسرّه الْجدّ إليه لمّا أطبق الْمساء فكّيْه على الْقرية:
-كنّا، قال الْجدّ، كلّما داهمنا الْغبار نغتسل بعصارة الْغار فتيْنع بين ضلوعنا غابات السّدر
ويتمدّدُ الشّيح والصّبّار في الْمدى…
هو لم يسأل جدّه حينها عن مقاصد حديثه، وإنّما اكتفى بإغماض عينيه ليتسنّى له السّفر على أجنحة أنفاسه إلى حيث أكاليل الْغار
وروائح الشّيح وأنغام الصّبّار…
حملق في قهوته ولا يزال بخارها يهمس للرّكام.
ابتسم. مدّ يده إلى الْفنجان ليرفعه عن جذع الزيتونة الْمتفحّم، غير أنّ قطعة من جناح
وقعت على زنده…
أحصى قِطَعَ الْفنجان الّذي كاد يقترب من شفتيه.
ألقى نظرة إلى الْجذع الّذي يجلس إليه فألهب الدّخان عينيه…
رفع قطعة الْجناح الّتي أتلفت قهوته، شبك أصابعه.
إنّها قطعة من جناحِ حَجَلٍ…
أطرق زمنا لم يُحصه…
وما رفع رأسه إلاّ على صفيرٍ يضجّ حواليه، ورحيق الْخزامى يتنفّس على شفتيه…
***
(قصّة قصيرة)
بقلمي: هادية السالمي دجبّي








