ما زلتُ أختارُ الغيابَ لِأحضُرا
أغمضتُ عيني في الطريقِ لكي أرى
أنا غيمةٌ وُلِدَتْ منَ البرقِ الذي
قد قبّلَ الأمطارَ ثُمَّ تكسَّرا
مُتجذِّرٌ في الضوءِ حتّى إنّني
أنبتُّ شمساً من تباريحِ السُّرى
عشبٌ وهاجسُهُ الرحيلُ وزنبقٌ
طعنَ المياهَ فكانَ أصفرَ أحمرا
ورفيفُ أجنحةٍ سيَغزِلُ أغصُناً
من نسمةٍ عذراءَ كي تتبخترا
أنا عشبةٌ لم تسعَ يوماً للخلو..
دِ وإنّما رأتِ الفَناءَ الأبهرا
لي خافقُ الأشجارِ وهْيَ تشيبُ في
صمتٍ وتتركُ حكمةً فوقَ الثرى
لي ما لِهذا الطيرِ من كلِّ السَّما
شيءٌ قليلٌ صارَ عنديَ أكثرا
لمّا تدلّى الغُصنُ لم أقطِفْ سوى
مطرِ الترابِ وقد تركتُ الأخضرا
هل كانَ حُلْماً أنّني مُتوسِّدٌ
نهراً وموسيقى تفيضُ على القُرى
حيثُ العساليجُ اشرأبَّتْ من يدي
وتفتّحَتْ مدنُ الكلامِ لِأعبُرا
يا أيُّها المطرُ الخفيفُ سقيتَني
حزناً بأقصى الروحِ فيَّ تجذّرا
من قطرةِ المطرِ الرهيفةِ سوفَ أُوْ..
لَدُ ثُمَّ أكبُرُ في المدائنِ أنهُرا
أعطيتُ هذا الماءَ لونَ طفولتي
وأبَيتُ يوماً أن أكونُ مُفسَّرا
أنا غارقٌ في وردةِ الليلِ التي
من ملحِ أيامي سقَتْنِيَ سُكّرا
ولأجلِ هذا الحبِّ خُضتُ معاركي
مُتغرِّباً مُتصعلكاً كالشَّنْفَرى
بارزتُهم بالغصنِ أخضرَ يانِعاً
فهزمْتُهم وكسرْتُ ذاكَ الخِنجرا
أنا لستُ أقطِفُ وردةً لحبيبتي
لكن سأزرَعُها بها كي تُزهِرا
لمّا قرأتُ على النساءِ قصائدي
رفرَفْنَ كالأطيارِ في هذي الذُّرى
والموتُ والِدُنا ونحنُ صغارُهُ
في الأرضِ أودَعَنا وقالَ وقد جرى:
فَلْتَنعَموا في الأرضِ وَلْتتمتّعوا
أنا عنكُمُ (واللهِ) لن أتأخّرا
***
د. عبد الله سرمد الجميل
شاعر وطبيب من العراق








