نعيش زمناً سريعاً غريباً، يتطور ويتجدد بصورة يومية، يرغمك على مجاراته وضرورة فهمه حتى تتعامل معه؛ فالأمس فيه ليس كاليوم ولا الغد.
أولاده أهدوه عند بلوغه سن التقاعد هاتفاً حديثاً يرى من خلاله صورة المتصل، بعد أن شحّ منه البصر. لا يرغب في المكوث بالمنزل وسط صخب وضجيج الأحفاد، فلا أحد يمنحه بعضاً من أكسيد الفرح كي يشعر بإنسانيته. ضاقت به حجرات المنزل وكأنها تلفظه، كما لفظته شركة الورق التي عمل بها وأعطاها الكثير من جهده وعمره، في مقابل خطاب شكر تعلنه فيه بنهاية خدمته.
دنيا تأخذ منحنيات مفاجئة لم يكن يوماً متأهباً لها، والغريب أن روحه ما زالت تنبض رغم تسرب الفرح من بين جنباته. اعتاد السير إلى اللامكان، "زحمة يا دنيا زحمة"؛ تذكر الأغنية الشعبية الشهيرة. الشوارع أصبحت أكثر توحشاً، ولا بد أن تكون منتبهاً أثناء السير، فالسيارات المسرعة لن تتوقف لعبورك الطريق.
كيف لم ينتبه إلى هوان نفسه ولا موت روحه بغيابها؟ كانت تعرف طلباته دون أن يطلبها، تضبط البيت وتجعله نظيفاً دون ضوضاء ولعب الأطفال حتى موعد عودته من العمل.
لكزته امرأة دون قصد، ليتها كانت قاصدة! لها جسم لاذ بالفرار بعد أن ألهب الشرر، وبقي عطر جسدها النضر مثل الفاكهة الشهية، استطاع جمعه وإخفاءه في جيب سرواله. وجد نفسه متلبساً بابتسامة مقتضبة، متسائلاً: كيف استطاع إخماد مشاعره عشرين عاماً؟
لكمته الحياة وأفقدته الكثير من بهاء العيش في لعبة ماكرة، قام فيها بالدورين: الأب والأم. هذه الشمس لا تشرق من أجلك وحدك، لكنها تبهج كل البشر. كان أمامك منعطف الحنين، لكنك اخترت غيره؛ لم تستمتع بموسيقى البحر وتغريد الطيور، ولم تفتح نافذة القلب.
كانت هناك امرأة شابة تجلس قبالته، متوهجة، ممتلئة حيوية وحباً للحياة، وهي تطل من نافذة الباص على غرائبية الحياة.
***
قصة قصيرة
بقلم: محمد محمود غدية - مصر







